فَضَالَةُ وَمِيلَادُ قَلْبٍ جَدِيدٍ

فَضَالَةُ وَمِيلَادُ قَلْبٍ جَدِيدٍ بقلم الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو ها نحن نطلُّ على أعتاب شهر ربيع الأول المبارك، الشهر الأغرّ الذي تنفست فيه الدنيا صبيحة مولد النور الأبدي، نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، لتبدد شمسه ظلمات الجاهلية وتحيي القواتم من القلوب، وكأنما يتجدد فينا عبق السيرة العطرة ليروي أرواحاً طالما استسقت من غيث الهداية النبوية، وفي هذه النفحات العطرة من بداية هذا الشهر الفضيل، تتراءى لنا قصص الحب الإلهي والتحول العجيب؛ حيث تتبدل جمرات الحقد البشري إلى أنهار من اليقين الصافي، تماماً كقصة ذلك الصحابي الجليل الذي جاء باحثاً عن الموت فخرج حاملاً للحياة، وكأن قلبه أشرق من جديد مع طلعة هلال ربيع النور. في عام الفتح، حيث تهاوت أصنام الجاهلية وتطايرت شرارة الكِبر من علا أطلال مكة، كانت القلوب تتقلب بين رغبة ورهبة، وفي هذا المشهد المهيب، كان فُضَالَةُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ يطوف بالبيت الحرام، وكأنما تحمل نفسه عاصفةً هوجاء من الضغينة؛ فقد أعمى بصيرَتَه سعيٌ أعمى للنيل من بهجة الدنيا رسول الله صلى الله عليه وسلم. دنا فضالة من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وبجواره خبث الدخيلة، وكان قلبه كالجمر المشتعل تحت الرماد، وكأنما يقف أمام شمس ضاحكة لا تقوى الظلال على مجاراتها. التفت إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم بابتسامةٍ تفيض نوراً، وناداه: أفضالة؟ فأجاب بارتباكِ الممسوكِ في جُرمه: نعم، فضالة يا رسول الله. سأله النبي صلى الله عليه وسلم بحلمٍ يزن الجبال: ماذا كنتُ تحدث به نفسك؟ فأجاب محاولاً مواراة جمرته الباردة: لا شيء، كنت أذكر الله! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ضحكةً كأنها نسيمُ سحرٍ رقيق يبعث الحياة في الرماد، ثم قال له بكل لين وشفقة: استغفر الله. ثم مدّ النبي صلى الله عليه وسلم يده الطاهرة الكريمة، فوضعها على صدر فضالة، وما هي إلا لحظة حتى صار صدره وكأنما تلقى غيثاً صيباً من السماء، فأطفأ جمر الحقد وأزال غيوم الضغينة، وسَكَنَ قَلْبُهُ سكون الموج بعد عاصفة هوجاء. لقد انقلبت الموازين واختفت الظلمات؛ فصار فضالة يحدث الناس بما جرى قائلاً بصدق العارفين: واللهِ، ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليَّ منه! لقد كان هذا اللمس النبوي بمثابة الإكسير الذي أحال معدن القلب القاسي إلى ذهبٍ خالص من الإيمان والصفاء. وما أن انصرف فضالة بن عمير من حول النبي صلى الله عليه وسلم، حتى وجد نفسه في عالم آخر؛ عالمٍ تلاشت فيه غشاوة الضلال وانقشعت عنه سحب العصبية، كأنما مُسح قلبه بماء الطهر والنقاء، فرجع إلى أهله متخذاً درباً جديداً تختلف تماماً عن تلك الطرق الملتوية التي سلكها قبل دقائق معدودات. وفي طريقه، اعترضته امرأة كان يجالسها ويحدثها قبل اليوم، فوقفت تستوقفه كعادتهما، وقالت له بدلال وجرأة المعتاد: هَلُمَّ إلى الحديث! متوقعةً منه الاستجابة السريعة واللهو القديم. لكن فضالة اليوم ليس فضالة الأمس؛ فقد غادر الجاهلية وأثقالها، وبات قلبه معلقاً بأنوار النبوة وطمأنينة الإيمان، فأجابها بثبات الواثق المتبصر: لا! وتركها وراءه تمضي في حيرتها، منبعثاً بصوته الشجي الصادق يردد أبياته الخالدة التي تسطر تحوُّل قلبه، وكأنها بلسم شفاء يغسل أدران ماضيه: قَالَتْ: هَلُمَّ إِلَى الْحَدِيثِ فَقُلْتُ: لَا ... يَأْبَى عَلَيْكَ اللَّهُ وَالْإِسْلَامُ لَوْمَا رَأَيْتُ مُحَمَّدًا وَقَبِيلَهُ ... بِالْفَتْحِ يَوْمَ تُكَسَّرُ الْأَصْنَامُ لَرَأَيْتَ دِينَ اللَّهِ أَضْحَى بَيِّنًا ... وَالشِّرْكُ يَغْشَى وَجْهَهُ الْإِظْلَامُ بهذه الأبيات، أعلن فضالة براءته من ليل الجاهلية الطويل، ودخل فجر الإسلام ثابتاً، مطمئناً، حامداً ربه على أن هدُي إلى الصراط المستقيم بلمسة حنان نبوية واحدة غيرت مجرى حياته إلى الأبد. لقد أدرك فضالة بعين قلبه الجديدة أن ما كان فيه من باطل يشبه السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً، فلما تجلت له شمس الهدي المحمدي، تبدد السراب وانكشف الزيف، ولم تعد تلك المجالس تستهويه، فقد ذاق حلاوة الإيمان واليقين التي جعلت متاع الدنيا وأباطيلها تبدو أمامه كفقاعات الهواء الفانية. وهكذا يبقى ربيع النور متجدداً في النفوس، يروي بمداده العطر أشجار اليقين، لتظل قلوبنا – كقلب فضالة – تعج بحب المصطفى صلى الله عليه وسلم ما حيينا، لقد كان اللقاء بين جفاء الحقد ولين الرحمة درساً بليغاً في كيفية استمالة القلوب بالحب والحكمة لا بالسيف والقطيعة، وعاد من كان يبغي القتْل مُتيّماً بالحياة الحقيقية في طاعة الله تعالى ورسوله، كأنما وُلد من جديد في ذلك الطواف المجيد. كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University