من عِبر التاريخ: الاحتفال بالمولد النبوي الشريف!؟ بسم الله الرحمن الرحيم (قل: بفضل الله وبرحمته؛ فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون). أما بعد: عدد من الإخوة أراد مني أن أعطي رأيي في الجدال الذي يتجدد في كل عام، حيال الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. وكنت أجيب أولئك الإخوة بأنني نشرت منشورات عديدة؛ أوضحت فيها رأيي. وأمام رغبتهم المتكررة أقول: أولا: الاحتفال بالمولد النبوي؛ ليس فرضا دينيا (ليس ركناً، وليس شرطا، وليس سبباً). وليس هو واجبا على مذهب الذين يفرقون بين الفرض والواجب! لأن دعوى أنه فرض؛ تتطلب أمرا حتما من الشارع الحكيم، دلالته نص أو ظاهر. وليس الاحتفال بالمولد النبوي حراماً؛ لأن دعوى أنه حرام؛ تتطلب نهياً زاجرا حتما، دلالته نص أو ظاهر. والاحتفال بالمولد النبوي ليس مستحبا لذاته، وليس مكروها لذاته، بدليل شرعي آمر أمرا غير محتّم، أو ناهٍ نهيا غير محتّم. والذين يستحبونه؛ إنما يستحبونه استنتاجا واجتهادا. والذين يكرهونه أو يحرمونه؛ فكذلك. ثانياً: عندما يكون الشارع الحكيم ساكتاً عن حكم مسألة معيّنة؛ يقول الأصوليون: إذا أمكن إلحاق المسألة المسكوت عنها بالمحرمات؛ فهي محرمة. وإن أمكن إلحاقها بالمكروهات؛ فهي مكروهة. وإذا لم يمكن إلحاقها بالفرض أو بالحرام، أو بالمندوب، أو بالمحرم؛ فهي مباحة! والمباح: هو الذي لا يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه لذاته. إنما يترجّح ندبُه لما يحيط به، أو يترجح تركه لما يحيط به. ثالثاً: مما يحزن أن المتصارعين حيال هذه المسألة القاطنة في دائرة (سكوت الشارع) إما مقلدة مميزون، أو همج رعاع، أتباع كل ناعق! وجميعهم ليسوا من أهل الترجيح والاجتهاد. رابعا: الذي يقول: إن البدعة هي ما لم يكن على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في عهد القرون الثلاثة؛ مخطئ حتما، حتى لو كان مثل الحافظ ابن رجب! إذ ليس على هذا أي دليل أصولي ولا معقولي أصلا. فجميع البدع والضلالات والإلحاد والنفاق؛ كان موجودا في هذه القرون المفضلة هذه فتكون الخيرية التي جاءت في الحديث، من العام الذي يراد به الخاص. ويبقى كلام الإمام الشافعي وجمهور الأمة؛ أن البدعة هي ما خالف كتابا أو سنة أو إجماعا؛ هو الذي يجب المصير إليه. خامسا: جمهور علماء الأمة لا يرون في التوقيت ابتداعاً. فلو أن إنسانا ألزم نفسه بأن يصلي عقب صلاة الظهر ركعتين، ثم يصلي بعد ساعة أخرى ركعتين، وبعد الساعة الثالثة ركعتين؛ يرون هذا أمرا مشروعا محببا؛ لأن فيه زيادة طاعة وتقرب من الله تعالى. بينما يرى أحمد ابن حنبل هذا ابتداعاً. وأحمد ابن حنبل ليس بمتكلم ولا أصولي ولا فقيه مجتهد. وأنا أستغرب كيف يقلده أمثال ابن تيمية وابن القيم وابن رجب! ختاماً: الحكم على الاحتفال بالمولد النبوي بذاته؛ مباح إذن. ليس بمندوب إليه، وليس بمكروه. لكن استحباب الاحتفال بالمولد يأتي من جهات: الاولى: إيمان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفضله، وحبه، وكرامته عند ربه. وما يكون في المولد من ذكر الله تعالى، وصلوات على رسوله، وبيان طرف من سيرته، ومديحه، والفرح به ورسالته، وبإطعام الطعام والحلوى بهذه المناسبة. وبكلمة مختصرة: إن الاحتفال بالمولد النبوي: هو الحب والشوق والوفاء والأنس والرضا. فمن لا يرغب بذلك؛ فهو مسكين محروم. والله تعالى أعلم. والحمد لله على كل حال. الأستاذ الدكتور عداب بن محمود الحمش