مطايا الظهر المريح: سيكولوجية الخنوع واقتصاد الذل: الدكتور مروان أحمد بحري

مطايا الظهر المريح: سيكولوجية الخنوع واقتصاد الذل بقلم الدكتور مروان أحمد بحري الدكتور مروان بحري تتشابك آليات الاستغلال البشري في نسيج معقد تجسده استعارة "المطايا ذوات الظهور المريحة". هذه الظاهرة ليست مجرد استغلال تقليدي، بل نظام متكامل يقوم على عقد نفسي - اقتصادي ينتج الخنوع ويبرره. من خلال تشريح سيكولوجية الخنوع واقتصاد الذل، يمكن الكشف عن الآليات الخفية التي تتحكم في صناعة الطاعة وتداولها في الأسواق الاجتماعية المختلفة. الإطار المفاهيمي: تشريح الاستعارة المطايا كرأس مال اجتماعي تمثل "المطايا" في الخطاب النقدي رأس المال البشري القابل للتسييل والاستغلال. ليست مجرد أدوات سلبية، بل هي كيانات تمتلك قيمة تبادلية في سوق العلاقات غير المتكافئة. الظهر "المريح" هنا لا يشير إلى الراحة الجسدية، بل إلى سهولة الاستغلال وانعدام المقاومة. نكران النعمة كإستراتيجية وجودية يتجاوز مفهوم "نكران النعمة" في هذا السياق البعد الأخلاقي التقليدي، ليشير إلى رفض الوكالة الذاتية والتنازل الطوعي عن الحق في المقاومة. هو خيار وجودي يفضل الاستلاب على التحرر. السيكولوجية العميقة للخنوع عقدة المطية النفسية تتشكل سيكولوجية الخنوع عبر ثلاث آليات أساسية: .1 التطبيع مع الإذلال تتحول الإهانة من صدمة إلى روتين، عبر عملية تعويد منهجية. يوثّن الضحايا ألمهم ويحولونه إلى هوية وجودية، فيصبح الذل جزءاً من تعريف الذات. .2 المنفعة كخديعة نفسية يبرر الخانعون خنوعهم عبر عقلانية زائفة تبالغ في تقديم المكاسب وتهمش الخسائر. يصبح الفتات الممنوح أغلى من الكرامة المسلوبة. .3 الانتماء المشوّه ينشأ لدى المضطهدين تعلق مرضي بالمضطهِد، فيدافعون عن نظام استغلالهم وكأنه نظام حمايتهم. هذه الآية النفسية المعروفة بـ "متلازمة ستوكهولم " تتجلى في سياقات الاستغلال الاجتماعي. اقتصاد الذل: تشريح السوق الخفي سوق الخنوع يعمل اقتصاد الذل كسوق غير مرئي له قوانينه وعملاته ووسطاؤه: · العملة: الطاعة والولاء والخدمة · الوسطاء: "القوادون" بمختلف تسمياتهم · المشترون: أصحاب النفوذ والسلطة · البضاعة: الكرامة الإنسانية دوائر الاستغلال يدور اقتصاد الذل في ثلاث دوائر متكاملة: .1 الدائرة النفسية: إنتاج الخنوع عبر تكييف الضحايا مع وضعهم .2 الدائرة الاجتماعية: تبرير النظام عبر الخطابات الدينية والأيديولوجية .3 الدائرة الاقتصادية: تحويل الخنوع إلى ربح مادي ومعنوي تجليات الظاهرة في الأنظمة الاجتماعية القوادة السياسية تمثل أبرز أشكال "المطايا السياسية" في النخب التي تبيع ولاءها للسلطة مقابل الامتيازات. هؤلاء لا يكتفون بالخنوع، بل يصبحون سماسرة طاعة يوسّعون دائرة الخانعين. القوادة الفكرية يمارس بعض المثقفين دور "مطايا الفكر" الذين يبررون للاستبداد ويحولون الخطاب النقدي إلى بضاعة في سوق السلطة. هم باعة الضمير في سوق الأفكار. القوادة الاجتماعية تمتد الظاهرة إلى العلاقات اليومية، حيث يتحول الأفراد إلى "مطايا اجتماعية" في علاقاتهم الشخصية والمهنية، يتنازلون عن كرامتهم في سبيل القبول أو البقاء. آليات المقاومة: نحو انعتاق المطايا تفكيك سيكولوجية الخنوع تبدأ المقاومة من تفكيك العقد النفسية التي تربط المضطهد بنظام اضطهاده. يتطلب هذا: · الوعي بالذات ككائن مستقل ذي إرادة · إعادة تعريف المنفعة لتشمل الكرامة والعزة · كسر حلقة التطبيع مع الإهانة تقويض اقتصاد الذل يمكن تقويض هذا الاقتصاد عبر: · مقاطعة سوق الخنوع ورفض المشاركة فيه · إعادة تثمين الكرامة كأعلى قيمة · بناء شبكات تضامن بديلة عن علاقات الاستغلال خاتمة: من مطية إلى كائن فاعل التحول من "مطايا ذات ظهور مريحة" إلى كائنات فاعلة يتطلب رحلة وعي شاقة. هي رفض للاستلقاء كطريق مسهل، واختيار للوقوف كطريق أصعب لكنه إنساني. ليست المسألة مجرد تمرد على المستغل، بل هي ثورة على الذات المستسلمة. الخروج من دائرة الذل لا يحتاج إلى هدم النظام الخارجي فقط، بل يحتاج إلى هدم النظام الداخلي الذي يقبل بالذل كخيار. حينها فقط تتحول المطايا من أدوات طيعة إلى كائنات مفكرة، ومن بضاعة في سوق الخنوع إلى فاعلين في سوق الكرامة. د.مروان بحري Mervan Bahri مع تحيات كلية العلوم الاجتماعية Generations and Technology University جامعة أجيال وتكنولوجيا