قَريباً مِن السِياسَةِ: لقاءٌ قدريّ عابر !؟ بسم الله الرحمن الرحيم (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ، كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) [الإسراء]. أمّا بعد: عددٌ غير قليلٍ من الإخوة يقولون: اكتب لنا مذكّراتِك. فإذا كتبت شيئاً من تلك المذكّرات؛ قال بعضهم: أنت تمدح نفسك، وترى نفسك عالياً! لكنْ أفهموني: هل المذكّرات في آداب العالَم كلّها، سوى الحديثِ عن تجاربَ عاشها كاتبُ المذكرات؟ وهذه حكاية لم يمض عليها أكثرُ من شهرٍ، وقعت قدراً، في إحدى حدائق (باشاق شهير). أرجو أن يكون فيها فائدة، أو تسلية على الأقلّ! التقيتُ بضابطٍ عراقيّ سابقٍ، في حديقةٍ عامّة باستانبول، سلّم عليّ، فرددت عليه السلامَ، وعرفت من لهجته أنّه عراقيّ! كنت متعباً جدّاً، ولديّ سعالٌ حادّ، فما أن وصلت إلى مقعدٍ من المقاعد الخشبية في الحديقةِ، حتى ألقيت نفسي عليه، وأنفاسي تتلاحق من الضيق! غاب الرجلُ دقائق، ثمّ رجع إليّ يحمل كوباً من القهوة «نسكافيه» وقطعة بسكويت مغلّفة! سلّم عليَّ ثانيةً وصافحني، وأبدى شفقته على مرضي والسعالِ الحادّ الذي ينتابني، حتى من الهواءِ، أثراً عن الحساسية الصدريّة. جلس بجانبي، وراح يتأمّلني، ثم قال: أُشبّهك برجلٍ سوريّ كبيرٍ، كان عندنا في العراق، اسمه «عذاب النعيمي» هل تعرفه، أو بينكما قرابة؟ صمتُّ قليلاً، ثمّ قلت: هل يوجد أحدٌ يسمّي ولدَه «عذاب»؟ قال: هذا اسم معروف عندنا في العراق، يسمّي به البدو بعضَ أبنائهم، والرجل نعيميّ (يريد: أنه قَبَلي). قلت: ماذا كان يَعمل عندكم هذا الرجل؟ قال: كان يعملُ أعمالاً كثيرة، هو أستاذ جامعي، وقد شارك بجميع المؤتمرات التي انعقدت في العراق، وكان مسموعَ الكلمة من الدولةِ، وكان مستشاراً في ديوان الرئاسة، وكان شجاعاً جدّاً، حتى كان يهاجم الرئيس صدّام على المنبر. قلت له: العوامّ يبالغون إذا أحبّوا أو أبغضوا، عرّفني بنفسك لو سمحت؟ قال: أنا اللواء الركن فلان، من بني سعدٍ، في محافظة ديالى، وقد كنت أعمل في المجلس الوطنيّ، وكان اسم هذا الرجل يتردّد كثيراً عندنا. وقد كُلّفت مرّةً بحضور صلاة الجمعة عنده، أظنّ في عام (1994) وكانت خطبته طويلةً تزيد على ساعة، لكنها كانت شيّقةً، لم أشعر بملَلٍ ولا ضجر! كانَ قد قيل لنا: إنه يشتم الرئيس صدّام على المنبر، لكنّه في تلك الخطبةِ؛ دعا للرئيس صدام، وكان ممّا دعا له به: (اللهمّ إنّ عبدك الفقيرَ إلى رحمتك، المقرَّ بتقصيره تجاهَ عظمتك، المحتاجَ إلى عونك وإرشادك وتسديدك. اللهم اغفر له ما جنت يداه، وخذ بيده إلى التوبة النصوح، وهيّئ له بطانةً صالحةً شجاعةً، تذكّره إذا نسي، وتنبّهه إذا غضب، وتوصل إليه معاناةَ الناس على الحقيقةِ، فإنّ الناس كادت أنْ تَكفرَ من الفقر والحاجة، والإمام عليّ يقول: (كاد الفقير أن يكون كفراً، ولو كان الفقر رجلاً؛ لقتلته). أيّها الناس: أيها الضباط: أيها المخابرات: بلّغوا الرئيس صدام حسين؛ أنّ أساتذة الجامعات العراقية، يبيعون أبواب بيوتهم، وخشب شبابيكهم، ولم يبق عند أكثرهم كتبٌ علميّة! قولوا له: كان خليفة المسلمين عمر بن الخطاب في المدينة المنوّرة يقول: ويحكَ يا عمر، لو أنّ بَغلةً عثرت في العراق؛ خشيت أن يسألني الله يوم القيامةِ: لمَ لم تعبّد لها الطريق يا عمر؟ لماذا بناءُ القصور الرئاسيّة الفخمة، واستراحات الاستجمام الفارهة، وأنتم يا سيادةَ الرئيس، ليس لديكم وقتٌ تزورون فيه محارمَكم وأرحامَكم؟ إذا سألك الله تعالى: لماذا هذه القصور يا صدّام؟ بماذا ستجيبه؟ أتجيبه بغير ما عابه الله على المتكبّرينَ والملوك الكبار (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (131) [الشعراء]. هذا الضابط، الذي استحييت أن أسأله: أشيعيّ أنت أم سنّي؟ قال بعد هذا: جميعُ الموظفين في ديوان الرئاسة؛ يحبّون هذا الشيخ، وكانوا يرونه المعبّر الصادق عن ضمائر العراقيين. قلت له: إنّ لي سؤالين: - هل تعرّفت إلى الشيخ «عذاب» هذا؟ والسؤال الثاني: كيف حفظت دعاءه الطويلَ هذا؟ قال: بصفتي موظّفاً في ديوان الرئاسة، لا أستطيع أن أقترب منه، وأظهر نفسي، وأنا مكلّف بعمل ! لكنه ما شاء الله، كان على المنبر كأنه مشعل من نور، كان شابّاً جميلاً، وكان لصوته تأثير خاصّ. أمّا حفظي لهذا الدعاء؛ فلست أنا وحدي مَن كان يحفظ مقاطع من خطبه، بل كثيرون جدّاً عندنا في الديوان. قلت له: وهل كان صدّام حسين يحبّه؟ قال: كان الرئيس صدّام يحبّه كثيراً، وعلمتُ أنه يستمع إلى خطبته الطويلة هذه مرّتين، والله أعلم. قلت له: وإلى متى استمّر عملك في المجلس الوطني؟ قال: إلى حين السقوط، ثم هربت بعدها، وتخفّيت في بلدنا، حتى استطعت الهروب إلى الأردنّ. قلت له: لكنني سمعت أنّ الرئيس صدّام غضبَ عليه، وأمر بقتله؟ قال: لا لا أبداً لم يأمر بقتله، لكنّه غضب منه فعلاً، عندما اتّهم الرئيس صدّام والدولة بقتل المرجع الشيعي «محمد صادق الصدر». علمتُ أنّ الرئيس قال: لقد تجاوز الدكتور عذاب الخطوط الحمر، وفعلاً كان الشيخ عذاب مخطئاً. فالرئيس فوجئ وفوجئنا جميعاً بمقتل المرجع الصدر وأولاده، والأكيد أنّ ذيول إيران هم من قتله، بتكليفٍ منها! ومن الممكن أن يكون الرئيس وجّه إلى المسؤولين عن حماية الشيخ «عذاب» بأن يلفتوا نظره بخشونة، أقول: يمكن ولا أعلم. قلت له: المشايخ لا يفهمون بالسياسةِ، ولا يعرفون كيف يخاطبون الحكّام، وللأسف! قال: لا لا أبداً، هذا الرجل كان يخطب الخطبة، ننشغل بها في ديوان الرئاسة أسبوعاً، ولا يستطيع أحدٌ أن يأخذ عليه مأخذاً يُعاتَب عليه! تبسّم الرجل وقال: أنت استدرجتني يا شيخ، وأعطيتك اسمي واسم مدينتي وعشيرتي ولم تذكر لي اسمكَ الكريم بعد؟ قلت له: أنا هو عداب الحمش النعيميّ. بكى الرجلُ، وأصرّ على تقبيل يديّ كلتيهما، وأنا عاجز عن سحب يدي، وقال: والله يا دكتور: المجلس الوطني كلّه يحبّك، المسلم والمسيح والصبّة، والكلّ يقولون: هذا عالم بحقّ، وشجاع بحقّ، وحتى الذين كانوا مكلّفين بمراقبتك؛ كانوا يعجبون من نشاطك الليليّ وزيارتك بيوتَ الفقراء والضعفاء، وحدك، من دون ضجيجٍ ولا رفيق! أُذّن لصلاة المغرب، فتوكّأت على يده حتى صلّينا المغرب وخرجنا. دعوتُه إلى منزلي، فاعتذر لأنه يقيم في الآسيويّ، ويريد أن لا يتأخّر عن بيته، وقال: لعلَّ لنا لقاءً آخر، نزوركم مع بعض الزملاء، إن شاء الله تعالى. ربّنا ظلمنا أنفسنا، وإنْ لم تغفر لنا وترحمنا؛ لنكوننّ من الخاسرين! والحمدُ لله على كلّ حال الأستاذ الدكتور عداب محمود الحمش الشريف عداب الحمش الحسيني #مذكرات #ذكريات. عر