لِقَاءُ النَّبِيِّ بِالشَّيْمَاءِ وَدُمُوعُ الشَّوْقِ وَالْوَفَاءِ تتألق صفحات التاريخ الإسلامي كالمصابيح الوضاءة، لا سيما حين تروي حكايات القلوب النقية التي عاشت في حِمى النبوة وطافت بروحها حول شمس الهداية، فبين رمال الصحراء الذهبية وأودية بني سعد الوادعة، نشأت قصص كالنقش في الصخر، تخلد أسمى معاني الوفاء وأطهر روابط الأخوة، وما قصة الصحابية الجليلة والشاعرة المخضرمة الشيماء بنت الحارث –أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وابنة حليمة السعدية– إلا درة فريدة في عقد السيرة العطرة، حيث امتزجت روح أشرف الخلق بروح طاهرة احتضنته رضيعاً، فاستوطنت في قلبه مكاناً منيعاً لا تذروه رياح الزمان ولا تطويه صفحة النسيان. لقد كانت حُذافة –التي غلب عليها لقب الشيماء– كالشمعة المضيئة في بيت حليمة السعدية، تقاسمت لبن المحبة والأخوة هي وأشرف خلق الله تعالى، فكانت له كالظل الظليل الذي يحميه، وكالدوحة العالية التي تستظل بفيئها رياح الطفولة البريئة. في تلك الأيام الخوالي من ربوع بني سعد، كانت الشيماء ترقب صباه كرسام ماهر ينقش تفاصيل اللوحة الأكثر بهاءً في الكون؛ فقد كانت تلاعبه كما تلاعب الأم الرؤوم وليدها المدلل، ووقر حبُّه في قلبها كغرس طيب أصلُه ثابت وفرعُه في السماء. ولطالما ترددت في أودية بني سعد أصواتُها العذبة وهي تحمله على كفيها، ترتجز له كأنها ترتل آيات الطمأنينة: يا رَبَّنا أَبْقِ لَنا مُحَمَّدا حَتَّى أَراهُ يافِعاً وَأَمْرَدا ثُمَّ أَراهُ سَيِّداً مُسَوَّدا وَاكْبِتْ أَعادِيهِ مَعاً وَالْحُسَّدا وَأَعْطِهِ عِزّاً يَدُومُ أَبَدا كان رجزها كنسيم الفجر الذي يبعث الحياة في النفوس، أو كقطرات الندى على زهر الياسمين، دعوات صادقة خرجت من فم طاهرة ترقب مستقبل العز والمجد، لقد رأت في عيني الطفل اليتيم بصيص الشمس التي ستشرق لتبدد ظلمات الجاهلية، فتنبأت له بالسيادة والرفعة كمن يقرأ في كتاب مفتوح. ودارت عجلة الأيام، وكأن السنين تعيد نفسها في حكاية وفاء نادرة، حين أغارت خيل الإسلام على هوازن، فوقعت الشيماء في سبي القوم كدرةٍ تائهة بين غبار المعارك، ولم تهتز نفسها، بل تقدمت بشموخ كجبل راسٍ لا تهزه الريح، لتعلن في وجه الجند بصوتها الهادئ والواثق: "أنَا أخْتُ صَاحِبِكُم". وحين أُحضِرت بين يدي نبي الرحمة، تلألأت عيناها شوقاً ورهبة، وقالت بكل نقاء: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُخْتُكَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، شَيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ". ابتسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكأن ومضات الطفولة البريئة عادت تضيء المكان كنور الشفق الهادئ، وقال بحكمة العارف: (وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ إِنْ تَكُونِي صَادِقَةً، فَإِنَّ بِكِ مِنِّي أَثَرًا لَا يَبْلَى). فكشفت عن عضدها كأنها تكشف عن وسام عظيم، وقالت بفخر يملأ قلبها: "نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَمَلْتُكَ وَأَنْتَ صَغِيرٌ فَعَضَضْتَنِي هَذِهِ الْعَضَّةَ". فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العلامة كأنما يقرأ في صفحات وجهها ذكريات الطفولة، ودمعت عيناه الشريفتان تأثراً ووفاءً؛ فبسط لها رداءه كأنه غيمة حنو تظللها، وقال محباً: (هَاهُنَا)، وأجلسها عليه. وخيَّرها بكل كرم ونبل قائلاً: (إِنْ أَحْبَبْتِ فَأَقِيمِي عِنْدِي مُحَبَّبةً مُكَرَّمَةً، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ وَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ فَعَلْتُ). فاختارت بحنينها الدفين أن تعود إلى أحضان ديارها، قائلة: "بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إِلَى قَوْمِي". فأسلمت وأعلنت إسلامها طائعة، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نَعماً وشاءً، وثلاثة أعبد وجارية –منهم الغلام مكحول وجارية تزوَّج أحدهما الآخر– ليبقى نسلهما كشجرة مباركة تمتد جذورها وتورق في ديار بني سعد، شاهداً حياً على بركة النبوة ووفاءٍ لا يضمحل. هكذا مضت الشيماء إلى ديار قومها كغيمة مباركة أروَت أراضيهم ببركة النبوة، محملة بعطايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووفائه الذي لا ينضب، لقد رحلت عن مجلسه الشريف، لكن ذكراها ظلت كالعنبر الفواح يعبق في جنبات التاريخ، تروي للأجيال قصة حب صادق وأخوة طاهرة استقت جذورها من ثدي النقاء، ترضعاها معاً من لبن الطُهر. إن سيرة الشيماء بنت الحارث ميزان من ذهب يوزن به الوفاء، ومنارة وضاءة تضيء درب القلوب المشتاقة والتواقة إلى ربيع الطفولة البريئة وعهود الصبا النقي أيام الجوار الطاهر، لتبقى درساً خالداً في أن النبل والإخلاص لا يزيدهما كرّ السنين إلا رسوخاً وبهاءً. أ.د.محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University