"هل نستطيع دراسة الدين في المختبر النفسي التجريبي؟ " دراسة تطبيقية في علم النفس الديني د. رأفت شهير شحاده -الاستاذ المشارك في قسم علم النفس الاجتماعي والاكلينيكي -كلية العلوم الاجتماعية جامعة اجيال وتكنولوجيا الأمريكية. تعيش الأمة هذه الأيام طقوس موسم التجاذبات ما بين مجيزي ومانعي المولد النبوي ومبدعينه، ونحن تعودنا على هذا السجال السنوي - منذ كنا صغارا قبل اكثر من اربعة عقود -. ما يهمنا هنا البيئة الخصبة لقياس جميع انماط الشخصية، وكم تمنيت أن أحظى بطالب أشرف عليه ليجمع التعليقات بين الناس وردودهم على بعضهم في مناسبات كهذه ثم تحليل هذه السلوكيات من الجانب النفسي وهذا مقصد المقال. ونعود هنا الى عنوان المقال الذي يطرح عادة في كتب علم النفس الديني : هل نستطيع دراسة الدين في المختبر؟ في بدايات العلمانية والقرن العشرين في محاولة لاقصاء الدين، كان العلمانيون يقولون الله والدين ظاهرة ميتافيزيقية لا تدرس فيجب ان تقصى العلوم الدينية خارج نطاق البحث العلمي. وفي تطور ملفت قبل عدة عقود حاولت عدة دراسات بيولوجية ايجاد جينوم مسؤول عن الدين -بعض الدراسات ادعت ذلك ولكن دون تقديم ادلة مقنعة - ، والبعض ربطها بجزء معين من الدماغ او كبر جزء معين في الدماغ،- وهي كحال سابقتها لا تمتلك الأدلة الكافية لاثبات ما تدعيه. والبعض حاول اختزال علم النفس الديني بالميول والاتجاه نحو الدين فقط، -وهذه النظريات أيضا قاصرة، لأن الدين ليس مجرد ميول واتجاهات بل هو قضية أعمق من ذلك بكثير خاصة في الديانات السماوية الشمولية الثلاث وعلى وجه الخصوص الاسلام. -سواء أكان هذا الميل ايحابيا أو سلبيا تجاه الدين -حيث أن الإلحاد يدخل ضمن سياق دراسة علم النفس الديني، والذي بدأ بالانحسار أخر كم سنة حيث يدعي الملحدون بأن السبب وراء ذلك هو الخصوبة والزواج لدى المتدينين على عكس الملحدين!- وبالتالي هذا الميل السلبي أو الايجابي يترتب عليه انماط سلوكية ونتائج معرفية تحتاج الى دراسة وتحليل وقياس . فالدين عند تحليله سلوكيا نجده يتكون من العناصر الٱتية: أولا : الاعتقاد. ثانيا : عنصر الارتباط بالدين أو الطقوس. ثالثا : السلوك والسلطة بين الافراد والمؤسسات التي تدير المؤسسة الدينية وبين الأفراد أنفسهم. رابعا: الانتماء بمعنى شدة انتماء الأفراد 👤👤👤 فيما بينهم وبين بعضهم البعض. هذه الدراسات مهمة جدا في دراسة ديناميات الجماعة و تماسكها وعاداتها وتقاليدها وثقافتها وقيمها وأخلاقها، وهذا امر مهم جدا وحيوي وأساسي في علم النفس الاجتماعي. لذلك من المهم أن نطرح السؤال الٱتي : هل المتدين هو شخص أصولي متطرف بطبعه؟ بمعنى أن المتدين هو متحيز وأصولي، والملحد والعلماني منفتح على الٱخرين؟ لن أطيل بذكر الدراسات التي كتبت منذ اكثر من قرن منذ وليم جيمس عام ١٩٠٢ حتى الٱن، ولكني سأعطي خلاصتها بالٱتي: [ليس هنالك دليل واضح -حسب الدراسات السيكولوجية - على أن الدين ذاته يجعل الشخص اصولي متطرف -او ما يعرف بالتدين الشبكي - ، أو متدين باحث عن الحقيقة -او ما ويعرف بالتدين الائتلافي-، ولكن العكس هو الاكثر دلالة، بمعنى ٱخر أن سمات الشخصية لكل انسان هي تنعكس على الدين وفهمه، فكلما كان الشخص ذو شخصية ايجابية كان اكثر تسامحا ولين وانفتاحا وسماعا وتقبلا لوجهات نظر الٱخرين، وفي المقابل : كلما كان الشخص ذو عواطف سلبية ممزوجة بالقلق والاكتئاب كان الشخص اقرب للجمود وعقلية العقاب والتكفير واقصاء الٱخر والاستعلاء عليه بل وتكوين طوائف سرية ذات طقوس معقدة باطنية. ] ولكن هذا لا ينقص من مكانة الدين المركزية التي تؤثر في الانفس والسلوك والمعرفة والقيم، فكلما كان ممثل هذا الدين الاقرب الى مخاطبة جميع العقول بطريقة متقاربة كان اكثر تأثيرا بلا شك. وبناء على ذلك نستطيع استخدام مناهج علم النفس الادراكي وعلم الاعصاب وعلم النفس الاجتماعي وعلم نفس الشخصية وعلم النفس الاكلينيكي والنمو والتطوري في دراسة سلوك المتدين تجريبا او ارتباطيا او حتى دراسة الحالة. وليس كما ادعى احد معارضي علم النفس الديني الذي قال: (يريدون أن يدرسوا الله في المختبرات)! فهدف علم النفس الديني هو معرفة اسباب اسباب ميول الناس للدين، او حاجة الناس له ، وكيف تنعكس انماط الشخصية على فهم الناس للدين وانتقاء بعض التفسيرات المتشددة او المتسامحة، وكيف تنعكس انماط الشخصية او الظروف البيئية على الناس ، والأمر تماما بالنسبة للملحد. ولا يتدخل علم النفس في ماهية الاعتقاد وكينونته -باستثناء مدرسة التحليل النفسي التي تقحم نفسها كثيرا في هذا الأمر - ، لأن هذا الأمر خارج اختصاصها (هو اختصاص علم الأديان والانثروبولوجيا وغيرها). لذلك استطيع الاجابة بكل اطمئنان وأقول؛ نعم نستطيع دراسة ٱثار الدين على الشخص تجريبيا والعكس صحيح، وما ظاهرة داعش والتكفير عنا ببعيد. الدكتور رأفت شهير شحادة Rafat Shahadah كلية العلوم الاجتماعية Generations and Technology University