من حلب إلى السوربون إلى الفاتيكان: كيف رسّخ الدواليبي عالمية الإسلام؟

من حلب إلى السوربون إلى الفاتيكان: كيف رسّخ الدواليبي عالمية الإسلام؟ مقدمة : في الثالث من مايو عام 1992، كان الدكتور محمد معروف الدواليبي يحزم حقائبه في منزله متوجهاً إلى جدة لحضور دورة مجمع الفقه الإسلامي. لكن وكالات الأنباء حملت إليه خبراً أيقظ فيه ذاكرةً عمرها نصف قرن من المواجهات الفكرية مع الغرب. في واشنطن، وتحت رعاية "معهد دراسات الشرق الأوسط"، وبإشراف لجنة "إيباك" الصهيونية، انعقدت ندوة بعنوان "أمريكا والإسلام وتحديات التسعينات". خلصت توصياتها إلى أن الإسلام بات "العدو الأول" للغرب بعد انهيار الشيوعية، وأنه يهدد الحضارة الغربية ذاتها. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها الدواليبي مثل هذا الكلام؛ فقد سبقه إليها الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه "الفرصة السانحة"، ووزير الخارجية الإيطالي جياني ديمكنس الذي طالب باستمرار "الحلف الأطلسي" لمواجهة "العالم الإسلامي". لكن الرجل الذي درس في السوربون، وتنقل بين الوزارة والرئاسة في سوريا، ورأس حوارات الفاتيكان، لم يكن ليرد كغيره من المنفعلين. بدلاً من بيانات الشجب الصاخبة، كتب رسالة إلى مجمع الفقه الإسلامي، ووثيقة أخرى سماها "ثوابت رسالة الإسلام العالمية الإنسانية"، ليؤسس من خلالهما نموذجاً فريداً في مواجهة "الغزو الفكري". من القومي الشاب إلى العالمي الراسخ لقراءة هذه الوثائق فهماً، لا بد من العودة إلى مسيرة صانعها. ولد الدواليبي في حلب عام 1909، وتلقى تكويناً نادراً: الشرعي في المدرسة الخسروية، والقانوني في كلية الحقوق، ثم سافر إلى باريس حيث نال الدكتوراه من السوربون في موضوع "الاجتهاد في الشريعة الإسلامية" بعد أن فرضته عليه الجامعة بنفسها رداً على نقده لمغالطات كتبهم عن الإسلام. في شبابه، كان الدواليبي قومياً عربياً متحمساً. لكنه، بخلاف كثيرين، امتلك الجرأة على تطوير فكره، ليتجاوز الإطار القومي الضيق إلى رؤية إسلامية عالمية، ناقداً القومية المتطرفة التي تتعارض مع رسالة الإسلام الشاملة. هذا التحول الجريء - الذي يخطئ من يظنه تبدلاً موقفياً - كان صقلاً للوعي، جعله مؤهلاً لخوض أعقد الحوارات مع الغرب. (ويصحح نجله، الأستاذ نوفل الدواليبي، هنا لبساً تاريخياً شائعاً، مؤكداً أن والده لم يكن قط عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، بل كان سياسياً مستقلاً ناصحاً لهم في أخطائهم.) وثيقة جدة: استراتيجية الحوار بدل صرخات الاتهام في رسالته إلى مجمع الفقه الإسلامي، يظهر الدواليبي بمثابة محلل استراتيجي أكثر منه عالم دين. النقاط التي سطرها في تلك الرسالة تشكل خريطة طريق للتعامل مع حملات التشويه: أولاً: رفض الرد الإعلامي المثير. لم يطلب بيانات شجب، ولا مظاهرات غاضبة، لأنه كان يدرك أن هذه الانفعالات تُوظف ضد الإسلام، لتأكيد الصورة النمطية التي يروج لها الغرب عن "الغضب الإسلامي". ثانياً: الدعوة إلى حوار علني ودي مع المعهد الأمريكي نفسه. وهنا تكمن الدهشة: لم يقل قاطعوهم، بل قال تعالوا نتحاور. واستند في ذلك إلى منطق قرآني دقيق: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، و{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. إنه يريد تحويل الخصم إلى صديق بقوة الحجة، لا بقوة الصراخ. ثالثاً: نزع الخوف بالمعرفة. استشهد الدواليبي في رسالته بمراجع متعددة: مجلة كامبريدج الأكاديمية، وكتاب نيكسون، وتصريحات ديمكنس، ليبرهن للقارئ أنه يقرأ الظاهرة الغربية كنسق خطابي متكامل، وليس كحالات فردية عابرة. ثوابت الرسالة: الإنسان أولاً قبل العقيدة أما الوثيقة الثانية، التي تحمل عنوان "ثوابت رسالة الإسلام العالمية الإنسانية"، فتمثل العمق الفلسفي لمشروعه. إنها ليست نصاً فقهياً بالمعنى التقليدي، بل هي ميثاق إنساني كتبه الدواليبي بلغة الحقوق والفلسفة. في هذه الوثيقة، يقدم الدواليبي مفهومه للعالمية بثلاثة مبادئ صارخة: المبدأ الأول: النقلة من قومية الأديان إلى عالمية الإسلام. يرى أن الإسلام لم يأتِ ليكون ديناً بين الأديان المتناحرة، بل ليكون نقلة نوعية في تاريخ البشرية، تؤسس لفضاء جديد من التعارف المبني على الخلق المشترك، لا على العقيدة المشتركة. المبدأ الثاني: الصلابة في الجوهر والمرونة في الأسلوب. يفرق بين أمرين: قاعدة "لا إكراه في الدين" والخطاب الموجه للعقل (وهذا مرن ومتغير بحسب العصر)، وبين الثابت الأخلاقي الأسمى: أن "الخلق كلهم عيال الله"، وأن "أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله". الثابت إذاً هو المبدأ الرحماني، وليس التفاصيل الفقهية الجامدة. المبدأ الثالث: إلغاء التمايز بالأوطان والأديان. العبارة الأجرأ في الوثيقة هي قوله "لا تمايز فيها الأوطان والأديان". إنه يعلن مواطنة كونية إسلامية، حيث التمايز الوحيد هو في العمل الصالح، وليس في الهوية. بهذا، يتجاوز الدواليبي المركزية الدينية الضيقة، ويؤسس لمركزية الإنسان كخليفة في الأرض. الفاتيكان ودروس الحوار التي صنعت الرجل لم تكن هذه النظريات مجرد حبر على ورق. فقد سبق للدواليبي أن ترجمها عملياً في حواراته مع الكنيسة الكاثوليكية. ففي عام 1958، وبعد اكتشاف مخطوطات قمران في الأردن، وجه الفاتيكان دعوته لعلماء السعودية للحوار، فترأس الدواليبي وفد المملكة في لقاءات روما. ثم رأس منظمة "الإسلام والغرب" الدولية في جنيف بين 1979 و1984. هذه التجارب علمته أن الغرب يحترم الحوار الرسمي المؤسسي، ويرفض الخطاب الهلامي، وهو ما نقله بدقة في وثائق جدة. خاتمة عندما نربط بين حلب (المنشأ)، والسوربون (التكوين)، والفاتيكان (التطبيق)، نكتشف أن عالمية الإسلام عند الدواليبي لم تكن شعاراً يرفع، بل منهج حياة. لقد علّمنا أن قوة الإسلام ليست في عضلاتنا، بل في حجتنا. وأن الحوار مع الآخر ليس ضعفاً، بل هو انتصار لأنك تسلب خصمك ذريعة الخوف منك. وأن العالمية ليست مجرد دعوة نظرية، بل هي إتقان لغة العالم، وفهم همومه، وخطاب عقله، وتقديم نموذج عملي في التعايش، دون تفريط في جوهر العقيدة. الدواليبي رحل عام 2004، لكن وثائق جدة و"ثوابت الرسالة" تظلان خير دليل على أن الإسلام يملك أدواته الخاصة لمواجهة حملات التشويه، بسلاح العقل والرحمة، لا بسلاح الغضب والانغلاق. نص خطاب جدة حول الغزو الفكري في مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذو القعدة ١٤١٢هـ الموافق ٩ ـ ١٤ مايو ١٩٩٢م. بسم الله الرحمن الرحيم إلى معالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي في منظمة المؤتمر الإسلامي، سيادة الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة، حفظه الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: فإنني حين استجبت لدعوتكم الكريمة لحضور هذه الدورة السابعة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي في جدة، لم أكن أنوي أن أقدم كلمة لي في أحد موضوعات هذه الدورة.. غير أنني في الأسبوع الماضي، وبتاريخ ٣/ ٥/ ١٩٩٢، حين كنت أعد الحجز للقدوم إليكم، حملت إلينا الأخبار العالمية خبر ندوة " أمريكا والإسلام وتحديات التسعينات" التي قد نظمها قبل أيام "معهد دراسات الشرق الأوسط الأمريكي في واشنطن "، وما قد جاء فيها من توصيات أعدتها لهذه الندوة "لجنة العمل الأمريكية الإسرائيلية المعروفة ـ إيباك ـ"، والتي اعتبرت في هذا الوقت تصعيدًا جديدًا مقصودًا لتشويه حقائق الإسلام، والزعم بأنه يهدد الحضارة الغربية!! وأن الإسلام قد أصبح بعد سقوط الشيوعية هو العدو الأول، والتحدي الوحيد للغرب!! كما قد نشرته جريدة الشرق الأوسط العربية الدولية بتاريخ ٣/ ٥/ ١٩٩٢م على الصفحة (١٦) منها. ويؤسفنا جدًّا أن هذه التوصيات الإسرائيلية قد جاءت اليوم ونحن في مرحلة يسعى فيها العالم إلى إقامة نظام عالمي جديد يدعو إلى التعايش فيه بين جميع الأمم والشعوب في أجواء تسود فيها الدعوة إلى التعاون والعمل المشترك لخير المجمع الإنساني كله، بعيدًا عن الأحقاد والعصبيات والصراعات العقائدية والإيديولوجية. ص1861 – موضوع: الغزو الفكري كما يؤسفنا أن هذه المخاوف قد عبرت عنها اليوم عدة مراجع وشخصيات عالمية سياسية في الغرب من قبل ومن بعد.. ومنها "مجلة الشؤون الدولية" بتاريخ يناير (كانون الثاني) ١٩٩٠م، التي تصدر من كمبردج في إنكلترا، وهي من أهم المجلات الأكاديمية المتخصصة. وكذلك فعل الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في كتابه "الفرصة السانحة"، وخاصة ما قد جاء فيه من أن الكثيرين من الأمريكيين قد أصبحوا ينظرون إلى المسلمين كأعداء وإنهم شعوب غير متحضرة، ودمويون، وغير منطقيين!! وكذلك ما قد جاء فيه من الدعوة إلى مواجهة "الأصولية الإسلامية" المصممة على العمل لتطبيق الشريعة الإسلامية!! وعلى أن الإسلام دين ودولة.. مع شكواه أخيرًا من أن بعض زعماء المسلمين يسيطرون بالمصادفة على ثلثي البترول في العالم. ويضاف إلى ذلك كله أيضًا ما قد نشرته أخيرًا مجلة "نيوزويك" الأمريكية في عدد ٢ يوليو (تموز) ١٩٩٠م من حديث لوزير خارجية إيطاليا "جياني ديمكنس"، وكان حينذاك يشغل رئاسة المجلس الأوروبي للمجموعة الأوروبية، حيث قال: بلزوم "بقاء الحلف الأطلسي" بعد انهيار الشيوعية، وذلك: "لأن المواجهة بعد الشيوعية يمكن أن تكون مع العالم الإسلامي". ص1862 – رسالة معالي الدكتور محمد معروف الدواليبي حول الغزو الفكري ولذلك كله، فقد رأيت أن أسارع إلى لفت نظر السادة أعضاء "مجلس الفقه الإسلامي" في جدة إلى تلك التوصيات الإسرائيلية الخطيرة الصادرة من ندوة "معهد دراسات الشرق الأوسط الأمريكي في واشنطن ". وكذلك أيضًا إلى تلك التشويهات لحقائق الإسلام الإنسانية من قبل شخصيات سياسية كنا نجلهم أن يقعوا فيها، راجيًا من مجمع الفقه الإسلامي الكريم أن يتخذ ما يراه مناسبًا وحكيمًا تجاه تلك التشويهات والتوصيات، لا بالرد الصحفي والإعلامي المثير، وإنما فيما أرى بدعوة "معهد الدراسات" المذكور، وكذلك تلك الشخصيات الكبرى إلى حوار علني ودي لديهم ضمن أدب الحوار القرآني الإسلامي من أجل السلام العالمي الذي أمر به الله سبحانه وتعالى حيث قال: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، وحيث قال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وذلك من أجل التعارف الذي أمر به الله فيما بين الشعوب. ومن أجل التعريف بحقائق الإسلام السلمية، ورسالته العالمية الإنسانية: العقلانية الخطاب، والعلمية في الحوار، والداعية لجميع الأمم والشعوب قبل أربعة عشر قرنًا إلى نظام عالمي جديد إنساني، يقوم على التعاون والتكافل في شؤون الحياة الكريمة فيما بين جميع بني الإنسان على اختلاف الأعراق، والأجناس والأوطان، والأديان، وعلى أساس: "إن الخلق كلهم عيال الله، وإن أحبهم إليه أنفعهم لعياله" كما أعلنه رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، ما لم يقاتلونا في الدين أو يخرجونا من ديارنا.. ويسرنا أن نعلن أن كل ما عدا ذلك هو جهل بحقائق الإسلام، بل افتئات عليه، وداع إلى الإفساد في الأرض، وإننا لدعوة "معهد دراسات الشرق الأوسط في واشنطن" للحوار لمنتظرون، إن كانوا لخير الأسرة البشرية عاملين وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.. الدكتور محمد معروف الدواليبي وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين الأستاذ الدكتور محمد سعيد أركي