الْمُصَارَعَةُ الَّتِي هَزَّتْ أَرْكَانَ رُكَانَةَ تتألق السيرة النبوية العطرة بمواقف باهرة تتجلى فيها حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وقدرته على مخاطبة النفوس بمختلف طبائعها، مستخدماً الحجة والبرهان تارة، والمعجزة الحسية تارة أخرى لتأكيد صدق رسالته، ومن أبرز تلك المواقف الفريدة قصته مع رُكَانَة بْن عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمٍ المطلبي القرشي، أشد رجال قريش بأساً وأقواهم ساعداً، الذي وقف متكبرًا بقوته البدنية قبل أن يلين قلبه ويهتدي بآيات تجمع بين صلابة الحق وبلاغة المعجزة، لتصبح تلك الحادثة شاهداً حياً على أن سلطان الإيمان يعلو دائماً على كل قوة مادية. ومما يروى في تفاصيل تلك اللحظات الفاصلة قصة صراع النبي صلى الله عليه وسلم ورُكَانَة بن عبد يزيد، الذي لم يُعرف في قومه من يدانيه قوةً وبطشاً، كأنما خُلق عضده من صخر ثقيل أو جذع نخلة باسقة عاتية، حتى قيل: لم يمس الأرض جزء من جسده قط. خلا النبي الكريم بركانة يوماً في شعاب مكة الداكنة، يدعوه إلى النور بقلب أبيض يفيض رحمة وهدى، وقف رُكَانَةُ كالجبل الأشم الذي لا تهزه الريح، معتداً بقوته العضلية التي تماثل حديداً محمى، متسائلاً بزهو: "لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك". فارتأى النبي الحكيم تقديم حجة ملموسة تقطع دابر المكابرة، وكأنه استهدف اجتثاث جذور الريب تماماً كما تُقلع الشجرة من أديم الأرض، مقترحاً الدخول في صراع ونزال بدني ليكون هو المقياس الحسي الذي يطمئن إليه غرور خصمه ويعتز به. فقَالَ له النبي صلى الله عليه وسلم: هَلْ لَكَ أَنْ تُصَارِعَنِي؟ استخفّ رُكَانَةُ الأمر ممتعضاً بتعجب كأنما استغرب الشمس في وضح النهار، فقال: «أَنْتَ؟»، فأجاب النبي بثبات كأنه جبل أشمّ: «أَنَا!». وحين سأله عن المقابل، قال النبي: «عَلَى شَاةٍ مِنَ الْغَنَمِ». قام رُكَانَةُ واثق الخطى كأنه أسد كاسر يهم بفرائسه، وما إن امتدت يد النبي الأطهر لتأخذ بيد ركانة حتى انقلبت الموازين كأنما هوى نجم من أعلى السماء، فأضجعه المصطفى صلى الله عليه وسلم على الأرض كأن طوداً عظيماً هدّ بنيانه سيل عارم لا يُرد، وأخذ منه شاة. لم يكد رُكَانَةُ يستفيق من صدمة المفاجأة حتى كرر الطلب مذهولاً كمن يخترق كابوساً، فصارعه النبي فصرعه صلى الله عليه وسلم للمرة الثانية، وأخذ منه شاة أخرى. فَجَعَل رُكَانَةُ يلْتَفِتُ هَلْ يَرَاه إِنْسَانٌ؟ فسأله النبي برفق: مَا لَكَ؟ قال: لَا يَرَانِي بَعْضُ الرُّعَاةِ فَيَجْتَرِئُونَ عَلَيَّ وَأَنَا فِي قَوْمِي مِنْ أَشَدَّهُمْ. قَالَ: هَلْ لَكَ فِي الصِّراعِ الثَّالِثَةَ؟ فصرعه للمرة الثالثة، وكأنما كان رُكَانَةُ ورقة خريف تطوح بها ريح عاتية، وأخذ منه شاة ثالثة. قعد رُكَانَةُ إثر ذلك كئيباً حزيناً كأن الجبال رُكّبت على كتفيه من ثقل الهزيمة، فلما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن غمه، بثّ شكواه قائلاً: «إِنِّي أَرْجِعُ إِلَى عَبْدِ يَزِيدَ وَقَدْ أَعْطَيْتُ ثَلَاثًا مِنْ غَنَمِهِ، وَالثَّانِيَةُ أَنِّي كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَشَدُّ قُرَيْشٍ». وحين عرض عليه النبي الصراع للمرة الرابعة، أجاب باعتزاز منكسر: «لَا بَعْدَ ثَلَاثٍ». هنا تجلّت الرحمة النبوية التي تفيض كالمطر السخي، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم بقلب أبيض كصفحة اللبن: «أَمَّا قَوْلُكَ فِي الْغَنَمِ فَإِنِّي أَرَدُّهَا عَلَيْكَ»، ففرّج كربه وأعادها إليه كاملة. وقف الرجل مبهوراً، تلتفُّ حيرته حول عقله كخيوط العنكبوت أمام جلال النبوة، وهتف مذهولاً: يَا مُحَمَّدُ، مَا وَضَعَ ظَهْرِي إِلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ قَبْلَكَ، وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَلْعَجَبُ أَتَصْرَعُنِي؟ ولم يقف الأمر عند حدود القوة البدنية، بل امتد لآية أخرى تسطع كشمس الضحى؛ قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: (وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شِئْتَ أُرِيكَهُ، إِنِ اتَّقَيْتَ اللَّهَ وَاتَّبَعْتَ أَمْرِي). قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: (أَدْعُو لَكَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تَرَى فَتَأْتِينِي). قَالَ: ادْعُهَا. فَدَعَاهَا، فَأَقْبَلَتْ بخطى متسارعة تدب على أديم الأرض كأنها ناقة عشراء تُقاد بزمام طفولي، حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاشعة مطيعة، ثم أمرها وقَالَ لَهَا: (ارْجِعِي إِلَى مَكَانِكِ)، فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا. لكن بصر البصيرة قد يتأخر انفتاحه أمام سطوة العناد، فرجع رُكَانَةُ إلى قومه من بني عبد مناف وفي صدره رغبة جارفة في تفسير المعجزة بما يعزز غروره، منادياً فيهم كمن أصعقه البرق: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، سَاحِرُوا بِصَاحِبِكُمُ أَهْلَ الْأَرْضِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسْحَرَ مِنْهُ قَطُّ"، ثم طفق يروي لهم تفاصيل ما شهدته عيناه وصنعه بنفسه. ومع ذلك، ظل الحق يغلي في صدره كالجمر تحت الرماد، حتى إذا أمعن التفكير وعلم أن ما جرى ليس بسحر بل سلطان إلهي لا غلبة له، انقشعت غشاوة الجاهلية عن عينيه، فانقاد قلبه صاغراً لنداء الإيمان، يقول رُكَانَةُ: "فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ ظَهَرَ أَمْرُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ فَأَسْلَمْتُ وَكَانَ مِمَّا هَدَانِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنِّي عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَصْرَعْنِي يَوْمَئِذٍ بِقُوَّتِهِ، وَلَمْ يَصْرَعُنِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا بِقُوَّةِ غَيْرِهِ". ولم تتوقف مواقف رُكَانَةُ مع النبي صلى الله عليه وسلم عند حدود الهداية والإسلام، بل امتدت لتشمل وقائع تشريعية تظهر حرص النبي على استيضاح الأمور واستجلاء المقاصد؛ فقد طلق رُكَانَةُ امرأته سُهيمة بنت عُويمر بالمدينة البتَّة، فسأله رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم ما أردت بها؟ يستخبرُه عن نيته في ذلك، فقال: أردْت واحدةً، فردَّها عليه النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم على تطليقتين، كما أخرج ذلك أبو داود والترمذي. وبقي رُكَانَةُ شاهداً على تلك الحقبة النبوية المباركة حاملًا لواء الإيمان حتى وافته المنية في أول خلافة معاوية بن أبي سفيان سنة اثنتين وأربعين للهجرة. هكذا تكتمل فصول تلك التجربة الفريدة التي انقشع فيها ليل الجاهلية عن بصيرة ركانة بن عبد يزيد، ليوقن أن القوة الحقيقية التي طرحت كبرياءه أرضاً لم تكن سوى نفحة من مدد السماء وقوة الخالق عز وجل، ليبقى هذا الموقف شاهداً خالداً على أن العناد البشري، مهما اشتد ساعده وارتفعت قامته كالنخل العالي، لابد أن ينحني إجلالاً أمام عظمة الحق وسلطان النبوة، وليختتم صفحة حياة مليئة بالتحولات العميقة من قمة العناد والغرور البدني إلى قمة التسليم واليقين. أ.د.محمد محمود كالو د. محمد كالو Generations and Technology University