لَيْلَةٌ فِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ

لَيْلَةٌ فِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ تفيض السيرة النبوية العطرة بمواقف إيمانية فريدة، تتجلى فيها أعمق معاني العبودية والخشوع، وكأنها جداول نورانية تنساب لتغيث القلوب اليابسة وتوقظ الأرواح من غفلتها. وحين نقف على عتبات البيوت النبوية الشريفة، فإننا لا نكتفي بمجرد تتبع الأحداث التاريخية، بل نلج إلى واحات من الوجد الإلهي الخالص، حيث يلتقي الحب البشري الأطهر بالتعلق المطلق بجلال الخالق عز وجل، وفي هذه اللحظات الخاشعة التي تداخلت فيها عشق الدموع بنور القرآن، تبرز لنا أسمى صور اليقين التي جعلت قلب النبي صلى الله عليه وسلم يطير شوقاً وخشية، ليترك لنا ميراثاً خالداً من التأمل والدعاء، ولتظل دموعه السبيكة الأمثل لقلوب أولي الألباب. سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن أعجب ما رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستهلت بالبكاء إجلالاً، تنساب دموعها في هذا المشهد كقطرات الندى على ورقة ورد، وكأن قلبها عاد ليخفق برهبة تلك اللحظة النورانية، لقد كان السكينة التي تسكن إليها، والبدر الذي ينير بيتها، ومع ذلك غلب وجدُه بالله تعالى وجدَها به، فارتفعت روحه الشريفة تحلق في سماء الملكوت، بينما جسده الطاهر يجاور أهل الأرض. قالت: كَانَ كُلُّ أَمْرِهِ عَجَبًا، أَتَانِي فِي لَيْلَتِي الَّتِي يَكُونُ فِيهَا عِنْدِي، فَاضْطَجَعَ بِجَنْبِي حَتَّى مَسَّ جِلْدِي جِلْدَهُ، ثُمَّ قَالَ: (يَا عَائِشَةُ أَلَا تَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَتَعَبَّدَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ؟). كان اللقاء بينهما قمة في القرب البشري الحسي والنفسي، حتى إن تلامس الجلود ليدل على تمام الأنس والمودة، كأن جسديهما غصنان التفَّا في روضة حب عذبة، فما أرقّ هذا التباين البديع؛ بين قرب يلامس الجلد بالجلد، وبُعد روحي يطير نحو السماوات العلى! إنه تناغمٌ فريد يشبه تلاحم النور بالظلال، أو ترانيم النسيم العليل حين يلاطف أغصان الشجر دون أن يكسر سكونها. جاء رد عائشة رضي الله عنها صادقاً عفوياً يقطر حياءً وحباً صافياً كمرآة مجلوة: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ هَوَاكَ! أي: أحب ألاّ تفارقني وأحب ما يسرك مما تهواه. وكأنها تبوح بأن هواها قد تماهى مع هواه، وأن بقاءه بجانبها هو متعتها الكبرى في الدنيا. فبين رغبة المحب في الاستئثار بحبيب، وإشراق روح المحبوب في مناجاة خالقه، تتجلى أعظم صور الوصال؛ إذ لم تمنعه من طاعة ربه، بل أذنت له بقلبٍ يملأه الشوق، كأنما أهدت حبيبها إلى ربه عز وجل؛ لأنها تعلم أن سعادته الكبرى هي في الخلوة بمناجاة ربه عز وجل. هكذا كان قلب عائشة واحة طمأنينة، وكان قلب النبي صلى الله عليه وسلم طائراً حنّ إلى وكره الأبدي في ملكوت القرب الإلهي. ينساب المشهد وكأنما تحول جوف البيت النبوي إلى محرابٍ من النور والدموع، فقام الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى قِربة ماءٍ كأن قطراتها لؤلؤ منتثر، فتوضأ باقتصادٍ مدهش وكأن الماء وصالٌ مقدس لا يُسرف فيه، ثم انتصب في صلاته يتهجد ويناجي ربه حيث أشرقت شمس الخشوع في صدره، فها هي دموعه تنهمر سيولاً طاهرة تبل لحيته الشريفة وقاراً وجلالاً، ثم يهوي ساجداً فيتبلل تراب الأرض من حرارة بكائه وصدق لجوئه، حتى إذا استلقى على جنبه مستريحاً لم يفارق البكاء جفنيه، كأن عينه عيون سحابةٍ صيفية تهمي بالرحمة والشوق. حتى إذا أتى بلال رضي الله عنه يؤذنه بصلاة الفجر، رآه يبكي، فجاء صوت بلال كنسيم الفجر يسأل بذهول المحب المشفق: "يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا يُبْكِيكَ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟" فجاء الجواب كالرعد الهادئ يوقظ القلوب الغافلة: (وَيْحَكَ يَا بِلَالُ، وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْكِيَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ...). لقد كانت الآيات العشر الخواتم من سورة آل عمران المستفتحة بقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ} صاعقةً ناعمة هزت أركان الوجود النبوي، فكانت كمرآةٍ تجلت فيها عظَمة الخالق وجلال ملكوته، فمن تقشعر له الأبدان هنا لا يملك إلا أن يتهاوى دمعاً وخشوعاً. وحينما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر السورة قال: (وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا). هكذا تقف هذه اللحظات العظيمة كمنارةٍ توقظ الأرواح من غفلتها، فما أحوجنا اليوم إلى تلمس طريق أولي الألباب الذين يعمرون الليل بالذكر والتفكر! إن العيون التي تغرورق بالدمع خشيةً لله تعالى هي دروع واقية من نار الجحيم، كما أخبر الصادق المصدوق في بشارته الخالدة عن العين التي بكت من خشية الله، فلنجعل من هذه الكلمات سراجاً يضيء عتمة القلوب، لعلنا ندرك شيئاً من ذلك اليقين العذب الذي أزاح النوم عن جفن النبي صلى الله عليه وسلم وأبكى روحه شوقاً وهياماً بجلال الخالق عز وجل. وهكذا تطوى صفحة تلك الليلة المباركة، لتترك في القلوب أثراً لا يمحوه الزمن، كأنما حُفرت حروفها بنور اليقين على جدران الروح، إن بكاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا مرآةً لقلبٍ أدرك عظمَة الخالق وجلال ملكوته، فرسم لنا بدموعه خارطة طريق نحو النجاة والتفكر، فلنحمل هذه النفحات العطرة سراجاً يضيء عتمة الغفلة في حياتنا، ولنحيي قلوبنا بذكر الله تعالى وتدبر كتابه، سائلين المولى عز وجل أن يرزقنا عيوناً تدمع من خشيته، وقلوباً لا تملّ من مناجاته، لعلنا نفوز بتلك البشارة الخالدة ونحشر في زمرة أولي الألباب. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University