اَللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مَعَ صَاحِبِ النَّقْبِ في صفحات التاريخ الإسلامي المشرقة، تبرز بطولات لا يقيسها حجم الجيوش ولا تُعرف أسماء أبطالها، بل تُقاس بعمق الإخلاص ونقاء السريرة، وكأنها نجوم خفيّة أضاءت دجى المعارك دون أن تبتغي جزاءً ولا شكوراً من حطام الدنيا، ومسلمة بن عبد الملك، ذلك القائد الفذ والفاتح الكبير الذي دانت له الحصون، وقف يوماً عاجزاً أمام إيثار رجلٍ مغمور آثر العطاء في الخفاء، ليضرب أروع الأمثلة في إخلاص الجندي، ويترك القائد هائماً في بحار العرفان والاشتياق. بطلٌ كأنّه الصبح إذا تبدّد ليلُ الظلم، أو كالليث الهصور إن انقضّ على الكتيبَة، ذلك هو مسلمة بن عبد الملك، الذي ما وقفت في وجهه حصونٌ إلا ذابت هيبةً أمام صليل سيوفه، كأنّ عزيمته شعلة نارٍ لا تذبل، أو صخرة تكسرت عليها طموحات الأعداء، وفي إحدى المعارك الضارية، وقف أمام سور حصن منيع كأنّه جبلٌ راسخ في وجه الريح، ممتنعٍ بقوّته وشموخه، قد أحاط به السكون كأنّه قبرٌ مشيد. ولما عجز الجند عن اقتحامه، وتبدّت لهم ثغرة صغيرة كأنّها خرق في ثوب بالٍ أو شقّ في صفحة صوان، نادى مسلمة في الجيش كأنّ صوته رعدٌ قاصف يحثّ العزائم الكامنة، غير أنّ الموت كان يترصد في ذلك النقب كأنه شبحٌ مرعب، فأحجم الناس وامتنعوا، كأنّ عقولهم خلت وقلوبهم هبطت إلى الأقدام خوفاً من هالكة محتومة، فالداخل إلى تلك السرادق كالمفقود في بحر لجيّ تتلاطم أمواجه. وهناك، من بين حاشية الجيش وطبقاته المغمورة، برز رجلٌ بسيط كأنّه طيفٌ خفيّ لا يُلتفت إليه، أقبل يخطو بثبات كأنّما يطأ على أجنحة المنايا، فاقتحم النقب كأنّه سهمٌ طائش في قلب الهدف، وفتح الباب للمسلمين فالتأم النصر كأنّه عقدٌ انتظم سلكه، وانهزم الكافرون كأنّهم غبارٌ ذرّته الريح في يوم عاصف. ولمّا انقضى غبار المعركة، طفق مسلمة ينادي كأنّه باحثٌ عن درّةٍ مفقودة في غياهب البحر: "أين صاحب النقب؟"، فلم يأتِ مجيب، كأنّ الأرض انشقت فابتلعته، فلما رأى إحجامه، أقسم عليه بأيمان مغلظة كأنها قيودٌ لا تُفك، ووصّى حارسه كأنّه يوصيه على كنزٍ مرصود، أن يُدخل إليه ذلك البطل مهما أتى الليل أو النهار. وبعد ساعات، أقبل الرجل كأنّه نسمة ربيع خفيّة، فوقف بباب الأمير يقول كأنّه رسولُ سرّ عظيم: "أنا أخبركم عنه". فلما مثل بين يديه، كأنّه العبد الفقير يقف أمام السلطان، ألقى شروطه كأنّها عهود مقدّسة: ألا يُكتب اسمه في صحيفة الخليفة كأنّه حرفٌ مُحى من سجل، وألا يُؤمر له بعطاءٍ كأنّ المال ترابٌ تحت قدميه، وألا يُسأل عن نسبه كأنّه غريب هبط من كوكب نائي، فقبل مسلمة شروطه كأنّه يوقع وثيقة شرف، ليُفاجأ الرجل بقوله: "أنا هو". عجز الأمير العظيم، كأنّه بحر تقطعت أنهارُه، فلم يدر كيف يكافئ ذلك الشبح العابر، ولا كيف يلتقط خيطاً من هويته التي توارت كأنّها ظلّ غمام، ومنذ ذلك اليقين، لم يكد مسلمة يسجد في صلاة أو يرفع يداً في دعاء، إلا وتعلّق قلبه بالسماء كأنّه طائر حان أوبته، يناجي ربّه بدموع الإخلاص: "اَللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مَعَ صَاحِبِ النَّقْبِ". وهكذا يبقى التاريخ ينبض بهذه القصص التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتُعلم الأجيال أن أعظم الانتصارات هي التي تُنسج في الخفاء بعيداً عن أضواء الشهرة وبهرجة الأسماء. لقد انطوت صفحة تلك المعركة بفتح مبين، لكنها فتحت في المقابل نافذةً خالدة على معنى الإخلاص المطلق؛ إخلاص جنديّ آثر أن يبقى مجهولاً ليكون رصيده خالصاً عند خالقه، وقائدٍ عظيم لم يمنعه جبروت ملكه ولا سعة سلطانه من أن يتواضع أمام عظمة الروح، ظامئاً لمرافقة ذلك المجهول في جنات النعيم، هاتفاً في كل مناجاة: "اَللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مَعَ صَاحِبِ النَّقْبِ". أ.د.محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University