فَارِسُ المِنْبَرِ وَطَوْدُ الحَقِّ

فَارِسُ المِنْبَرِ وَطَوْدُ الحَقِّ مِنْ حِيَاضِ السِّينِمَا إِلَى أَعْوَادِ المِشْنَقَةِ يُولد العظماء وفي أعماق أرواحهم جذوةٌ من نور لا تنطفئ، تضيء لهم دروب الحق وتسمو بهم فوق دنايا الأرض، كأنهم نجومٌ ساطعةٌ ترفض إلا أن تهدي الحيارى ولو كلفها ذلك حياتها، وفي تاريخ الأمة رجالٌ جعلوا من حياتهم رسالةً، ومن كلماتهم سيوفاً تقطع أستار الغفلة، ومن دمائهم مداداً يكتب أسطر الخلود، هؤلاء هم الذين لا تموت سيرهم برحيل أجسادهم، بل تظل عطوراً فواحة تملأ أرجاء الزمان، وأعلاماً شامخة تقتدي بها الجيوش نحو معارج العزة واليقين، ومن بين أولئك الأعلام الأطهار يبرز اسم الشيخ الشهيد محمد خير زيتوني، الذي خطّ بكلماته ومواقفه وشجاعته ملحمةً من ملاحم الإيمان الصادق، فكان لسيرته وتضحياته تلك الحكاية التي ترويها قلوب الأحرار جيلاً بعد جيل. دخل صالة السينما المظلمة كأنما هبط من نافذة في الغيم، في اللحظة التي تفتح فيها الأبواب معلنة نهاية العرض، فكان دخوله كطيفٍ شفاف يخرق جدران الغفلة، أو كبدرٍ طالع فجأة ليمحوَ عتمة القاعة، لم يكن تائهاً، بل كان يسير بخطىً ثابتة كالسهم المُرْسَل نحو غايته، وصعد إلى خشبة المسرح كأنما يرتقي منبر النور في توقيت إلهي دقيق، وما إن أضاءت المصابيح فجأة حتى انجلت الوجوه كأنها كواكب تفاجأت بطلوع الفجر. وقف كالليث الشجاع في عرينه، أو كالمشعل المتقد الذي يشق دياجير الليل، وعلا صوته بنداءٍ يمزق حجُب القلوب الميتة: (أيها الناس، يا جنود محمد، يا أحباب الله..)، فكانت كلماته كالمطر الهطول على أرضٍ زعموا أنها تباب، وكالبلسم الشافي الذي ينساب في عروق الغافلين لينفض عنها غبار الغفلة، أخذ يعظهم موعظةً لينة رقيقة تذوب لها القلوب القاسية كالشمع أمام النار، فما زال بهم يروي ظمأ أرواحهم بحكمته حتى ملك قلوبهم فصاروا أسرى حبه، فاستحالت الجموع من لُجَج اللهو إلى سيلٍ متدفق يستجيب لندائه، فما لبثوا أن تدافعوا خلفه كالندى المنساب نحو روضة المسجد الأقرب، مطيعين كأنهم المرتلون في محراب الخشوع. إنه الشيخ الشهيد محمد خير زيتوني، الذي وُلد في حي أقيول العريق بحلب الشهباء سنة 1948م، في كنف عائلةٍ نهلت من معين التقى والصلاح، وعُرفت بالتزامها الديني والأخلاق الزكية، وكأن بيتها حصنٌ من حصون النقاء، لا يدخله إلا كسب حلال يزهر بركةً وطهراً، متجنبةً كل شبهة مالٍ حرام كمن يتجنب شرر النار الحارقة. تفتّح قلبه للقرآن الكريم فحفظه على يد والده الشيخ عبد القادر زيتوني وهو فتى، فصار القرآن في صدره كنجمٍ يضيء دروب صباه، ثم نهل من علوم العربية والشريعة في المدرسة الشعبانية بحلب، متفيئاً ظلال كبار علمائها، كالشيخ عبد الله سراج الدين والشيخ أحمد القلاش والشيخ بكري رجب، وغيرهم، وكان يحضر عند أكثر علماء حلب وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله علوان، والشيخ طاهر خير الله، والشيخ محمد ملاح، وغيرهم، ليشدَّ رحاله بعد ذلك إلى منارة العلم جامعة الأزهر، متخرجاً في كلية اللغة العربية عام 1977م، حاملاً في عقله وقلبه أدوات البيان والحكمة. عاد إلى حلب شعلةً من النشاط والتواضع، فكان إماماً وخطيباً وداعيةً لا يكلّ ولا يملّ، جعل من المسجد خلية نحلٍ تعليمية ومنارة دعوةٍ منيرة، فوصفه معاصروه بأنه كالغيث حيثما وقع نفع، خدوماً للناس، شديد التعلق بهمومه الدعوية. غير أن شجاعته في قول الحق أثقل كاهله بثمن باهظ؛ فقد اعتاد أن يقتحم دور السينما في دقائقها الأخيرة ليهدي الحيارى، فكانت كلماته كالمغناطيس الذي يجتذب الشباب من مستنقعات الغفلة، فحين هُدِي على يده كثيرون انفضّ روَّاد اللهو عن تلك الدور، فضاق أصحاب السينما ذرعاً بنور دعوته فبلغوا عنه الأجهزة الأمنية، ليصبح تحت رقابة المخابرات اللصيقة. وكان آخر عهده بالحرية عام 1979م، حين داهمت عواصف الحَملات الأمنية مدينة حلب، فطالت يد البطش نخبةً من العلماء وروّاد الجوامع، فاعتُقل بأمر من أمن الدولة وسيق إلى سجن تدمر كأنما أُلقي في جبّ الظلمات، فظل في معتقله صابراً محتسباً كأن إيمانه جبلٌ لا تهزه الريح العاتية، حتى حان موعد لقاء ربه عز وجل. وأثناء جولات التحقيق القاسية التي حاولت كسر إرادته، سأله المحقق فايز النوري، رئيس ما يسمى "محكمة أمن الدولة" بدمشق، بنبرة متوعدة: "أنت متهم بانتمائك إلى الإخوان المسلمين!" فأجاب بثبات الواثق كأنه ينقش بكلماته وساماً على صدر التاريخ: "إنه لشرف كبير أن أكون من الإخوان المسلمين!" راح المحقق يلوح بشتى الحيل كطائرٍ يحوم حول فريسته، متمسكاً برغبته العارمة في أن يبرم رابطاً متكلّفاً بين الشيخ والشهيد محمد أيمن الخطيب (الذي استشهد هو الآخر فيما بعد)، طامعاً في أن يتخذ من ذلك الرابط وثاقاً يثبت به على الشيخ تهمة العمل العسكري. المحقق، بنبرة ترسم الشكوك: ما علاقتك بمحمد أيمن الخطيب؟! الشيخ، بهدوء: بيني وبينه عداوة أشبه بصراع الحِرَفيين في دكانٍ ضيق لا يتسع إلا لواحد منهما. المحقق، مستغرباً وقد عقد حاجبيه بدهشة: كيف؟! الشيخ، مفسراً: أنا أشبه بالفلاح الذي حرث الأرض وأروى ترابها، أؤمُّ الناس وأخطب فيهم وأدرِّسُهم، فإذا به يسطو على ثمار جهدي كالسارق الذي يخطف الغنيمة، فيأخذ شباب المسجد ليوجههم ويربيهم، زاهياً بنفسه كأنما هو البحر الزاخر وأنا الجدول الصغير، وكأنه أدرى مني بمسالك العقول وأسرار التربية! ثم عاد المحقق ليسأله في خبث ووعيد: "أحقًّا أنك تفتي بجواز قتلنا؟" فأجابه بيقين الليث غيرَ مبالٍ بسياط الجلادين: "لا، ولكنّي أقول بوجوب قتلكم!" (يقصد قصاصاً وعدلاً بحكم الظلم والبغي). فصاح به المحقق في غيظٍ وجنون: "اُبْصُمْ على إعْدامِك!!" فلم يتردد، بل تقدم بخطىً ثابتة كأنما يوقع صكَّ خلوده وبطاقته إلى الجنة، فبصم بيمينه راضياً مطمئناً. وخرج إلى حبل المشنقة كأنما يسير إلى عُرس، يملأ جنبات المكان بتكبيراته الصادحة التي تزلزل السماوات والأرض، فصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها عام 1980م، شهيداً طاهراً أضاء بدمائه دياجير الظلم، رحمه الله تعالى وتقبله في عليين، وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. هكذا غادر الدنيا شهيداً شامخاً كالنخلة التي لا تطيق إلا أن تظل ترتفع نحو السماء، تاركاً وراءه سيرةً عطرة تفوح باليقين والثبات، وبصماتٍ لا تمحوها رياح الزمن من قلوب كل من عرفوه أو سمعوا بخطاه، لم تكن نهايته على حبل المشنقة سوى عتبةٍ لخلودٍ أبديّ، فقد ارتقى الجسد وبقي الأثر طوداً شامخاً، يضيء للسالكين عتمة الدروب، ويُلهم الأجيال أن الكلمة الصادقة أثقل من سياط الجلادين، وأن الأرواح الحرة لا تقبل القيود. سيبقى الشيخ الشهيد محمد خير زيتوني عنواناً للرجولة والصدق، ومنارةً تضيء طريق الأحرار، وذكراً خالداً يتردد في دعوات الصادقين إلى أن يلقى الأحبة حول حوض النبّي صلى الله عليه وسلم، هانئاً بجنان الخلد مع الأنبياء والشهداء والصديقين. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University