الضرورة والمحظور: ضوابط استباحة المحظورات بين النص الشرعي والانحراف التطبيقي مقدمة: تتسم الشريعة الإسلامية بالتوازن الفريد بين ثبات المبادئ ومرونة التطبيق، وهو توازن ينبع من تحقيق مقاصدها في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وتجسد قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" هذا التوازن بأبلغ صورة، إلا أن الإشكال يكمن في التطبيق المعاصر الذي شهد انزياحاً خطيراً عن الضوابط الشرعية، مما يستدعي تقرير قاعدة تكميلية محكمة: "لَيْسَتْ كُلُّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، وَلَيْسَتْ كُلُّ الْمَحْظُورَاتِ تُبِيحُهَا الضَّرُورَاتُ". يتناول هذا المقال تفكيك هذه القاعدة تحليلاً واستنباطاً، وبيان حكمتها في الحفاظ على كيان الشريعة في مواجهة النزعات التبريرية. أولاً: التأصيل الشرعي. ما الضرورة؟ وما المحظور؟ الضرورة لغة:الحاجة الشديدة الملجئة. وشرعاً: الوقوع في حالة خوف على أحد المقاصد الشرعية الكبرى من هلاك أو إصابة مؤذية، بحيث لا يجد المكلف مندوحة عن ارتكاب المحظور ليدفع عن نفسه الضرر. وهذا التعريف يستبصر بجملة من الضوابط: · الضابط الواقعي: أن تكون الضرورة قائمةً بيقين لا وهماً أو ظناً. · الضابط الكمّي: أن تبلغ درجة الخوف من التلف أو المرض الشديد. · الضبط البديل: انتفاء أي مسلك مشروع لاتقاء الضرر. ثانياً: الانزياح التطبيقي من الضرورة إلى الحاجة إلى الهوى. يسهل اليوم تلبيس"الهوى" بلباس "الضرورة" تحت ضغوط الحياة المعقدة، فيتحول الاستثناء إلى قاعدة، والممنوع إلى مباح. ومن تجليات هذا الانزياح: · في المعاملات: ادعاء الاضطرار إلى المعاملات الربوية مع وجود بدائل التمويل الإسلامي. · في الإعلام: تسويغ نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة بسَبَقِ الصحافة أو جذب الجمهور. · في السلوك الفردي: التماس مبررات للكذب أو الغش بدعوى الضغوط الوظيفية أو التنافسية. ثالثاً: الحصون الحصينة: محظورات لا تزيلها ضرورة. ثمة حدودٌ حمراء لا تتأثر بادعاءات الاضطرار، فهي تمثل الثوابت التي لا مساومة عليها: .1 الشرك بالله تعالى: فهو أعظم الظلم، ولا تبيحه ضرورة مهما عظمت، لقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}. .2 قتل النفس المعصومة: فلا يجوز قتل إنسان بريء لإنقاذ آخر، حفاظاً على مبدأ "لا تَزُولُ قدَمَا عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه..." كما في الحديث. .3 الزنا: فهو من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا يدخل في دائرة المساغات الشرعية. .4 الاعتداء على أعراض الآخرين: بالغيبة أو السباب، إلا في حدود النصيحة أو الشهادة بالحق. رابعاً: فقه الموازنات: تطبيقات معاصرة في ظل الضوابط. · في مجال الطب الحيوي: لا تبيح الضرورة إسقاط الجنين إلا لخطر محقق على حياة الأم، مع مراعاة موازين الاستقطاع والاستبقاء. · في الاقتصاد: لا يسوغ الاضطرار المالي الانخراط في معاملات الغرر أو الجهالة التي تفضي إلى استغلال الناس. · في الأمن المجتمعي: لا يبرر الخوف من الفتنة التغاضي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة. خاتمة: ليست القاعدة الشرعية "الضرورات تبيح المحظورات" شهادةَ مفتوحة لإباحة كل محظور، بل هي إطار مضبوط بضوابط، يحقق الرحمة دون تفويت لمقاصد الشريعة. وتأتي القاعدة التكميلية التي بين أيدينا لترسّخ أن "الضرورة تُقدَّر بقدرها"، وأن ثمة ثوابت هي بمثابة خطوط حمراء تحفظ للشريعة قداستها، وللمجتمع أمنه وأخلاقه. ففقه الضرورة ليس فقه استسهال، بل هو فقه موازنات يراعي الأولويات ويحفظ الكليات. الأستاذ الدكتور عبد الله الخليل التميمي Generations and Technology University