«لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي».. مِفْتَاحُ الْقَبُولِ وَالتَّجَرُّدِ

«لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي».. مِفْتَاحُ الْقَبُولِ وَالتَّجَرُّدِ الحياة ميدان تتزاحم فيه الأغراض، وقلّما ينجو الساعي فيها من انتظار ثناء الخلق، بيد أن التاريخ الإسلامي أفرز نماذج فريدة تجردت لحظوظ النفس وجعلت بوصلتها الإلهية وحدها المنتهى، وفي مقدمتهم الإمام التابعي الجليل الربيع بن خثيم الذي غاب عن أنظار الخلق ليستقر في كنف المعية الإلهية صادقاً مستقيماً. كان الرَّبِيع بن خُثَيْم -رحمه الله تعالى- شمساً في دجى الحياة، وعلماً شامخاً في محراب العبودية، حتى كأن هديه سراج يزهر باليقين، وكأن استقامته طود أشم لا ترتجّ له أركان. لقد تربى في مدرسة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فرسخ في العلم والعمل حتى غدا آية في الصدق والسمت الرباني، وشهد له ابن مسعود متفرساً في قرب هديه من النبوة، فقال له يوماً بعد أن رأى سمته وهديه، وخبر حاله وأمره: (لَوْ رَأَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَحَبَّكَ، وَمَا رَأَيْتُكَ إِلَّا ذَكَرْتُ الْمُخْبِتِينَ)! وبينما كانت نفس الربيع الطاهرة تجوب مفازات التجرد، قال الربيع ذات يوم لأهله: اصنعوا لي خبيصاً، (وهو نوع من الحلوى يصنع من التمر والسميد)، وكان لا يكاد يشتهي عليهم شيئاً من الطعام، فسارعوا في تلبية رغبته كما تسارع الغمامة إلى إرواء الأرض العطشى، وما إن حضر الطعام حتى بعث به إلى جار له قد بُلِيَ بِضَرْبٍ من الجنون، فجعل يلقمه بيده الشريفة، ولعاب الرجل يسيل على يديه كما تسيل قطرات الندى على غصن بان، حتى إذا انتهى الرجل وولَّى، وقف الأهل متعجبين مستنكرين: (تَكَلَّفْنَا وَصَنَعْنَا، ثُمَّ أَطْعَمْتَ هَذَا الْمَجْنُونَ!! وَاللَّهِ مَا يَدْرِي مَا يَأْكُلُ!). فرد الإمام بكلمة تُعدّ سراجاً منيراً في عتمة الغافلين، وبحراً يمتلئ بعمق المعرفة واليقين: (لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي)! هذه الكلمة كنز السابقين ومضمار الفائزين؛ فالتجرد لله تعالى وإخلاص العمل لوجهه الكريم هو الميثاق الأعظم بعيداً عن حظوظ النفس وأعراض الدنيا وتملق الخلق، ليبقى القلب طاهراً يبتغي الحق ويخضع له أينما وُجد. والإخلاص هو تصفية العمل والقلب ليكون خالصاً لله تعالى وحده؛ ولما سئل سهل التستري عن أشَدّ الأشياء على النفس، فقال دون تردد: «الْإِخْلَاصُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا فِيهِ نَصِيبٌ»، فإخلاص العمل لله تعالى هو تلك النار المصفية التي تذيب شوائب البشرية، ليبقى العبد صافياً كاللؤلؤة المكنونة، لا يشغله أن يدري الناس أو لا يدرُونَ، طالما أن (اللَّهَ يَدْرِي)! تلك هي النقطة التي يفترق فيها الساعون؛ فبينما يستهلك الكثيرون أعمارهم في طلب محامد الناس وارتياد أعينهم، يبقى الصادقون في واحة (لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي)، متحررين من أثقال المداهنة وأغلال الهوى. اللهم ارزقنا التجرد التام لوجهك الكريم، واجعل أعمالنا كلها خالصة لسلطان عظمتك، لا نبتغي بها محمدة من أحد سواك، ولا نطلب عليها عرضاً من هذه الدنيا الفانية يا رب. أ.د.محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University