الدَّاعِيَةُ إِبْرَاهِيمُ عَاصِي سِيرَةُ قَلَمٍ لَا يَكْسِرُهُ الْقَيْدُ

الدَّاعِيَةُ إِبْرَاهِيمُ عَاصِي سِيرَةُ قَلَمٍ لَا يَكْسِرُهُ الْقَيْدُ في مهب الرياح وعصف الأيام، تشمخ وجوه طاهرة لتكون منارات تضيء دروب الحياة، وكان العالم الداعية والأديب الفذ الأستاذ إبراهيم عاصي واحداً من تلك الشموس التي لم تخبُ رغم لظى السجون وقسوة السجان، سيرة عطرة نضحت بالبيان والتربية والتضحية، كأنها قصيدة فخر نسجت خيوطها من مداد الصبر ودماء الشهداء، لنبحر معاً في محطات هذه الحياة العظيمة التي جمعت بين حلاوة المنبر ومرارة القيد. ستة عشر عاماً قضيتها بين منابر مدينة جسر الشغور ومحاريبها، كأن الأيام فيها سياحة في بستان ذي ألوان، تنقلت خلالها كما يتنقل السالك بين المقامات؛ فبدأت رحلتي في رحاب جامع "غانية" القرية الوادعة في الريف الغربي، كالبهرة الأولى تبتسم في أول الربيع، ثم حطت بي الرحال في مسجد "حي معمل السكر"، ثم طالت بي الإقامة واستقر بي العزم طويلاً في "جامع حاج صفو -رحمه الله تعالى-" في المنطقة الصناعية بجسر الشغور، فكان كالغمامة المطفئة حر الهاجرة عن أفئدة المصلين. وفي تلك السنين الطويلة، كنت أسمع اسم الأستاذ إبراهيم عاصي يتردد على الألسنة كما يتردد شذا الرياحين في الصباح الباكر؛ فقد كان بين تلاميذه وأهل بلدته كالبدر بين النجوم، بل كان ملء عين بلدته حقاً، تعرفت عليه أول ما تعرفت من خلال كتبه التي كانت كالعقود النضيدة، تحمل المقالات الرشيقة في "همسة في أذن حواء"، والقصص الساخرة الماتعة في "ولهان والمتفرسين" و"سَلّة الرُّمان" التي كانت ثمارها تسقط حلوة في العقول، تلك الكتب المفقودة التي كنا نستعيرها من تلاميذه كما يستعير الظمآن قطرات الماء في يوم صائف، لقد كان كاتباً سابقاً لعصره كالبرق الذي يسبق رعده، وكم تمنيت لقاء ذلك الأستاذ الكبير الذي ملأ الدنيا ببيانه وبنانه. ولد الأستاذ إبراهيم عاصي في مدينة جسر الشغور عام 1935 لأبوين رقيقي الحال، فكان نشأته كالنبتة الطيبة التي تشق صخر القحط لتبلغ النور، وصار أستاذاً للغة العربية بثانوية الجسر، يسكب حروفه على عقول طلابه كأنه ينسج من خيوط الشمس أثواباً. وحين توفيت أمه في حياته، كان حنوه على أبيه وأخيه الصغير كفيء الشجرة الوريفة لمن يستظل بها، ورعى زيجات أخواته الثلاث كالحدائق المزهرة بالبركة، لكن رياح الأيام لم تكن دائماً بهية؛ فإن اعتلاء ظلم الاعتقال عليه كان ضربة قاصمة كالصاعقة التي تهد الجبال، فلم يعش والده طويلاً بعد غيابه، بل انكسر قلبه كما ينكسر الغصن الرطب فمات كمداً – رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه. وما زاد الطين بلة، والرزية قسوة، أن استشهد ولده البكر الطالب الجامعي (عمَّار) حين اغتالته السلطة الغاشمة مع الأستاذ صالح حسناوي في شباط 1982 م، فكانت تلك الدماء الزكية جرحاً في جسد الوطن لا يندمل، وترمَّلت زوجته كالثكلى في عاصفة نكباء، لكن ذكر الأستاذ وآثاره بقيت كالمشكاة التي لا يخبو نورها مهما اشتد الظلام. وصف الأستاذَ إبراهيم صديقُ عُمْرِه الأستاذ محمد الحسناوي فقال: «شَابٌّ مَمْشُوقُ الْقَامَةِ كَالرُّمْحِ، عَرِيضُ الْمَنْكِبَيْنِ، رَقِيقُ الْحَاشِيَةِ كَالْمَاءِ الرَّقْرَاقِ، كَحِيلُ الْعَيْنَيْنِ كَالْحُلْمِ أَوْ كَالْحَمَامِ، حَاضِرُ الْبَدِيهَةِ كَالْأَمْنِيَاتِ، عَذْبُ الْحَدِيثِ كَشَرَابِ الْوَرْدِ، لَاسِعُ السُّخْرِيَةِ كَقَرْصَاتِ النَّحْلِ، مُشْرِقُ الِابْتِسَامَةِ كَالْفَجْرِ الضَّحُوكِ، أَبْيَضُ الْبَشَرَةِ أَسْوَدُ الشَّعْرِ كَتَعَانُقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ». وفي عام 1975م، حين دعاه المركز الثقافي ليلقي محاضرة، كان المركز يغص بالحاضرين غص السحابة بالمطر، حتى ضاعت جهاته بالطلاب والمحبين؛ فتح قريحته بمح محاضرة كانت برقاً خاطفاً، عنوانها: "للأزواج فقط"، تحدث فيها بوضوح كالشمس في رابعة النهار عن جريمة الخيانة الزوجية وأسبابها والموانع التي تحول دونها، ثم طبعت تلك الدرر في كتاب جمع المحاضرة ومقالات اجتماعية ونقدية تفصح عن عقل يرى ما لا يراه الناس. ومن قدر الله عز وجل أن أمضى ذلك الرجل المبارك ثلاثة أشهر أو يزيد وهو يفسّر سورة يوسف عليه السلام كما يُهَنْدِسُ الصائغ حليّ الذهب، وكانت له وقفات عند آيات السجن والبراءة تتفجر منها الحكمة، حتى إذا انتهى منها، انقضى الْعُمْرُ الْهَادِئُ ليفتح الباب أمام الظلم؛ فألقي القبض عليه في اليوم التالي لختمه في 28 / 4 / 1979 م، معتقلاً في إدلب ليلاً من بيت شقيقته، بعد أن نقل تعسفاً من التعليم إلى إحدى الدوائر الخدمية في المحافظة هناك كما ينحى الشهم عن صهوته، وما كان المجرمون ليجرؤوا على اعتقاله في جسر الشغور كأنهم يمشون على جمر الغضا؛ لأنهم كانوا يعلمون مدى خطورة غضب أهلها عليه. لقد عرف الأستاذ إبراهيم عاصي كواحد من أبرز رواد الأدب الإسلامي في سورية، جمع في كتاباته بين عمق الرسالة وسلاسة الأسلوب كما ينتظم الدر في العقود الفاخرة، وتميز قلمه بسخرية راقية تفضح التناقضات الاجتماعية والسياسية دون مباشرة أو تهجم كالنسيم الخفي الذي يحمل الشفاء، ولم يكن مجرد كاتب، بل كان داعية ومربياً بصيراً، استخدم القصة والمقالة وسيلة للتربية والنقد والتغيير، تاركاً خزانة مترفة بالعطاء؛ فمن أعماله الأدبية الخالدة: "سَلَّةُ الرُّمَّانِ"، و"وَلَهَانُ وَالْمُتَفَرِّسُونَ"، و"حَادِثَةٌ فِي شَارِعِ الْحُرِّيَّةِ"، و"أَصْوَاتٌ" (الَّذِي شَارَكَ فِيهِ بِقِصَّتَيْنِ)، و"هَمْسَةٌ فِي أُذُنِ حَوَّاءَ"، و"جَلْسَةٌ مَفْتوحَةٌ مَعَ مَالِكِ بْنِ نَبِيٍّ"، و"إِرْثٌ مَنْسِيٌّ خَلْفَ الْقُضْبَانِ". ويا حبذا لو تعاد طباعة هذه الأعمال المفيدة والراقية لتروى منها عقول الأجيال الجديدة. وكأن أدق ما قيل في وصف مشروعه العظيم هو تلك الكلمة التي نطق بها صديقُ عُمْرِه المرحوم محمد الحسناوي، إذ قال: «خِلَالَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ أَنْجَزَ سِتَّةَ كُتُبٍ أَدَبِيَّةٍ، مُعْظَمُهَا قِصَصٌ قَصِيرَةٌ، وَلَوْ أُتِيحَ لِهَذَا الرَّجُلِ الْمِعْطَاءِ أَنْ يَأْخُذَ حَظَّهُ مِنَ الْعَيْشِ، لَأَثْرَى الْأَدَبَ الْعَرَبِيَّ وَالْإِسْلَامِيَّ بِمَكْتَبَةٍ أَدَبِيَّةٍ لَا تَقِلُّ عَنْ مَكْتَبَةِ الْمَرْحُومَيْنِ عَلِيِّ أَحْمَدَ بَاكَثِيرَ وَنَجِيبِ الْكَيْلَانِيِّ». فكانت حياته شعلة مضيئة تحترق لتنير دروب الآخرين، وسيبقى عطر ذكره فاحصاً في ذاكرة الأيام لا يندمل. ويحكي لنا أحد من شاركه وحشة السجن في المهجع السادس من سجن كفر سوسة، كيف كان ذلك الأستاذ الكبير يمثل السجناء أمام إدارة السجن، ينطق بلسانهم كأنه البلسم الشافي، ويعبر عن أحوالهم، وينقل شكواهم كما تنقل النحلة رحيق الأزهار؛ فكان رئيس الفرع يستدعيه كلما جد أمر كأنما يلجأ إلى عقل يوزن الأمور، وحين يعود يحدثهم عما جرى ببساطة ويقين، وكان يتمتع لباقة عالية كالنسيم العليل، ومهارة في الحوار، وذكاء وحكمة تتلألأ كالنُّجوم، مع روح مطبوعة بالدعابة الصافية كالماء العذب تنفس عنهم كرب السجن. ومما يروى من طرائف مواقفه، أن رئيس الفرع في السجن دعاه مرة بعدما صادروا لهم (راديو) مهرباً يستمعون فيه إلى الأخبار كما يستمع الظمآن إلى خرير الماء، ودار بينهما حوار طويل كجدل النور مع الظلام، ثم توجه إليه الأستاذ بسؤال يملؤه العتب والجرأة قائلاً: قائلاً: «حَتَّى رَادْيُو صَغِيرٌ تُصَادِرُونَهُ!؟» فَقَالَ لَهُ رَئِيسُ الْفَرْعِ مُتَعَجِّباً: «كَيْفَ دَخَلَ الرَّادْيُو؟» فَرَدَّ الأُسْتَاذُ بِبَدَاهَةِ الْوَاثِقِ: «تَهْرِيباً!». فَقَالَ رَئِيسُ الْفَرْعِ بِعَصَبِيَّةِ الْمَغْلُوبِ: «وَهَلْ مِنَ الْمَعْقُولِ أَنْ نَتْرُكَ لَكُمْ رَادْيُوً، وَأَنْتُمْ لَا تَسْتَمِعُونَ إِلَّا إِلَى نَشَرَاتِ أَخْبَارِ الْكَتَائِبِ وَمُونْتِي كَارْلُو وَمَا شَابَهَ!؟». فَرَدَّ الْأُسْتَاذُ بَاسِماً كَمَا يَبْتَسِمُ الصَّبَاحُ فِي وَجْهِ الرِّيحِ: «وَهَلْ مِنَ الْمَعْقُولِ أَنْ نَطْلُبَ مِنَ الشَّبَابِ أَنْ يَسْتَمِعُوا لِإِذَاعَةِ دِمَشْقَ؟!». ويضيف صديقه في السجن متفجعاً: لقد كتب الأستاذ إبراهيم رواية عن السجن ومآسيه كما ينسج الفنان لوحة الألم والأمل، ولما فرغ منها حاول تهريبها مع أهله عند الزيارة كما يهَرَّب السحر الحلال، ولكن المحاولة فشلت وصودرت الرواية التي لم يكن يمتلك نسخة أخرى منها، فكانت تلك الخسارة غصة أخرى في حلق الأيام، لكن روحه العالية ظلت تحلق فوق القضبان كالطير الحر الذي لا تقوى السجون على أسر شدوه. وبينما كانت قضبان السجن تطبق على جسده، كان قلبه يطير إلى ابنه البكر عمار؛ فإذا به يكتب إليه رسالة كأنها قطرة ندى على جرح، أو مصباح يضيء ليل المحنة، يقول فيها بِيَقِينِ الصِّدِّيقِينَ: «يَبْدُو -يَا بُنَيَّ- أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُرِيدُ أَنْ يُمْتَحَنَنِي وَحْدِي بِالْبُعْدِ عَنْكُمْ، لِيَعْلَمَ مَدَى صَبْرِي عَلَى هَذَا الِامْتِحَانِ -وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ- وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُمْتَحَنَكُمْ أَنْتُمْ كَذَلِكَ، وَأَنْتَ بِالذَّاتِ، لِيَعْجُمَ عُودَكُمْ وَيُمَحِّصَكُمْ! أَتَصْبِرُونَ أَمْ تَضْجُرُونَ؟! أَتَرْضَوْنَ بِقَضَاءِ اللَّهِ أَمْ لَا؟ وَتَسْخَطُونَ؟! وَأَرْجُو؛ بَلْ أَنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّكُمْ صَابِرُونَ مُتَجَمِّلُونَ فِي صَبْرِكُمْ، وَأَعْظِمْ بِأَجْرِ الصَّابِرِينَ مِنْ أَجْرٍ! وَأَكْرِمْ بِمَرْتَبَةِ الصَّابِرِينَ مِنْ مَرْتَبَةٍ عِنْدَ اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ الَّذِي مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى (الصَّبُورُ). الْأُمُورُ مَرْهُونَةٌ بِأَوْقَاتِهَا، فَلَا تَبْتَئِسْ -يَا بُنَيَّ- وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ. وَلَدِي الْحَبِيبُ: لَعَلَّكُمْ تَعِيشُونَ فِي الْآونَةِ الْأَخِيرَةِ دَوْامَةً مِنَ الْإِشَاعَاتِ، مُؤَدَّاهَا أَنَّ هُنَاكَ إِفْرَاجَاتٍ قَرِيبَةً، وَإِنَّ نَصِيحَتِي إِلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا بِمَشَاعِرِكُمْ خَارِجَ الدَّوَامَةِ هَذِهِ، أَيْ لَا تَعِيشُوا الْآمَالَ الْمُفْرِطَةَ بِحَيْثُ إِنَّكُمْ تَتَوَقَّعُونَ وُصُولِي إِلَيْكُمْ بَيْنَ يَوْمٍ وَآخَرَ.. لَا؛ لِأَنَّنَا -يَا بُنَيَّ- بَيْنَ يَدَيْ خَصْمٍ بَاطِنِيٍّ مَاكِرٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ وَجْهٌ مِنْ قَفَا، وَلَا ظَهْرٌ مِنْ بَطْنٍ؟! وَالْمَقَالِيدُ -مَعَ ذَلِكَ- كُلُّهَا بِيَدِ اللَّهِ، عَلِّقُوا آمَالَكُمْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ لَهْفٍ وَلَا يَأْسٍ، فَإِنَّهُ لَا يَيَأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ». أما النهاية، فكانت في مذبحة تدمر المرعبة التي أبادت الأحلام، حيث ارتقى الأستاذ إبراهيم مع ألف من إخوانه شهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فدخلت أجسادهم الطاهرة مقبرة جماعية كالبستان المدفون في صمت الرمل، ورفرفت أرواحهم سرباً واحداً نحو بارئها كطيور السلام التي لا تسورها السجون، في يوم 27 / 6 / 1980 م، الموافق 13 شعبان 1400 هـ، ليبقي الأستاذ إبراهيم عاصي مشعلاً خالداً ينضح نوراً في دروب العزة والكرامة. ومهما طال ليل الظلم وأوغل في الإفساد، فإن دماء الشهداء وآثار العلماء تبقى كالمشكاة التي لا تحترق بل تضيء الدروب للأجيال، لقد رحل الأستاذ إبراهيم عاصي جسداً في مذبحة تدمر، لكن روحه الطاهرة ظلت تحلق في سماء الحرية كالغمامة المطفئة لعطش الأرض، وبقيت كتبه ومواقفه وحروفه الصادقة الناصحة نبعاً عذباً يستقي منه كل باحث عن الحقيقة والفضيلة، ليظل اسمه وساماً شامخاً على صدر التاريخ، ومنارة لا تخبو ذكاؤها مهما تعاقبت الأيام. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University