منهج القرآن في ذِكْرِ الرحمان إعداد الأستاذ الدكتور عداب محمود الحمش منهج القرآن الكريم في الذِّكْر إعداد الأستاذ الدكتور عداب محمود الحمش بسم الله الرحمن الرحيم ملخّص البحث الحمد للّه الذي خلق العباد لطاعته،وتفضل على جميع الخلائق بنعمه، ووسِعَهم برحمته، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيّبين، ورضي الله عن أزواجه وأصحابه وأمّته. أمّا بعد: فإنّ الله تعالى هو الإله الحقّ، قيّوم السموات والأرض، وكلّ من سواه وما سواه عبد مخلوق مربوب موجود لحكمة ربانية، أرادها هو جلّ شأنُه! (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ). تتلخص أبرز عناصرهذا البحث في تمهيد تحدّثت فيه على ضرورة اكتشاف المنهج القرآني في سائر مناحي الحياة، اكتشافاً متجدّداً، غيرَ مقتصر على تقليد أصحاب التجارب العلميّة والروحيّة من السابقين، وأوضحت فيه أنّ منهج القرآن الكريم في الرقيّ الروحيّ هو المنهج الأسمى، الذي لا يحتاج معه السالك إلى الله تعالى إلى شيء إضافي، سوى الاستئناس بتجارب الذينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: 69] للأسوة والقدوة والاعتزاء! وكان وراء ذلك التمهيد مطلبان: المطلب الأوّل:معالم المنهج القرآني في الذّكْر، وكان تحته ثلاثة فروع: تناول الفرع الأول مفهومَ الذّكْر في القرآن، أوضحت فيه شمول مفهوم الذكر لكلّ ما يتعلّق باليقظة القلبية، والحضور الروحي،وشهود الأنوار القدسيّة. ويشمل أذكار اللسان المتعددة الكثيرة أيضاً. وتناول الفرع الثاني توضيحَ معالم المنهج التي أدرتها على ثلاثة معالم رئيسة: المعلم الأول: أعمال الجوارح. وامعلم الثاني: أعمال القلب. والمعلم الثالث: أعمال اللسان. - وقد جعلت الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والخلوة والجهاد في سبيل الله تعالى كلّها من أعمال الجوارح التي يتجّلى فيها ذكر الله تعالى. - وقد أوضحتُ في المعلم الثاني؛ أنّ القلبَ مَوطنْ العقل التكليفي، وموطن العلم وموطن الكسب والمسؤلية الجزائية، وأنّه موطن الايمان، أو الكفر، أو النفاق! وبيّنتُ أن أبرز أعماله التدبّر والتأمّل والعلم والتذوق والكشف والفتح والشهود والعروج، وأنه مدار العمل الصوفي. - وتتبعت في المعلم الثالث أعمالَ اللسان، فكانت من الكثرة بحيث اضطرتني إلى قسمتها على مجموعات متقاربة: فجعلتُ أعمالَ اللسان في العبودية الفردية في قسم. وجعلت العمل اللساني الاجتماعي في قسم. ثم جعلت أعمالَ اللسان في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله في قسم. وخَلَصْتُ من وراء هذه القسمة إلى فَهم شمولي لما رُوي عن النبيّ أنّه قال: (إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ! فَإِنْ اسْتَقَمْتَ؛ اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ؛ اعْوَجَجْنَا)( ) وتناول الفرع الثالث مسألةَ تنوّع الأذكارِ، من تهليل وتكبير واستغفار وتسبيح وحمد وشكر وضراعة ونجوى وابتهال ودعاء وتوسل واستغاثة. وكيفيةَ أدائها بين السرّ والاعلان، وخُفية، ودون الجهر من القولِ. وتوقيتَ ذلك فيما بين الغدوّ والآصال وآناء الليل وأطراف النهار. وتوظيفَ القرآن الكريم لها، في بناء الشخصيّة المتوازنة الربّانيّة السامية! وكان المطلب الثاني بعنوان: توجيهات المخاطبين بالذكر في القرآن الكريم. وقد اشتمل على ثلاثة فروع أيضاً، رأيت تتبع منهج القرآن الكريم فيها بطريق الترقّي من الأدنى إلى الأعلى على النحو الآتي: الفرع الأوّل: الأذكار التي خوطب بها المؤمنون، من أتباع الرسول محمّد وقد أوضحتُ شمولَ هذه الأذكار وتنوعَها، واشتراكَها بين جميع طبقات العابدين الذاكرين، ومنهم الرسل والملائكة، فمن دونهم، محيلاً على الفرع الثالث من المطلب الأولّ في التفاصيل. الفرع الثاني: الأذكار التي خوطب بها الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقد جمعت كلّ ذِكْرٍ خوطب به أحدُ الأنبياء، أو صدر عنه، وعددته في صلب المنهج القرآني في الذكر؛ لأنّ ما خلّده الله من ألوان عباداتهم وأذكارهم؛ حبيب إلى الله تبارك وتعالى، وهو مضمون الناتج التربويّ السامي، بسبب النّور النبويّ من جهة، وبسبب التجربة المعصومة من جهة أخرى. الفرع الثالث: الأذكار التي خوطب بها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، أو صدرت عنه وحده، مما خلّده القرآن الكريم. وقد ظهر لي من تتبّع هذه الأذكار والأوراد، أنّها الأساسُ الذي بنى عليه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم منهج العبوديّة الشامل، الذي جمعه ربّانيّو علماء الاسلام في كتب مُفردة، وَسَمُوها بسِمَة «عمل اليوم والليلة». وقد جمع صَفوتَها الإِمام أبو زكريّا يحيى بن شرف النوويّ (ت: 676هـ) في كتابه المشهور بـ(الأذكار) ذلك الكتاب الذي أكرمني الله تعالى، ومعي عدد من إخواني الكرام، فحقّقته وخرّجت أحاديثَه، ودرسته في أربعة مباحث أصيلة، وهو ينتظر طباعته يسّر الله ذلك بمنّه. وفي سائر هذه المطالب، كنت ألقي الضوء على أدقّ المعاني التربوية الخاصة بهذا الذّكر أو ذاك، بعيداً عن التعسّف في استنطاق النصّ القرآني، وتطويعه لرغبةٍ سابقة. وقد أفرز هذا البحثُ الوجيزُ نتائجَ، رأيتُ تسجيلَ أهم نقاطها فيما يأتي: 1- إنّ الانسان هو أشرف المخلوقات، وأكرمها على الله تعالى؛ لأنّ منه رسلَه أصحابَ الشرائع الالهيّة كلَّهُم؛ بصفتهم مربّين مطبّقين مَنهجَ الله تعالى في رسالاته المنـزلة، بينما يمكن عدُّ سائر المخلوقات الأخرى أعواناً له على مهمّته في هذا الوجود! 2- إنّ بين التشريف برفعة المقام ، وزيادة التكاليف العباديةِ؛ تناسباً ظاهراً. وعليه فكلّ تشريف إضافيّ؛ يستتبع تكليفاً أكبر، إذ ليس بين الله تعالى وبين أحد من خلقه نسب! وإنّ الرسول محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم، هو أعظمُ العابدين، وقدوة علماء الأمّة وفقهائها في طريق الربّانية الواجب عليهم أجمعين! 3- إنّ الأوراد والأذكار القرآنيّة يجب أن تكون هي القاسمَ المشترك الذي يجمع الأمّة على مِنهاجٍ مُوحّد للتزكية، ومن شأن وحدة المنهج أن تقلّل مسائل الاختلاف والخلاف بين الطرق الصوفيّة! وإنّ الأذكار التي صحّ ورودُها عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ هي تطبيقات للمنهج القرآني في ذِكْر الله تعالى. وإنّ ماصحَّ عنه من ذلك مضمونُ الأجر من جهة، ومحقّق للتزكية والرقيّ في مراتب العبوديّة من جهة أخرى، وعون على تقريب أنظار المتخالفين من جهة ثالثة! وأختم ببعض التوصيات المهمة في نظري أولاً: أوصي السادة المنتدين بتبنّي التصوّف العليم المنضبط بالمنهج القرآني الذي أشرت إلى أبرز معالمه،والمطبق في إطار ماصحّ عن النبيّ فإنّ هذا هو التصوّف الإسلاميّ الذي يصحّ أن ننسبه إلى هذا الدين العظيم، وكلّ ما يخالف كتاب الله وسنّة رسوله فليس من التصوف الاسلامي، ولا حرج من مناقشة أيّة فكرة خاطئة نُسِبَت إلى أحد الصالحين، ومعرفة حكم الدين فيها، مع ضرورة الأدب البالغ مع من نسبت إليه، ذلك أنّ مناقشة فكرة خاطئة شيء، والحكم على من نسبت إليه شيء آخر. ثانياً: أوصي السادة المنتدين بضرورة إحياء الربّانية في الأمّة - في العلم والعمل والحال- وليس ذلك بالأمر المستحيل، إذا وجدت النوايا الصادقة، وتضافرت الجهود الخيّرة، وهي وافرة إن شاء الله تعالى. ثالثاً: أوصي السادة المنتدين بتشكيل مجمع علميّ، يتكوّن من كبار علماء المسلمين الصوفيّة، يكون من أبرز مهامّه مراجعةُ كتب الفكر الاسلاميّ عامّة، وكتب الصوفيّة خاصّة؛ لاستخلاص الكثير الطيّب الذي فيها، بعيداً عن الدّخن الذي يشوّه جمالها، ويبعد الصادقين عن الإفادة منها، إضافةً إلى استغلال الخصوم الذين يصدّون عن سبيل التصوّف بسببها. رابعاً: أوصي السادة المنتدين بالعمل على إنشاء جامعة إسلاميّة شاملة تكون الدراساتُ الصوفيّةُ فيها بمنـزلة التَخصّصِ الدَقيقِ، وما أجدر جامعة صدّام للعلوم الإسلاميّة أن تشرع بافتتاح قسمٍ للتصوّف الاسلاميّ، تختار له من المدرّسين أهلَ الكفاءة والتقوى والسلوك، قبل أيّ اعتبارات أخرى. خامساً: أوصي السادة المنتدين بضرورة الاهتمام الإعلامي الصوفيّ، كإصدار صحيفة أُسبوعية صوفيّة، وإصدار مجلّة شهريّة، وأخرى فصليّة محكّمة تُعنى بالأبحاث والدراسات الصوفيّة المتخصّصة، التي تعالج المسائل الكبرى العالقة، على أن تكون كَوادِرُ هذه الإصداراتِ، من علماء الصوفيّة السالكين حصراً. سادساً: أوصي بأن يصدر السادة المنتدون توجيهاً عامّاً، إلى حضرات مشايخ الطرق الصوفيّة، بضرورة الاهتمام بالتوجيه الديني، وتَعَلُّمِ وتَعليمِ المريدين العُلومَ الشرعيّة. فإنّ ذلك عون لهم على السلوك الشرعي السليم، واختصار الزمن الذي يقطعه المريد المتفقه بالنسبة إلى غيره من المريدين. وأنْ تَعتمِد الطُرقُ الصوفيّةُ كلُّها الألفاظَ والعِباراتِ، التي لا يعترض عليها الفقهاء؛ لأنّ من المتفق عليه بين العلماءِ؛ أنّ اللفظَ، إذا احتمل معنيين، أحدهما باطلٌ؛ وجب ترك هذا اللّفظ جملة، تَقديماً للحَظر على الإباحة، واحتياطاً في دين الله تعالى. وأَنْ تَعْمَد هذه الطرقُ العَليّةُ إلى تَجديدِ هَيئات مَجالس الذكر، وإعادةِ النظر في كثير من المَظاهر التقليديّة، التي يصعب على أهل هذا الزمان قَبولُها. والله تعالى هو وليّ رشادنا أجمعين. هذا وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً، والحمد لله ربّ العالمين. بين يدي البحث الحمدُ لله الذي جَعل طمأنينةَ القُلوبِ بذِكْره( ) ووعد الصادقين في طاعته المزيد على حمده وشكره ( ). والصلاة والسلام على من اصطفى من عباده ( ) واجتبى من أنبيائه ( ) فجعلهم للنّاس قدوة وأسوة ( ) هذا الهامش كان مكتوباً ولم يحدد موضعه( ) وجعل خاتمهم محمّداً، صلّى الله عليه وآله وسلّم نبراسَ الكمال البشري، وأثنى في كتابه على جميل أدبه وعظيم خلقه ( ). فللّه الحمد في الأولى والآخرة، وله الفضل والمنّة؛ أن جعلنا من هذه الأمّة الخيّرة المرحومة ( ) أمّا بعد: فإنّ رحلة الانسان على ظهر هذه المعمورة قد بدأت عندما توجّهت الارادة الإلهيّة إلى خلقه وتكليفه واستخلافه ( ) وشاء الله تعالى أن يخلق هذا الإنسان من جنس الأرض، التي أراد أن يستخلفه فيها؛ لئلاّ يكون بينه وبينها اختلاف في العنصر ( ) وليفيد مما فيها من خيرات لضمان بقائه واستمرار حياته ( ) والحفاظ على وجوده بتكاثر نسله ( ) إلى غاية معلومة، وأمد محدود في علم الله تعالى ( ) . ومنذ اللحظات الأولى لوجود الانسان؛ علم أن مهمته في هذه الحياة الدنيا تنحصر في ثلاثة شعب: - الأولى: عمارة هذه الأرض واستغلال مواردها لتحقيق الوجود البشري عليها إلى الغاية المعلومة لها ( ) . - الثانية: تنظيم شؤون هذه الأرض، و إلزام من فيها بمنهاج الله تعالى وشريعته ( ) . - الثالثة: عبادة الله تعالى في جوانب التوحيد، والتّشريع، والحاكمية، والسلوك ( ) . وعبادة الله تعالى منهاج شامل، يتناول كل فرع من فروع أعمال الإنسان على مستوى الفرد، وعلى مستوى الجماعة ( ) ، لكنّ موضوع بحثنا يتّصل بعمل الإنسان الفردي، الذي يتعدّى أثره الخير؛ فيعم الجماعة. بيد أنّ أبرز جوانب العمل العبادي الفردي تتلخّص في هاتين الآيتين الكريمتين، من قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. من جاء بالحسنة؛ فله خير منها، وهم من فزع يومئذ آمنون *ومن جاء بالسيّئة؛ فكُبّتْ وجوههم في النّار: هل تجزون إلاّ ما كنتم تعملون * إنّما أمرت أن أعبد ربّ هذه البلدة الذي حرّمها، وله كلّ شيء وأُمرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلو القرآن: فمن اهتدى؛ فإنّما يهتدي لنفسه، ومن ضلّ؛ فقل: إنّما أنا من المنذِرين * وقل: الحمد للّه سيريكم آياته فتعرفونها، وما ربّك بغافل عمّا تعملون [النمل:89-93]. وقوله الكريم: اُتلُ ما أوحي إليك من الكتاب، وأقم الصلاة؛ إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذِكْر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون [العنكبوت:45]. فالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم،كما في سورة النّمل، إنّما أمر بعبادة الله تعالى، والاستسلام لأمره ونهيه وأن يتلو القرآن قاصداً رقيّ ذاته وهداية الخلق إلى الله تعالى، فمن اهتدى منهم؛ فقد انتفع بما سمع، وارتقى فكره وروحه. وأمّا في سورة العنكبوت، فإنّ ذاك الاطلاق قيّد، وحصر في ثلاث شعب هي العظمى للترقيّ في مراتب العبوديّة، وهي: - تلاوة القرآن الكريم؛ للانتفاع من علومه الربّانيّة، وللالتزام بتوجيهاته المقصودة، والانتفاع بأنواره المشهودة، والاستمتاع النفسيّ ببيانه الشجيّ الآسر! - وإقامة الصلاة المكتوبة والمندوبة؛ لأنّ إقامتها على أصولها وضوابطها تقود إلى الخوف والمراقبة، والشهود وهي بدورها تنهى عن الفحشاء والمنكر، والابتعاد عنهما من أعظم مقاصد الشريعة! - وذِكْر الله تعالى -بهذا الاطلاق- هو أكبر من تلاوة القرآن الكريم ومن الصلاة أثراً روحيّاً، مع أنّ الصلاة ذِكْر وتلاوة القرآن ذِكْر، ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة سوف أبرز أهمّها في تضاعيف هذا البحث! وتتلخص أبرز عناصر بحثي هذا في تمهيد يوضّح ضرورة اكتشاف المنهج القرآني في مناحي الحياة الانسانيّة، ومطلبان: يوضح المطلب الأوّل معالم المنهج القرآني في الذِّكْر، في ثلاثة فروع، ستأتي في مواضعها.ويوضّح المطلب الثاني تطبيقات المخاطبين بالذِّكْر في القرآن الكريم، في ثلاثة فروع أيضاً،رأيت تتبع منهج القرآن الكريم فيها بطريق الترقّي من أدنى إلى الأعلى كما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. وفي سائرفروع هذين المطلبين، سوف ألقي الضوء على أدقّ المعاني التربوية الخاصة بهذا الذّكر أو ذاك، بعيداً عن التعسّف في استنطاق النصّ القرآني، وتطويعه لرغبة سابقة. وأختم كلامي بذكر أهم النقاط التي تمخض عنها هذا البحث الوجيز، وأبرز التوصيات العلميّة العامّة والتوصيات التي تهمّ التصوّف الاسلاميّ خاصّة. والله العظيم الحليم أسأل أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يرزقنا حسن اتّباع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، بعيداً عن الجمود الظاهر، والانفلات السافر، وأن يكثر في أهل التصوّف من العلماء العاملين،فإنّ مقام الاحسان أرقى من مقام الاسلام، ومن مقام الايمان،وكلا المقامين لايتحقق إلاّ بالعلم النافع والعمل الصالح! فحريّ أن لا يتطاول إلى مقام الاحسان عابد ذاكر، أشرقت عليه نفحات من أنوار الذِّكْر؛ فسكر بها فحسب أنّه استقرّ في المقام الأسنى! وهيهات هيهات !!والحمد للّه ربّ العالمين. كتبه عداب محمود الحمش الحسيني الحموي تمهيد:ضرورة اكتشاف المنهج القرآني في مناحي الحياة الانسانيّة لعلّ من توفيق الله تعالى بعضَ خلقه؛ مقدرتَهم على توظيف علوم الآلة في حسن فهم كلمات الله تعالى واستلهام دلالاتها في اكتشاف المنهج القرآني في سائر مناحي الحياة، اكتشافاً متجدّداً، غيرَ مقتصر على تقليد أصحاب التجارب العلميّة والروحيّة من السابقين؛ لأنّ ممّا لايجهله أحد من المسلمين، أنّ الله تعالى قال في كتابه الكريم: اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الاسلام ديناً [المائدة:3] وقال عزّ من قائل:ما فرّطنا في الكتاب من شيء [الأنعام:38] ومقتضى هذا التصريح؛ وجود معالم مسعفة في تلمّس منهج القرآن الكريم في الوقوف على سنن الله تعالى في الكون والحياة الانسانيّة، وهذا بدوره يقود إلى ضرورة الافادة من التوجيهات القرآنيّة في شؤون الحياة الدنيا، وشؤون الحياة الآخرة العليا! وإلاّ فلم جاءت الآيات القرآنيّة الكثيرة المرشدة إلى ضرورة معرفة أسماء الله الحسنى وصلاتها المتشعبة في حياة الناس ومعاشهم والآيات الداعية إلى تدبّر آثار الله تعالى في الأنفس والآفاق؟! وللوقوف على منهاج القرآن الكريم في الذِّكْر؛ يتعيّن على الباحث معرفةُ دلالات استعمال القرآن الكريم لكلمة (ذِكْر) ثمّ تلمّس تواصل هذه المعاني جميعها للوصول إلى حقيقة الذِّكْر، ثمّ تتبّع فروعيّات هذا المنهاج في شؤون الحياة المعاشيّة، ثمّ الوقوف على تشعُّبات منهج الذِّكْر الخاص بالارتقاء إلى مقامات دائرة الاحسان! ومن الظاهر لكلّ من قرأ القرآن الكريم؛ أنّ للذِّكر الخاصّ مظاهر كثيرة يتجلّى أبرزها في توجيهات عامّة،وفي تطبيقات الصفوة المختارة من عباد الله المقرّبين! فالتهليل ذِكْر، والتكبير ذِكْر، وحمد الله تعالى ذِكْر، والدّعاء ذِكْر، والاستغفار ذِكْر، والتسبيح ذِكْر والتضرّع ذِكْر، والصلاة المكتوبة والنافلة ذِكْر، والمناجاة ذِكْر، وتلاوة القرآن الكريم ذِكْر، والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ذِكْر، والتفكّر ذِكْر، والتدبّر ذِكْر، والتعقّل ذِكْر، والتعلّم ذِكْر والتعليم ذِكْر! وقد حكى لنا القرآن الكريم قيام الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً [النساء:69] في دائرة الاحسان، وتجاربُهم تمثّل منهج الذِّكْر وتطبيقه؛ تذكيراً بالمثل العليا في مراتب العبوديّة لله ربّ العالمين. وتفريعاً على ما سبق، فقد اخترت أن أجعل خلاصة عناصر منهاج القرآن في ذِكْر الله تعالى في مطلب وتوجيهات المكلّفين بهذا المنهج في مطلب آخر؛ ليتوضح أنّ منهج القرآن الكريم في الرقيّ الروحيّ هو المنهج الأسمى الذي لا يحتاج معه السالك إلى الله تعالى إلى شيء إضافي، سوى الاستئناس بتجارب الركب الايماني الرفيع للأسوة والقدوة والعزاء! المطلب الأوّل معالم المنهج القرآنيّ في الذِّكْر وقد تضمّن هذا المطلب ثلاثة فروع: الأول: مفهوم الذِّكْر في القرآن الكريم، والثاني: معالم منهج القرآن الكريم في الذِّكْر، والثالث: تنوّع الأذكار بالمفهوم الخاصّ، وتوظيفها في عمليّة الاصلاح والتزكية والترقّي الايماني والروحيّ. الفرع الأوّل مفهوم الذِّكْر في القرآن الكريم من المعروف لدى الباحثين أنّ دلالة الكلمة الواردة في القرآن الكريم؛ لا تختلف عن دلالتها في اللغة العربية بيد أنّ استعمال القرآن الكريم لها قد يكون أخصّ من عموم الدلالات الواردة في كتب متون اللغة؛ لأنّ القرآن الكريم إنّما يستعمل الدلالة الفصحى، ولا يعدل عن ذلك إلاّ لحكمة يعلم بعضَها أصحابُ البيان من الأدباء وقد يكون هذا الخصوص بسبب التوليد اللغويّ، مثلما يمكن بسبب الدلالة الوضعية الشرعيّة أيضاً. والأصل الجامع لمعاني الذِّكْر: هو الاستحضار القلبي، والنطق اللساني، فالذِّكْر القلبي ضدّ النسيان، والذِّكْر اللساني ضدّ الصّمت ! بيد أنّ استعمالات القرآن الكريم لكلمة الذِّكْر، توحي بأنّها من المشترك اللغويّ، بل توحي أنّها من الأضداد: -فقد استعمل القرآن الكريم كلمة (ذِكْر) بمعنى الشرف والعزّة والثناء، قال الله تعالى: لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذِكْركم [الأنبياء:10] وقال عزّ من قائل: وإنّه لذِكْر لك ولقومك [الزخرف:44] ( ). - واستعمل القرآن الكريم كلمة (ذِكْر) بمعنى العقاب والعذاب والذمّ، قال الله تعالى: أفنضرب عنكم الذِّكْر صفحاً؛ أن كنتم قوماً مسرفين [الزخرف:5] ( ). - واستعمل كلمة الذِّكْر بمعنى الكتاب الإلهي، سواء كان هو القرآنَ الكريم، أم كان غيرَه من الكتب المتقدّمة عليه. - فمثال استعمالها كناية عن القرآن الكريم، قول الله تعالى: إنّا نحن نزّلنا الذِّكْر، وإنّا له لحافظون [الحجر:9] وقوله تبارك وتعالى: وأنزلنا إليك الذِّكْر؛ لتبيّن للنّس ما نزّل إليهم [النحل:44] ( ). - ومثال استعمالها، كناية عن الكتب الإلهيّة المتقدّمة، قول الله تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم، فا سألوا أهل الذِّكْر إن كنتم لا تعلمون [الأنبياء:7] وقوله تعالى: هذا ذِكْر من معي، وذِكْر من قبلي [الأنبياء:24] ( ). -استعمل القرآن كلمة الذِّكْر بمعنى التلفّظ بالمذكور، ومن ذلك قوله تعالى: وهذا ذِكْر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون [الأنبياء:50] وقوله عزّ وجلّ: ص. والقرآن ذي الذِّكْر[ص:1]( ) و الشاهد في الآيتين الكريمتين استنتاجي، ووجهه: أنّ القرآن مقروء؛ يعني متلفّظ به، وقد أنزله الله تعالى مقروءاً. وقال: فإذا قرأناه؛ فاتّبع قرآنه [القيامة:18]وقال: وإذ صرفنا إليك نفراً من الجنّ يستمعون القرآن [الأحقاف:29]( ). - بيد أنّ أكثر استعمالات القرآن الكريم لكلمة الذِّكْر؛ كان من قبيل الاستحضار القلبي واليقظة، ومن ذلك قوله تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذِكْرنا واتّبع هواه وكان أمره فرطاً [الكهف:28] وقال: فويل للقاسية قلوبهم من ذِكْر الله[الزمر:22] و استعملت في التذكّر بعد النسيان، قال عزّ وجلّ: وإذا ذكّروا؛ لايذكرون [الصافات:13] وقال: فاتّخذتموهم سِخريّاً حتى أنسوكم ذِكْري [المؤمنون:110]( ).وكثرة استعمال القرآن الكريم كلمة الذِّكْر بمعنى الحضور القلبي، لها دلالة تربوية أدناها ضرورة اليقظة، والبعد عن الغفلة، ويكون الذِّكْر القلبي هو الأساس في التربية، ويكون الذِّكْر اللساني بمثابة الاعتراف والاشادة بالمنعم المتفضّل تبارك وتعالى. والذِّكْر القلبي، والذِّكْر اللساني بمعناهما الأشمل، هما ما يعنينا في هذا البحث. ولعلماء العربيّة كلام كثير في استعمال تصاريف مادة(ذِكْر) تسجيلها في هذا البحث الوجيز استطراد لا حاجة بنا إليه، ومن اليسير رجوع من شاء إليه ( ) وبمناسبة إطلاق الذِّكْر على الكتب الإلهيّة السابقة، رأيت من المناسب هنا أن أذكّر بأنني لحظت معنى آخر في استعمال القرآن الكريم لكلمة كتاب، ولا يراد به القرآن الكريم ولا الكتب الإلهيّة السابقة عليه، يحسن تسجيله هنا لصلته الوثيقة جدّاً بالتصوّف، وإن ظهر للوهلة الأولى استطراداً فيه بعد! قال الله تعالى في قصّة موسى والخضر عليهما السلام: فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا، وعلّمناه من لدنّا علماً. قال له موسى: هل أتّبعك على أن تعلّمن ممّا علّمت رشداً.قال: إنّك لن تستطيع معي صبراً [الكهف:65-67] وقال الله تعالى: ويعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل [آل عمران:48] وقال تبارك وتعالى: وإذ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل [المائدة:110] وقال عزّ وجلّ: قال عفريت من الجنّ: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإنّي عليه لقويّ أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب:أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك! فلمّا رآه مستقرّاً عنده؛ قال:هذا من فضل ربّي [النمل:39-40] فهذه الآيات الكريمة تتحدّث عن علم آخر، غير القرآن، وغير الكتب الإلهيّة الأخر، ذلك العلم هو علم الخوارق، أو علم تسخير القوى الكونيّة في خدمة الانسان، ويظهر من الآيات التي وردت فيها هذه المعاني، أن ليس جميع الأنبياء يعلم ذلك الكتاب، فقد يعلمه من ليس بنبيّ ولا يعلمه النبيّ المعاصر له، كما في قصّة موسى والخضر، وقصّة سليمان والعفريت، وسليمان ومن عنده علم من هذا الكتاب، وتلك خصوصيّة لذلك الوليّ، لكنّها لا تقتضي أفضليّته على النبيّ مطلقاً ! فهل هذا العلم وهبيّ مطلقاً، أو هو ممّا يمكن تعلّمه واكتسابه، أو هو مشترك بين الوهب والكسب، ومن الذي يحسن تعلّمه وتعليمه؟ هذه التساؤلات تحتاج إلى إجابات علميّة برهانيّة؛ لأنّها أضخم تهمة يوجهها خصوم التصوّف إليه وهذه التهمة عندي هي من أعظم مظاهر إكرام الله تعالى لعباده العابدين الذاكرين الصوفيّة، ولأنّ غيرهم يعتقدون أنّهم الصفوة المختارة من خلق الله تعالى، فإنّهم ينكرون على الصوفيّة ما عجزوا عن بلوغه، وأنا أعترف بعجزي عن إدراك ذلك، وعن القيام به، لكنّني متشوّف إلى معرفة سرّه ممّن أكرمه الله به، بعيداً عن التهويل، والتجديف، والخيالات! الفرع الثاني معالم المنهج القرآني في الذّكْر توطئة:نحن المسلمين نعتقد أن للروح عملاً، وأن للقلب عملاً، وأن للّسان عملاً، ولبقيّة الجوارح أعمالاً. ولكي تتكامل صفة العبودية لدى المسلم، فيغدوا ربّانياً محبوباً من الله تعالى؛ فيجب أن تسهم جوانب الشخصية الانسانية كلّها في تحقيق العبودية للّه عزّ وجلّ. وإذا كانت الروح هي الجانب الأسمى في الكيان البشري، فإنّ عملها يجب أن يكون هو الأسمى أيضاً وإذا كانت العبودية لا تحتمل القسمة، وإنما تتحقق بها عناصر الكيان البشري معاً، وتتملاّها معاً فإن الجانب الجمالي، والذوقي والتجريدي من عمل الانسان هو العمل الروحي. وإن الجانب العاقل من التأملّ والفكر والتدبّر والبرهان والتفسير والحجة هو من اختصاص القلب الفقيه. وإن انضباط اللسان وتساوقه مع الروح والقلب يعزز البيان الراقي في التعبير عن التحقق بمراتب العبودية فتكون منه النجوى، والدعاء، ومقطوعات الحبّ والشوق والأنس والرضى. وإن قيام الجوارح بالعبادات الظاهرة من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحلال الحلال وتحريم الحرام على وفق ما أراد الله تعالى؛ كل ذلك يجعل عملية العبودية تتعانق وتتكاتف وتتساند؛ لتقوم لله تعالى بالخضوع الممزوج بالحب والشوق. وبناء على ما تقدّم فإن معالم منهج القرآن في الذكر تأخذ في اعتبارها عمل القلب، وعمل اللسان وعمل الجوارح وعلى قدر تحقق هذه الأعمال بالانضباط الديني الذي أراده الربّ سبحانه وتعالى تكون راحة الروح وسعادتها ومساهمتها في مدد هذه القوى بالجمال والذوق والكمال والسمو. ومع اعتقادنا أنّ عمل القلب، وعمل اللسان، وعمل الجوارح تسير كلّها جنباً إلى جنب في العملية التربوية المحققة للعبودية، إلا أنّنا نستطيع تناول كل وحدة منها على حدتها باعتبار الجانب الأعظم في عملها. فعمل القلب من التأمّل والتفكّر والتدبّر، لا يستقلّ وحده، بل لابد أن يُسْهم اللسان في التعبير عن التحقق، ولابد للعين أن تتأثر، ولابد للجوارح أن تستجيب للطاعة، وهكذا عمل اللسان، وأعمال الجوارح. المعلم الأول: عمـل الجـوارح: إن عمل الجوارح هو اللبنة الأولى والأساس، في بنيان العملية التربوية الشاملة التي نُطلق عليها اسم العبودية، وجملة هذه الركيزة هي الالتزام بالتكاليف الشرعية التزاماً دقيقاً على قدم المتابعة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بصفته القدوة والأسوة في هذه العملية الشاملة، ومن غير فصل بين ما إذا كان هذا العمل فرضاً، أم سنة، أم مندوباً فمشروعية العمل تقود العابد إلى التحقق بالكمال منه وسوف اسرد أبرز أعمال الجوارح الظاهرة سرداً سريعاً، موضحاً دورها الأسمي في تحقيق العبودية الحقة. - الطهارة الظاهرة: طهارة البدن عن النجاسة العينيّة من دم وبول وغائط وحيض ونفاس، وعن النجاسة الحكمية عن الجنابة والحدث، وطهارة الثوب وسائر ما يستخدمه العبد في حياته من ثوب، وعمامة، ومنديل ونعل، وقلم وورق. وطهارة المنـزل والأثاث وموضع الصلاة حتى لا يلامس شيئاً يبعد به عن الطهارة الحسية التي هي المرقاة إلى الطهارة المعنوية. فحين يمدح الله أهل مسجد قُباء من المؤمنين بقوله الكريم: لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم؛ أحقّ أن تقوم فيه. فيه رجال يحبوّن أن يتطهرّوا، والله يحبّ المتطهّرين [ التوبة: 108] فإن العابد يسارع إلى التحقق بكمال الطهارة وديمومتها في شؤونه كلها؛ لأنه يعلم أنّ كل حركة من حركاته تؤدي نوعاً من أنواع العبادة، فلتكن طاهرة الأداء ظاهراً وباطناً. كان هذا شأنَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يحافظ على الطهارة، ويقول: ( ولا يحافظ على الوضوء إلاّ مؤمن) ( ). - الصلاة: من الصلاة ما هو مفروض بأوقات مخصوصة، ومنه ماهو مندوب إليه، ومنه ماهو منهيّ عنه. فالعابد يجتنب الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها، ويجتنب مواضع الاختلاف من ذلك أيضاً، ويقوم بأداء الصلاة المفروضة على أحسن وجه، ويحافظ على الرواتب قبل الفريضة وبعدها، ثم يؤدي من الصلاة المندوبة ما يتّسع له وقته وتقوى عليه جوارحه، ولا يطغى على نصيب مفردات العبودية الأخرى ويؤكّد على اثنتي عشرة ركعة ما بين شروق الشمس إلى انتصافها، وعلى مثلها فيما بين العصرين، وعلى ركعات بين العشاءين؛ لأن هذه الساعة يغفل فيها الناس، ثم يجعل لنفسه من قيام الليل شطراً صالحاً، لا يقلّ عن ثماني ركعات، ولا حدّ لأكثرها مع الاتقان والمتابعة. إن العابد عندما يسمع قول الله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل [ الإسراء: 78] وقوله عزّ من قائل: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل [ هود: 114] وقوله الكريم: وأقم الصلاة لذكري [ طه: 14] وقوله العظيم: وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر[ العنكبوت:45] وقوله الكريم: ياأيها الذين آمنوا: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة؛ فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. فإذا قضيت الصلاة؛ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [ الجمعة:9-10] وقوله الحكيم: كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون [ الذاريات: 17-18] وقوله العظيم:والذين يبيتون لربهم سجّداً وقياماً [ الفرقان: 64] وغيرها من الآيات. أقول: عندما يتلو المؤمن هذه الآيات، يعلم أن هذه المعاني محبّبة إلى ربّه تعالى، فطول القيام والخشوع في الصلاة وأداء الصلاة في كل وقت ممكن؛ مقصودة من الشارع الحكيم، فعليه أن يسارع في مرضاته ومحابّه على قدم متابعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. - الصيام: الصيام المفروض على المسلمين هو صيام شهر رمضان فحسب شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، وبنيان من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر، فليصُمْه [ البقرة: 185]. والصيام المحرّم هو صيام يوم الفطر ويوم الأضحى باتفاق، وثلاثة أيام التشريق على الراجح، وليس وراء ذلك صيام محرّم أو مكروه، وكل الأحاديث الواردة في كراهية صيام يوم السبت، أو الأحد أو إفراد الجمعة بصيام، معلولة، لا تصلح قيوداً على مشروعية الصيام مطلقاً فيما سوى هذه الأيام الخمسة وحرمة الصوم فيها،كما ترى؛ لأنها أيام عيد يتواصل فيها المسلمون. وقد شاع في بعض دوائر التصوف أن الجوع رياضة للروح، وهذا خطأ، فالصيام غير الجوع وقد صحّ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن مواصلة الصيام من غير فطر في الليل، فقال له رجل: ( فإنك يارسول الله تواصل؟! فقال: أيكم مثلي؟! إنّي أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)( ) فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الوصال؛ لأن من شأنه أن يضعف البدن، وبقاء البدن قوياً مطلوب لأداء حقّ العبودية. وقد ندب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى صيام داود عليه السلام، وذكر أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وندب إلى صيام يوم الاثنين والخميس، وصيام ستة أيام من شوال وصيام تاسوعاء وعاشوراء. فالصيام بضوابطه نفسي وجسدي وروحي، وليس تعذيباً للبدن من أجل الروح ذلك أن الانسان في سائر أيّامه مطالب بعدم الاسراف في الطعام والشراب، قال تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا؛ إنه لا يحب المسرفين [ الأعراف: 31]. وقد جاء عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (كلوا واشربوا والبسوا وتصدّقوا، من غير مخيلة ولا سرف، فإنّ الله يحبّ أن تُرى نعمته على عبده)( ). -الزكاة: أمر الله تعالى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مقرونتين في عشرات الآيات القرآنية الكريمة، مما يؤكد على أهميتها البالغة في بناء الشخصية المتوازنة. وقد حدّد الله تعالى بعض أنصباء الزكاة، وحدد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأمره تعالى أنصباء الأموال التي تزكّى، وإن الناظر إلى نسبة الزكاة؛ يجدها يسيرة جداً: العشر، ونصف العشر، وربع العشر وزكاة الإبل، والبقر، والغنم، وعروض التجارة… كلّها يسيرة، ومع يسرها؛ تستثقلها بعض نفوس المؤمنين، لعدم تفهمها مقامها في العبودّية، وضرورة التخلّص من شحّ النفس الذي هو لون خفي من ألوان الأنانية، وهي بدورها مظهر من مظاهر الشرك الخفي. قال الله تعالى:إن الله لا يحبّ من كان مختالاً فخوراً الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ويكتمون ما آثاهم الله من فضله [النساء: 36 -37]. ومن يوق شحّ نفسه؛ فأولئك هم المفلحون [ الحشر: 9] و [ التغابن: 16] والله تعالى لا يحب البخل. بيد أن العابد لا ينظر إلى هذه الأنصباء، ويستحي أن يراه الله تعالى واقفاً عند حدودها، بل تراه ينفق يمنة ويسرة، وفي كل سبل اليسر، مطمئناً إلى أن الله تعالى لن يضيّعه ولن يمحق ماله وإن امتحنه الله تعالى بالفقر فهو كما امتحنه بالغنى، ولا فرق، ومن الضروري جداً أن يعتقد المؤمن بأن جزاء الانفاق في سبيل الله؛ يضاعف في الدنيا، وإنما يدّخر له أجره إلى يوم القيامة. وأبواب سبل البرّ والخير والصدقات مفتوحة على مصاريعها لعباد الرحمن الذين لا يبخلون بما آتاهم الله من فضله وجانب الزكاة في منهج الذكر ظاهر واضح؛ لأن الزكاة طهرة المال، وهي تطهير للقلب من الشحّ وهي تأمل قلبي، وتلذّذ روحي لدى العابدين. - الحجّ: إن الصلاة عمل بدني، لا تكلّف العابد نفقات مالية كبيرة، وإن الزكاة اقتطاع جزء من المال، لا تكلّف العابد سوى الهمّة النفسية، وقليلاً من التحركات البدنية، لكن فريضة الحج تكلفّ الحاج أعباء ماليّة ضخمة وتكلّفه بأعباء جسدية ونفسية كثيرة أدناها الصبر على مشاق السفر الطويل، وقسوة المناخ والتعرض للأمراض وغير ذلك. بيد أن العابد يتوجه إلى القبلة في صلواته المفروضة والنافلة، ويتلو في كتاب الله تعالى فيستذكر تلك البلاد المقدّسة وكل عمل شرعي يقوم به؛ يذكرّه بتلك البلاد، والحج هو السبيل الأمثل؛ لإيقافه على جهاد إبراهيم وإسماعيل ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم في تلك البلاد وإذا كان هؤلاءهم القدوة المثلى لأمة الاسلام، فجدير بالعابد المسلم أن يتحلّى عن كثب مغانيهم، ويتعرف إلى آثارهم المباركة هناك. ولهذا فإنني أرى تغيير معالم مكة المكرمة، وأماكن المشاعر من أكبر الأخطاء التي ارتكبها المسؤولون عن المشاعر هناك، وكان الواجب الروحي قبل الشرعي يقضي ببقاء مكة المكرمة والمدينة المنورة على صورتهما الأولى، وتوسّع مكة المكرمة خارج حدود المدينة القديمة والمشاعر، فالأرض واسعة منبسطة، وتغيير المعالم التاريخية أفقد الحرمين الشريفين كثيراً من المعاني الروحية التي تربط بتلك المعالم ( ). - العزلة عن الناس: للعلماء في الترغيب بالعزلة، أو الترهيب منها مذاهب، وليس شيء مما ذكروه مرغوباً عنه في نظري. وأنا لا أدعو إلى عزلة عامة مطلقة لجميع العابدين، فهذا شيء غير ممكن عقلاً، ولا عادة ولا أرى له مستنداً صحيحاً من الشرع، بيد أن العزلة التي أعنيها لجميع العابدين، تتلخص بما يأتي: - اعتزال تام للقيام والقرآن والعلم أربعين يوماً في كل سنة على سبيل الندب، مستأنساً بقول الله تعالى: وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة [ البقرة:51]. ومما لا يخفى أن الدوائر الرسمية تمنح الموظّف إجازة أسبوعية لمدة يومين في أكثر البلاد وإجازة سنوية قدرها ستون يوماً، وفي بعض الدوائر أربعون، ولتكن هذه الاجازة عزلة سنوية لتقوية الايمان، وتدارك النقصان، وتقوية الروح والارادة. - اعتزال تام لمدة يوم وليلة في كل أسبوع. - اعتزال تام لمدة ثلاث ساعات يوميّاً، ولتكن في الليل. ويُعنى المعتزل بالتأمّل والتفكّر والصلاة والأذكار فتكون هذه العزلة إعادة شحن لعقله وقلبه وأعصابه، وتكون زمناً مناسباً ترتاح فيه روحه من الصخب والنصب، أما بالنسبة للعالم العابد، فيتعيّن أن يكون وقتهُ كلّه عزلة عن الناس؛ لأن الاختلاط بهم يسقط هيبته في نفوسهم، وينحصر اختلاط العالم بالناس في ساعات محدّدة تتلخصّ فيما يأتي: - أداء واجبه الوظيفي إن كان أستاذاً جامعياً، أو موظفاً في دائرة، أو قيمّاً على مسجد… الخ - المحافظة على الجماعة في المسجد وخاصة الفجر والعشاء، حتى لا يتهّم، فإن العامّة تعرف قدر صلاة الجماعة، ولا تعرف قيمة العلم، ولا استغراقه جميع وقت العالم. - أداء واجبه في الدعوة إلى الله تعالى، وتعليم الناس في أوقات مخصوصة، أما استهلاك المرء وقته في الدعوة إلى الله والزيارات، والمؤتمرات، والندوات؛ فهذا يباعد بينه وبين النضج العلمي، ويبعده عن السموّ في مراتب العبودية في أكثر الأحيان. ويطيب لي أن أسجّل بهذه المناسبة كلمة للحافظ محمد بن حبّان البستي، أنقلها من كتابه ( روضة العقلاء) فقد قال رحمه الله تعالى: ((أما السبب الذي يوجب الاعتزال عن العالم كافّة؛ فهو ما عرفتُهم فيه: من وجود دفن الخير ونشر الشرّ، يدفنون الحسنة، وينشرون السيئة. - فإن كان المرء عالماً؛ بدّعوه، وإن كان جاهلاً؛ عيرّوه ! - وإن كان فوقهم؛ جسدوه، وإن كان دونهم؛ حقّروه! -وإن نطق؛ قالوا: مهذار، وإن سكت؛ قالوا: عييّ. - وإن قَدَر؛ قالوا: مقترّ، وإن سمح؛ قالوا: مبذّر... فالنادم في العواقب، المحطوط عن المراتب؛ من اغترّ بقوم هذا نعتهم، وغرّهُ ناسٌ هذه صفتهم))( ) - الجهاد في سبيل الله: الجهاد في سبيل الله مصطلح شرعي شامل يعم كلَّ عمل فيه نصرة لدين الله تعالى سواء كان بالنفس أو المال أو اللسان أو الجاه، وسواء أكان ذلك في السلم أم في الحرب، لكنني أعني هنا الجهاد بالنفس خاصة لأن الجهاد باللسان والدعوة إلى الله تعالى سوف يأتي في معلم خاص من معالم المنهج القرآني في الذكر ولأن الجهاد بالمال أشرت إليه قبلُ عند كلامي على الزكاة. وقد رغب القرآن الكريم في الجهاد ترغيباً كثيراً لا يحتاج إلى كثير تذكير لأنه سبب حماية الدين ورفع الظلم وصد العدوان ونشر الدعوة إلى الله تعالى. ويكفي أن أذكر بعدد من الآيات القرآنية الواردة في ذلك. قال الله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم [ الأنفال: 60] وقال تعالى: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أم يكفَّ بأسَ الذين كفروا [ النساء: 84] وقال تبارك وتعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون [ التوبة: 111]. ومما يجب معرفته أن الجهاد المقصود هنا هو جهاد العدو الكافر، مثل إسرائيل وأمريكا وروسيا وكلّ دول الغرب المحاربة، أو الصائل الباغي على بلد من بلاد المسلمين، أما ما يجري بين القبائل العربية، أو بين الحركات الحزبيّة المتلبّسة بلبوس الاسلام من اقتتال كالذي يجري في أفغانستان في هذه الأيّام البئيسة، فهذا ليس من الجهاد في شيء إنما هو اقتتال على الدنيا والسلطان، ويسمّى في المصطلح الشرعي قتال فتنة، فإذا استطاع المرء أن لا يشارك في شيء منه فيجب عليه ذلك. والفار من حرب مثل هذه الفتنة؛ محمود عند الله تعالى، ومن اضطر إلى أن يساق في حرب كهذه؛ فليحرص على ألا يقتل مسلماً استبقاء لنفسه وخير له أن يكون عبدالله المقتول من أن يكون عبدالله القاتل. وخاصة في زماننا هذا حيث لا يدري أحد من العلماء من هو الطرف الذي يجب نصرته، ومن هو المتسلط الباغي الذي تجب مدافعته.. هذا ما يجب على العبّاد معرفته، وتفاصيل أحكامه في كتب الفقه وتفاسير القرآن وشروح السنة. والجهاد في سبيل الله معلم من أهم معالم الذكر وموطن من أبرز مواطنه لأن الإنسان متعلق بالحياة فطرة. وحضور مشاهد القتال مظنّة انتهاء هذه الحياة بالقتل وهذا شيء تكرهه النفس البشرية. قال تعالى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم. [ البقرة: 216]. ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون [ الأنفال: 45]. وإن مما ترجوه كل نفس مؤمنة وتطمح إليه النفوس الأبية هو الشهادة في سبيل الله قال تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين[ آل عمران 169-170]. وقال تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ذلك الفضل من الله [ النساء: 69] وقال تعالى: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدّيقون،والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم [ الحديد: 19]. ولست أبالغ إذا قلت إن الربانية الحقة والعبودية الصادقة تتجلى أكمل ما تتجلى في ساحات الجهاد في سبيل الله تعالى. المعلم الثاني: عمـل القـلب:ليس من أهداف هذا البحث أن يوضّح المفهوم الشرعي للقلب ولا أن يبين ما إذا كان العقل في القلب أو في الدّماغ، وإنما المقصود هو موطن التأمل والتفكير والتدبر والتأثر، وسواء كان ذلك في الصدر، أم كان في الجمجمة، أم كان في الجملة العصبية، لكن يحسن التعريج على شيء من هذا وذاك وغيرهما؛ ليتوضح لنا عظم موقع القلب من الكيان الإنساني، وأهميته العظمى في المسؤولية الشرعية. - فالقلب موطن العقل التكليفي: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها [ الحج: 46]. - والقلب موطن العلم: وإنه لتنزيل ربّ العالمين. نزل به الروح الأمين على قلبك؛ لتكون من المنذرين [ الشعراء: 192-194]، والفقة أكمل العلم: ذلك بأنهم آمنوا، ثم كفروا، فطبع على قلوبهم؛ فهو لا يفقهون [ المنافقون: 3]. - والقلب موطن الكسب والمسؤولية الجزائية: كلا، بل ران على قلوبهم ماكانوا يكسبون[المطففين:14] ولكن يؤاخذكم بما كسب قلوبكم [ البقرة: 225]. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمّدت قلوبكم [ الأحزاب: 5]. إن السمع والبصر والفؤاد؛ كل أولئك كان عنه مسؤولاً [ الأسراء: 36] - والقلب موطن الايمان: ياأيها الرسول: لا يحزُنْك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا: آمنّا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم [ المائدة: 41]. إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وأولئك هم الكاذبون. من كفر بالله من بعد إيمانه - إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان - ولكن من شرح بالكفر صدراً؛ فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب أليم [ النحل: 106]. - والقلب موطن الكفر: قالوا: سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم[ البقرة: 93]. إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميّة؛ جميّة الجاهلية [ الفتح: 26]. - والقلب موطن النفاق: وليعلم الذين نافقوا – وقيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا – قالوا: لو نعلم قتالاً؛ لاتبعناكم، هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون [ آل عمران: 167]. (يحذر المنافقون أن تنـزّل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم)[التوبة:64]. هذا القلب الذي يحتوي على العقل والمسؤولية، وقد يكون موطن الايمان، أو موطن الكفر، أو موطن النفاق، أو العلم، أو الجهل... هو ذاته في جوف الانسان، وليس في أطرافه ولا في رأسه! ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه [ الأحزاب: 4]. بل موطنه المحدّد في صدر الانسان: فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46]. هذا القلب الشرعي التكليفي هو محلّ نظر الله تعالى؛ لأنه وحده الذي يعلم ما فيه من خير أو شر: يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [ غافر: 19]. أولئك الذين يعلم اللّه ما في قلوبهم، فأعرض عنهم وعظهم [ النساء: 63]. والله يعلم ما في قلوبكم، وكان الله عليماً حليماً [ الأحزاب: 51] ياأيّها النبيّ: قل لمن في أيديكم من الأسرى: إن يعلم الله في قلوبكم خيراً؛ يؤتكم خيراً مما أُخذ منكم [الأنفال:70]. ولأهمية موقع القلب في كيان الانسان؛ رأيت من المناسب أن أتحدث عن مقاماته العالية، وأمراضه الكثيرة الطارئة باختصار شديد توطئة لبيان موقعه من عناية الله تعالى به، وبيان العلاج الناجح لأدوائه ! أولاً: في مقامات الانتفاع والترقّي: إن قلب المؤمن يفيد من مواطن الاعتبار وينتفع بها ( ) ويدّكر بما في القرآن من مواطن الاّدكار ( ) ويتدبّر آياته ويتفكرّ بما تحويه من علم وتوجيه وإرشاد ( ) ولا يملّ من الموعظة بل يستشرفها، ويعدّها ضالّته ( ) وإذا تلي عليه القرآن، أو ذكّر بالخير تذكُّرَ العلماء، أولي الألباب ( ) وقلب المؤمن منشرح للايمان والحق ( ) خاشع للّه تبارك وتعالى ( ) واثق بوعد الله تعالى وتغمره السكينة والطمأنينة بذكره ( ) وهو قلب رؤوف ( ) رحيم ( ) ليّن لذكر الله ( ) قابل للشفاء بالعلاج الربّاني وانتصار الحق على الباطل ( ) طيب سليم منيب ( ) يحب الطهارة ويقبل التطهير ( ) وهو إلى ذلك ذو بصيرة ورؤية ( ). ثانياً: أبرز أمراض القلب: إن من أمراض القلوب التقلّب، وفقدان التوازن والثبات ( ) والضيق المرافق للضلال والكفر ( ) وقد يضيق صدر المؤمن من نكران الكافرين، أو إرهابهم، فهذا ضيق غير مذموم ( ) ومن أمراض القلب القسوة ( ) واللهو ( ) والغفلة ( ) والغلّ ( ) والغيظ ( ) والكبر ( ) والنفاق ( ) والتنافر ( ) والرعب ( ) والارتياب ( ) والزيغ ( ) والغلظة ( ) والحسرة ( ) والاستغلاق والحجب ( ) والطبع والختم عليه بخاتم الهلاك ( ) وسوء الظنّ ( ). وهذه الأمراض كلها، بل بعضها مع الوفاة على غير الايمان، تقود القلب وصاحبه إلى عذاب النار ( ) فإذا كان القلب موطناً لكل ما سبق من مقامات الرقيّ والسموّ، ومعرّضاً لكل هذه البلايا والمهلكات، فما منهج القرآن الكريم في استقامته وصلاحه وطهارة ورقيّه!؟ للاجابة على هذا السؤال الكبير، أعوذ فأذكرّ بأن المقصود الأعظم من الذكر توليد حالة من الحضور القلبي واليقظة الدائمة، وشهود المقامات، فكلّ مامن شأنه أن يزيد في يقظة القلب ومراقبته وحضوره، وشهوده؛ فهو من الذكر المشروع، وبعض ذلك أقوى تأثيراً من بعض، وسوف أستعرض أبرز مذكّرات القلب ومبعداته عن الغفلة والنسيان والقسوة. - تدبّر القرآن الكريم: إن القرآن الكريم كتاب هداية إلى طريق الحق، وكل ما جاء فيه من علوم وغيب وقصص فإنما هو لتأكيد هذا القصد وتقوية برهانه. فإذا حدّثنا القرآن الكريم عن علم الكون، أو علم الجاذبية، أو علم التشريح، أو النفس البشرية، فإنما يحدّثنا لنهتدي، ويسوق بين يدي ذلك ما يسوق من علوم. ولا ريب أن الاعجاز البياني، وما يتركه القرآن الكريم من أثر نفسي لدى قارئه؛ كان هو المقصد الأوّل من تلاوة القرآن الكريم على غير المؤمنين به للهداية، وعلى المؤمنين لتطمئن قلوبهم، ويزدادوا هدى! وإنّ من يمسك القرآن الكريم، فيفتحه أنّى فتحه، فإنّ أوّل ما يطالعه فيه ذلك المروح القوي المكين وتلك الألفاظ القوّية العلوية التي تشير بوضوح إلى أن محمداً وغيره من البشر أمام قائلها خاضعون لمشيئته، منفذون لإرادته، مستسلمون لسلطانه، وهي يخاطبهم مخاطبة العليم الحكيم القهّار. أفلا يتدبّرون القرآن؟ ولو كان من عند غير اللّه؛ لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً [ النساء: 82]. أم يقولون: افتراه؟ قل: فاتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون [هود:13- 14]. وما كنت تتلو من قبله من كتاب، ولا تخطّه بيمينك؛ إذ لا رقاب المبطلون. بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون [العنكبوت: 48-49]. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم [ المائدة: 15-16]. وسوف أستعرض بعض الآيات القرآنية محاولاً إبراز موضع التدبّر فيها بإيجاز شديد: - وحدة الفطرة البشرية وميلها العام إلى الدنيا، وانبهارها بزخرفها. قال الله تعالى: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة؛ لجعلنا لمن يكفر بالرحمن؛ لبيوتهم سقفا من فضة، ومعارج عليها يظهرون. ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون. وزخرفاً. وإن كل ذلك لمّا متاع الحياة الدنيا، والآخرة عند ربك للمتقين [ الزخرف: 33-35]. الناس هم الناس أكثرهم يميل مع الدنيا، ويعتقد المفضل فيمن وُسّع عليه الرزق؛ لأنه منسجم مع طبيعته بحب النعم والرفاه، ولولا أن يكون هذا سبب فتنة للناس يقودهم إلى الكفر؛ لصبّ على الكافرين زينة الحياة الدنيا لهوانها على الله تعالى.. والآخرة عند ربك للمتقين. - خلق الانسان في ظلمات: خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، ونزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج، يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث، ذلكم الله ربكم له الملك [ الزمر: 6]. إن علماء الاسلام إلى عهد قريب جداً، كانوا يفسّرون الظلمات بأنها ظلمة البطن والرحم والمشيمة ( ) لكن العلم الحديث اكتشف أن الأغشية الثلاثة: هي أغشية رقيقة لا ترى بالعين المجردة تحيط بالجنين فتقيه من التأثّر بما يحيط به جسدياً ونفسياً، وسمّوها: الغشاء اللفائفي والغشاء المنباري، وغشاء الحوربون. -القرآن الكريم والضغط الجوّي: من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام، ومن يرد أن يضلّه؛ يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنما يصّعد في السماء [ الأنعام: 125]. كان علماؤنا إلى عهد قريب يفسّرون: كأنما يصّعد في السماء أنّه يتكلّف الصعود فلا يستطيعه وذلك يتعبه ويضيّق صدره ( ) بينما تشير الآية إلى نظرية علمية أثبتت أن الأماكن المرتفعة تقلّ فيها نسبة الأوكسجين، فيحتاج الانسان إلى أن يتنفس أكثر، ليحصل على نسبة من الأوكسجين كافية لتنفسّه، وهذا يؤدي إلى ضيق في صدره. - المرأة والرجل في القرآن: يقول الطبيب المسلم الباحث الدكتور السيد محمد علي البار السقّاف: إن الاختلاف بين الرجل والمرأة لا يقتصر على الشكل الظاهري، وإنما هو اختلاف على مستوى الخلايا،وعلى مستوى النطفة، وعلى مستوى الأنسجة، بل إن الاختلاف بينهما حتى على المستوى العقلي والفكري والوظيفي، والله تعالى قال في كتابه الكريم وليس الذكر كالأنثى [ آل عمران: 36]. وقال عزّ وجلّ: وللرجل عليهن درجة [ البقرة: 228] وشرح في كتابه " عمل المرأة " تلك الفوارق الأصيلة في كيان كلّ منهما، والتي تتناسب مع وظيفته في الحياة. ( ) - علم الفلك في القرآن الكريم: قدمت الكلام على أن القرآن كتاب هداية، وجميع الآيات التي حملت شيئاً من العلم الكوني، وغير الكوني إنما سيقت ليكون القرآن الكريم حاملاً حقيقة مصدره الربّاني بنفسه، ومدلّلاً على صدق حامله المطلق صلى الله عليه وآله وسلم. ذكر المستشرق الفرنسي " موريس بوكاي" خمس نقاط مقارنة بين العلم الحديث والقرآن الكريم حيال خلق الكون، ووصل في نهايتها إلى (أن معطيات العلم في تكوين العالم، إذا لم تؤيّد جميع المسائل المطروحة من القرآن الكريم في هذا الموضوع، فإنه على كل حال، لا يوجد أقلّ تعارض بينها وبين المعطيات القرآنية في ذلك! وإن هذه الحقيقة تستحق أن تسجّل لصالح الوحي القرآني، في الوقت الذي ظهر بوضوح أن نصّ التوراة الذي هو بين أيدينا اليوم قد جاءنا في هذه الوقائع بتحقيقات غير مقبولة من وجهة النظر العلمية... وإنه لمن الأهمية بمكان تسجيل الاختلافات بين خبر التوراة والمعطيات القرآنية عن الخلق، وبخاصة تجاه الاتهامات التي لا مبرر لها، والتي لم يُقصَّر في توجيهها إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم منذ بدايات الاسلام بأنه نقل الأخبار التوراتية، مع أنها ليس لها أي مستند فيما يتعلق بموضوع الخلق. فكيف يمكن لرجل مضى على ظهوره أربعة عشر قرناً أن يصحّح الخبر في هذه النقطة بالذات - يعني موضوع خلق الكون - وهي جزء من مجموعة أخطاء من وجهة النظر العلمية، ويبدلها من عندياته بمعطيات أظهر العلم نهائياً صحتها في هذا العصر؟ إن مثل هذا الافتراض غير ممكن، لأن القرآن قد أعطى عن الخلق خبراً يختلف كلَّ الاختلاف عمّا أعطته التوراة) ( ). وقال: (والوحي القرآني، ليس فقط خالياً من التناقض في النصوص الذي هو ظاهرة كتابات الناس المختلفين في الأناجيل، بل إنه يبرز للذي يمارس اختباره وتحليله بموضوعية كاملة في ضوء العلم؛ ذاتيته الخاصة به، وهي الاتفاق التام مع النظريات العلمية الحديثة، ويكشف كما سبق حقائق من النوع العلمي تجعل من المستحيل على رجل في عصر محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتبه) ( ) وليس التدبّر القرآني قاصراً على خلق الكون، وخلق الانسان، وخلق الحيوان، بل التدبرّ شامل لكل صغيرة وكبيرة جاء بها القرآن الكريم في جوانب إعجازه: البياني والنفسي والعلمي والتشريعي والأخلاقي. - العلوم بالمعنى الأشمل: تقدم تذكيري بأن العلم موطنه القلب، والقلب موطن لكل علم، حتى لو كان هذا المعلوم جهلاً ! بيد أنّ العلم الذي يندرج تحت المنهج القرآني في ذكر الله تعالى؛ علم من نوع خاص: - العلم يقود إلى الخشية: ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماءً، فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها، ومن الجبال جُدَدٌ بيض وحُمْرٌ مختلفٌ ألوانها، وغرابيب سود. ومن الناس والدوابّ والأنعام مختلفٌ ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء، إنّ الله غفور رحيم [ فاطر: 28]. - العلم والتقوى: إن العلم المحرّر يقود إلى التقوى، وإن التقوى سبيل التعليم الإلهي المباشر، فمن طلب العلم صادقاً؛ سهّل الله له سبل تحصيله، والافادةِ منه. وكذلك نصرّف الآيات، وليقولوا: درست، ولنبيّنه لقوم يعلمون [ الأنعام: 105]. ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي، ولكن: كونوا ربّانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون [ آل عمران: 79]. وأشهدوا إذا تبايعتم، ولا يضارّ كاتب ولا شهيد، وإن تفعلوا؛ فإنه فسوق بكم، واتقوا الله ويعلمكم الله، والله بكل شيء عليم [ البقرة: 282]. - العلم هو الذي يقوّي البرهان ويوضّح الدليل: بل هو آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم [ العنكبوت: 49]. والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة لعلكم تشكرون [ النحل: 78]. - ذكر الله تعالى: لما كان النسيان، والغفلة، واللهو، والكسل مما يعتري القلوب، كان الذّكر هو القائدَ الأكبر إلى اليقظة الدائمة، والحضور، والشهود، وكلّما كثر الذكر؛ كان القلبُ أكثرَ صَحْواً وأعظم نجاحاً وفلاحاً وطمأنينة، قال الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً [ الأحزاب: 21]. ياأيها الذين آمنوا: اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً [ الأحزاب: 41]. والذاكرين الله كثيراً والذاكرات؛ أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً [ الأحزاب: 35]. وذكر الله تعالى يكون بالتأمل والتدبّر والتفكر في نعم الله وآلائه: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم اعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً [ آل عمران: 103]. واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض، تخافون أن يتخطفكم الناس، فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون [ الأنفال: 26]. لتستوا على ظهوره، ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا: سبحان الله سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون [ الزخرف: 13-14]. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً، وانتصروا من بعد ما ظلموا، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون [ الشعراء: 277]. إن الذكر الكثير، والتدبرّ العميق، والقيام بشكر النعم يقود إلى الطمأنينة والسكينة التي هي غاية ما يصبوا إليه الاسلام من قلب المؤمن: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته، زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلّون [ الأنفال: 2]. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب [ الرعد: 28]. الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني، تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهّم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء [ الزمر: 23]. هذه إلماحة يسيرة قاصرة عن عمل القلب في الذكر والتذكّر واليقظة والحضور ولا يتسع هذا البحث للاستقصاء، فعسى وعلّ، وخير الكلام؛ ما قلّ ودلّ. المعلم الثالث: عمـل اللّسـان: من المناسب أن أذكِّر بأنّ تقسيم المنهج إلى عمل الجوارح، وعمل القلب، وعمل اللسان؛ هو تقسيم تقريبيّ تعليميّ؛ لأنّ كلّ عمل صادر عن الانسان لا بدّ أن يصدر عنه بعد تفكير، وهذا التفكير عمل قلبيّ عقليّ. وقد يشترك اللسان مع القلب والجوارح في كثير ممّا عددناه من أعمال الجوارح؛ كالصلوات والأدعية، والدعوة إلى الله تعالى، فتصبح معالم المنهج الذي افترض أنّها ثلاث وحدات؛ وحدة واحدة تعمل في اتّجاه واحد؛ لتحقّق هدفاً واحداً، من وراء تحقيق العبوديّة الحالصة لله تعالى. وإذا كان عمل القلب؛ هو المعيار في صلاح الانسان، ودرجته عند خالقه؛ فإنّ أعمال اللسان الذاتيّة والخارجيّة الكثيرة، ذات أبعاد شتّى في قضيّة العبوديّة، ومسؤليّته عن دور الانسان في الدعوة إلى الله تعالى كبيرة وعظيمة؛ لذا كان يتعيّن علينا بيان أبرز أدواره المهمّة في المنهج القرآني لذكر الله تعالى! - اللسان وتحديد هويّة المسلم: من المعلوم لدى طلبة العلم أنّ الانسان لا يعدّ مسلماً مؤمناً، حتّى ينطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. المطلب الثاني توجيهات المخاطبين بالذِّكْر في القرآن الكريم وقد تضمّن هذا المطلب ثلاثة فروع،رأيت تتبع منهج القرآن الكريم فيها بطريق الترقّي من أدنى إلى الأعلى فكان الفرع الأوّل: عن الأذكار التي خوطب بها المؤمنون، وشمول هذه الأذكار وتنوعها، واشتراكها بين جميع طبقات العابدين الذاكرين ومنهم الرسل أنفسهم والملائكة فمن دونهم، وكان الفرع الثاني: الأذكار التي قام بها الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وكان الفرع الثالث: الأذكار التي قام بها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وحده. الفرع الأول:الأذكار التي خوطب بها المؤمنون، وصدرت عنهم عندما يخاطب السيّد عبده خطاباً رفيقاً؛ يحسّ العبد بمنزلته عند سيّده، واهتمامه به. والمخلوقات كلّها عباد الله تعالى: الملائكة والرسل والأنبياء فمن دونهم إنْ كلُّ من في السموات والأرض، إلاّ آتي الرحمن عبداً. لقد أحصاهم وعدّهم عدّاً [مريم:92-93]. وقد خاطب الله تعالى عباده المؤمنين بأخصّ خصائصهم، وهي العبوديّة، فقال لهم: يا عبادي الذين آمنوا: إن أرضي واسعةً فإياي فاعبدون[العنكبوت:56]. قل يا عبادي:الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ وأرض الله واسعةٌ انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر:10]. قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم:لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً انه هو الغفور الرحيم [الزمر:53]. يا عباد: لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون [الزخرف:68]. وخاطبهم باسم الناس جميعاً، باعتبارهم عنده أكرم النّاس، بل لا يقارن بهم أحد ولا يساويهم إنسان أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً؟ لا يستوون. فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فلهم جنّات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون. وأمّا الذين فسقوا؛ فمأواهم النار [السجدة:18-20].وسوف أختار بعض الآيات التي خاطب الله تعالى بها عباده بصفة: يا أيّها النّاس ممّا له صلة بموضوعنا، قال الله تعالى: ياأيها النّاس: اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [البقرة:21]. ياأيها النّاس: اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ان الله كان عليكم رقيباً [النساء:1]. ياأيها النّاس:قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً [النساء:174] ياأيها النّاس:قد جاءتكم موعظة من ربّكم وشفاء لما في الصّدور وهدى ورحمة للمؤمنين.قل: بفضل الله وبرحمته؛ فبذلك فليفرحوا، هو خير ممّا يجمعون [يونس:57-58 ] ياأيها النّاس: اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم [الحج:1]. ياأيها النّاس: اتقوا رّبكم، واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، ان وعد الله حق فلا تغرنّكم الحياة الدنيا ولايغرنّكم بالله الغرور [لقمان:33]. ياأيها النّاس: اذكروا نعمةَ الله عليكم، هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض، لا إله إلاّ هو، فأنّى تؤفكون [فاطر:3]. ياأيها النّاس: أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد [فاطر:15]. ياأيها النّاس: إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات:13]. ثمّ خاطبهم خطاباً رفيفاً رفيقاً حبيباً يلامس مشاعرهم، ويرفع من معنويّاتهم، ويُشْعرهم بعظيم منـزلتهم عند ربّهم، إذا هم أصغوا إلى ذلك النداء الحبيب: ياأيها الذين آمنوا وألسنة أحوالهم تقول: سمعاً وطاعةً ياربّ وحبّاً، مُرْنا بما شئت، وأمدّنا بمدد منك؛ فإنّك أرحم بنا من أنفسنا، لبيك لبيك! لبيك وسعديك!! وسوف أستعرض بعضَ الآيات ذات الصّلة بمنهج الذِّكر، تاركاً التطويل إلى بحث مستوعب، إن قدّر الله! لقد أمر الله عباده الذين آمنوا بالتقوى سبع مرّات، يحسن إيراد جميعها لأنّ التقوى ملاك الأمر كلّه وإذا أمعن المؤمن النظر فيما قرنت معه من الاعتصام بحبل الله تعالى، والجهاد في سبيل الله، والكينونة مع الصادقين، والابتعاد عن الرّبا،واللّواذ بالوسيلةإليه، والاجتهاد للوفاة على الايمان؛ علم مبلغ رحمة الله تعالى بخلقه، ورأفته بهم، وحلمه عليهم! قال عزّ من قائل: ياأيها الذين آمنوا: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [آل عمران:102-103]. ياأيها الذين آمنوا: اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة، وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون [المائدة:35]. ياأيها الذين آمنوا: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة:119]. ياأيها الذين آمنوا: اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم. [الاحزاب:70]. ياأيها الذين آمنوا: اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم [الحديد:28]. ياأيها الذين آمنوا: اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغدٍ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون.ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك هم الفاسقون [الحشر:18-19]. ياأيها الذين آمنوا: اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين [البقرة:278]. ياأيها الذين آمنوا: إنْ تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم، والله ذو الفضل العظيم [الانفال:29]. ياأيها الذين آمنوا: اصبروا وصابروا ورابطو واتقو الله لعلكم تفلحون [آل عمران:200]. ياأيها الذين آمنوا: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه وانه اليه تحشرون[الانفال:24]. ياأيها الذين آمنوا: اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون [الانفال:45]. ياأيها الذين آمنوا: اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخيرلعلكم تفلحون [الحج:77]. ياأيها الذين آمنوا: اذكروا الله ذكرا كثيراً. وسبحوه بكرة وأصيلاً [الاحزاب:41-42]. إن الله وملائكته يصلون على النبي، ياأيها الذين آمنوا: صلوا عليه وسلموا تسليما [الاحزاب:56]. ياأيها الذين آمنوا: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم [الجمعة:9]. ولو أن باحثاً جمع الآيات التي خاطب الله تعالى بها عباده خطاباً مباشراً (ياأيها الذين آمنوا) ودرسها دراسة بيانية، ثم درسها دراسة موضوعية؛ لخرج بنتائج طيبة تفيده وتفيد السالكين الى الله تعالى إفادة كبرى، والله تعالى أعلم. أقول: إنّ الاطّلاع على تفسير هذه الآيات في أقرب مصدر تفسير شارح، يوقف السالك إلى الله تعالى على ثروة ضخمة من التوجيهات الربانيّة الحكيمة، ويغني عن التطويل الذي يخرج بهذا البحث عن هدفه الأساس. الفرع الثاني:أذكار الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم إن اختيار أفراد من الأمم ليكونوا أنبياء ورسلَ الله إلى أقوامهم، يبلّغونهم رسالات ربّهم ويعرّفونهم سبل سعادتهم في الدنيا، ونجاتهم في الآخرة مردّه إلى اختيار اللّه تعالى لهم، دونما كسب منهم أو توقّع أو ترقّب. قال الله عزّ وجلّ: الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس [ الحج: 75] وقال تبارك وتعالى: قل: الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى [ النمل: 59]. وقال: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصةٍ؛ ذكرى الدار، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [ ص: 45-47] وكذلك سائر النبيين والمرسلين ( ). وقد فضل الله تعالى الأنبياء والرسل على سائر العالمين، فقال عزّ وجلّ: وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاًّ فضلنا على العالمين [ الأنعام: 86] وفضّل الله بعض النبيين على بعض في قوله الكريم: ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض، وآتينا داود زبوراً [ الاسراء: 55] وفضل بعض الرسل على بعض، وفاوت بين درجاتهم في قوله الكريم: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم الله، ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس [ البقرة: 253]. وخصّ أولي العزم منهم بخصوصّيات، وزاد عليهم في التكاليف والتبعات. قال الله تعالى: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم [ الأحقاف: 35]. وقال عزّ من قائل: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً[الأحزاب:7] ورسل الله الذين ذكر القرآن الكريم أسماءهم هم الرسل الكبار العظماء، ومن لم يقصّ علينا القرآن أسماءهم هم الأكثر عدداً. قال الله تعالى: ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك، منهم من قصصنا عليك، ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله [ غافر: 78]. وقال تقدّست ذاته: إنّا أوحينا إليك، كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً. ورسلاً قد قصصناهم عليك ورسلاً لم نقصصهم عليك، وكلّم الله موسى تكليماً. رسلاً مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجّةٌ بعد الرسل، وكان الله عزيزاً حكيماً [ النساء: 163-165]. وقد اقتضى عدل الله تعالى ورحمته بعبادته أن أرسل إلى كل أمة رسولاً. قال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً: أن اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت [ النحل: 36]. وقال تبارك اسمه: وإنْ من أمّة إلا خلا فيها نذير [ فاطر: 24] ذلك أن الرسول هو الذي يدلّ الناسَ على الله تبارك وتعالى، وبعد إرسال الرسول إلى الأمم والقرى الآهلة، ينقسم الناس إلى متّبع للرسول، ومكذّب له، فمن آمن بالرسول؛ سلم من عقاب الله تعالى، ومن كذّب به أخذه العذاب الدنيوي؛ ليوصله إلى العذاب المقيم يوم القيامة. قال الله تعالى ولو شئنا؛ لبعثنا في كل قرية نذيراً، فلا تطع الكافرين [ الفرقان: 51 -52] وقال عزّ وجلّ: وما أهلكنا من قرية؛ إلا لها منذرون [ الشعراء: 208] وقال تبارك وتقدّس: وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولاً [ الإسراء: 15] وقال: وما كان ربك مهلك القرى؛ حتى يبعث في أمّها رسولاً [ القصص: 59]. وهؤلاء الرسل المصطفون المجتبون لهم صفات سامية أهّلتهُم، أو أهّلهم الله تعالى بها ليستحقوا النبوة الشريفة من الاخلاص ( ) والأمانة ( ) والصدق ( ) والعلم ( ) والذكورة ( ) ومع هذه الصفات السامية إلا أنهم يملكونها في إطار بشريتهم، فهم بشر مثل سائر البشر( ).وكلفهم تبليغ الرسالات التي أنيطت بهم ( ) لإقامة الحجة على الناس ( ) على عبوديتهم المطلقة لله عزّ وجل( ) .وقد عرف أنبياء الله تعالى حقوق الله تعالى، وحقيقة عبوديتهم، فأذعنوا لربهم وأخبتوا، وتفانوا في ذلك، حتى بلّغهم الله مقامات الصالحين عنده ( ).وقد منّ الله عليهم بالهداية ( ) والمغفرة ( ) والنجاة ( ). أقول: إذا كان أنبياء الله تعالى المقربون، ورسله المكرمون عبيداً للّه تعالى يسألونه الهداية والمغفرة، والنجاة فما حال أتباعهم من البشر، إلاّ طاعتهم واتّباعهم في عبوديتهم للّه ربّ العالمين؟ قال الله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله [ النساء: 64] ( ). وقال عزّ وجلّ: فمن تبع هداي؛ فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون [ البقرة: 38] وهدى الله تعالى هو الذي جاء به رسله الكرام صلوات الله وسلامه عليهم. ( ) ومن المستحسن أن أسجل ههنا ألواناً من أذكار الأنبياء مرتبطة بأسبابها الموضوعية للتأكيد على بشرية الأنبياء من جهة، وخضوعهم للضعف البشري أحياناً وشمولهم بعفو الله وسعة رحمته بعد اعتذارهم واستغفارهم: - آدم عليه السلام: لقد كرّم الله تعالى آدمَ وأسكنه جنته، وأباح له كل مُتَعِها وخيراتها، وعهد إليه أن يبتعد عن شجرة واحدة سمّاها له من شجرها، وحذره وسوسة الشيطان وبين له خبثه وإلحاحه لإضلاله وتنكيد عيشه. قال الله تعالى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً [ طه: 115]. وقال تعالى: فقلنا ياآدم: إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى [ طه: 117]. ولكن: وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه، فتاب عليه وهدى [ طه: 121-122] وسبيل توبته عليه أن علّمه كلمات يقولها مؤمناً بها مذعنا لدلالاتها. قال تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم [ البقرة: 37] وكانت تلك الكلمات الندية إقراراً وتوسلاً واستغفاراً وتوبة جديرة أن تكون نجوى السالكين المذنبين المخبتين من بني آدم:ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23] - نوح عليه السلام: لبث نوح يدعو قومه إلى الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاماً فلم يستجِب له منهم إلا القليل.ومن شديد حزنه وأسفه أن تكون زوجته وولده في طليعة المكذبين. وحان الوقت الموعود وركب في السفينة، والماء يعلو وعاطفة الأبوة تشده إلى ولده فيناديه: يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء. قال لا عاصم اليوم من أمر الله، إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين [ هود: 42 -43] ومات ابن نوح وانتهت حياته على الأرض ولكن نوحاً يريد له النجاة بشفاعته يوم القيامة بعد خسرانه الدنيا فماذا فعل؟ ونادى نوح ربه فقال: ربّ، إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين. قال: يانوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني؛ أكن من الخاسرين [ هود: 45-47]. فالمسألة فاصلة فلا شفاعة لأحد إلا بإذن الله ولا يأذن الله بشفاعة المؤمنين للكافرين. - إبراهيم عليه السلام: إن إبراهيم كان أمّة قانتاً لله حنيفاً، ولم يك من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم [ النحل: 120-121].ومع هذا المقام العالي لإبراهيم فإننا نجده يناجي الله بدعوات صادقة، معبرّة عن الافتقار إلى الله تعالى:وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً [ مريم: 48]. ربّ: اجعل هذا البلد آمناً، واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام [ إبراهيم: 35]. ربّ: هب حكماً وألحقني بالصحالين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لأبي إنه كان من الضالّين، ولا تحزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم [ الشعراء: 83-89]. وما كان استغفار إبراهيم لأبيه، إلا عن موعدة وعدها إيّاه، فلما تبينّ أنه عدوّ للّه تبرّأ منه [ التوبة: 114]. ربنا: تقبل منّا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلَمْين لك، ومن ذرّيتنا أمة ملمة لك، وأرنا مناسكنا وتب علينا، إنك أنت التوّاب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم؛ إنك أنت العزيز الحكيم [ البقرة: 128 –129]. ربنا: إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء. الحمد للّه الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربيّ لسميع الدعاء. ربّ اجعلني مقيم الصلاة ومن ذرّيتي، ربنا وتقبل دعاء. ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب [ إبراهيم: 38-41]. - أيوب عليه السلام: كان أيوب عليه السلام من أنبياء الله المكرمين وقد ابتلاه الله تعالى في بدنه وأهله فصبر ثم صبر حتى أبدل الله سقمه عافية وأصلح له أهله وكان مما يناجي به الله تعالى ويدعوه ما حكاه القرآن الكريم عنه:وأيوب إذ نادى ربه: أني مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين [ الأنبياء: 83-84]. واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه: أني مسّني الشيطان بنصب وعذاب. اركُض برجلك؛ هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب. وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابراً نِعم العبد إنه أواب [ ص: 41-44] فالصبر ومناجاة الله والضراعة والأوبة بالتوبة والاستغفار وحسن الثقة في الله ذكرى للعابدين أولي الألباب. - يونس عليه السلام: ويونس هو نفسه ذو النون ضجر من تعنت قومه وصلفهم في ذلك الزمان فتركهم ضجراً حزيناً وخرج مغاضباً طامعاً برحمة الله آملاً أن يهيئ الله له خيراً من قومه. فأراد أن يعلمه الله ضرورة الصبر فألهمه أن يركب إحدى السفن التي قادته بدورها إلى فم حوت كبير ابتلعه وبقي في بطنه حياً فعلم أن هذا الحال شر مما كان يعانيه من قومه فنادى في الظلمات أن: لا إله إلا أنت سبحانك إنني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين [ الأنبياء: 87-88] ( ).وبقي دعاء ذي النون أُنموذجاً عالياً من نماذج الإفتقار الى الله تعالى، والدعاء به مظِـنّةُ الاجابة. هذه نماذج من أذكار النبيين التي خلّدها القرآن الكريم، نماذج تحتذى في ذكر الله تعالى وسوف أقتصر على هذا القدر؛ لأتفرّغ إلى تصوير أعمال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه العبد الأكرم، والعابد الأعظم لله رب العالمين. الفرع الثالث:الأذكار التي خوطب به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إنّ النبي أعظم الموقّعين عن الله تعالى، وإنّ الآيات الموجّهة والمرشدة لشخصه الكريم كثيرة جدّاً، وهذا بحدّ ذاته دليل ظاهر على عناية ربّه تعالى به، وتفقّده إيّاه بالتعليم والتزكية والارتقاء، وسوف أتناول هذا الفرع في مسائل عديدة تسهيلاً للبحث، وتقسيماً لفقراته: المسألة الأولى: بعض الآيات القرآنية الموجّهة إلى الذِّكر. قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم إنّا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلاً، فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً ومن الليل فاسجد له وسبّحه ليلاً طويلاً [الدهر: 23-26]. وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، واذكر ربّك في نفسك تضرعاً، وخفية، ودون الجهر من القول بالغدّو والآصال، ولا تكن من الغافلين [الأعراف 204-205]. ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً، إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت، وقل: عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً [الكهف 23-24]. (صدق الله العظيم) ولذكر الله أكبر. إطلالة على توجيهات هذه الآيات الكريمة: يخاطب الله تعالى حبيبه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه مؤكداً له أنه نزّل عليه القرآن الكريم المنهاج الأمثل، والشرعة العظمى التي ارتضاها لهذه البشرية إلى يوم القيامة وهذا يعني القضاء على كل المناهج المخالفة، والمناهضة، وهذا بدوره يستدعي صراعاً وخصاماً شديدين وعلى المحبوب المصطفى أن يصبر لحكم الله تعالى، وأن يمتثل لأوامره وحده، ولا يطيع في قليل أو كثير أحداً من الطواغيت المعاندين الآثمين الكفرة وليستعن على الصبر والمناهضة بذكر الله تعالى المستمر الدائم من بكرة النهار إلى عشية الليل ومن عشية الليل إلى بكرة النهار، وليستعن على ذلك بصلاة الليل فأن طول السجود فيها يصفّي الروح، ويُسعد القلب، ويزيد من لذة المناجاة والقرب وحين يحس المرء بذلك، ويتذوق حلاوة الايمان يستسهل الصعاب، ويهون أمام ناظريه كل عتل أثيم كذّاب. وقراءة القرآن الكريم عبادة عظيمة، ولعلّ ممّا هو أنفع، أن يقوم السالك إلى الله تعالى باستماع القرآن الكريم من مقرئ متقن صالح من أمثال الشيخ محمد صديق المنشاوي رحمه الله تعالى، وليتأمل حلاوة الأداء وأثر القرآن في رقي الايمان وزيادة اليقين، وليتفكر في دلالات الآيات المقروءة بإنصات وإصغاء بالغين حتى يحسّ بالسكينة والرحمة التي تنـزل عند تلاوة القرآن الكريم.ثم إن ذكر الله تعالى مع الضراعة هو الذي يشفي القلب من أمراضه، ويطهر الصدر من وساوسه مع الخوف الشديد من عدم القبول. أجل: إنّ الضراعة هي الظهور بين يدي الله تعالى بالضعف والافتقار، والذل والانكسار وتضرّع الذاكر إظهار ضراعته، لا إخفاؤها ! لكن دون عجيج وضجيج وصراخ وعواء وقد ورد عن الصدر الأول من الصحابة الكرام أنهم إذا ذكروا الله تعالى سمع لصدورهم أزيز كأزيز المرجل (القدر التي تغلي على النار). فذكر الله تعالى فردياً وجماعياً مع إظهار الذلة والافتقار والضعف والانكسار قد طولب به سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، لكن دون الجهر من القول ! والجهر: هو الافراط في رفع الصوت. نعم قد يضعف حال بعض المريدين، فيرفع صوته، أو يصرخ، أو يبكي، أو يهذي فهذا حال ضعف وليس حال كمال - كما يظن بعض السذّج من السالكين - وهو لا يعني أكثر من ضعف القلب البشري عن احتمال الأنوار الواردة عليه، والشيوخ الكمّل، والربانيون الكبار، لا يصرخون، ولا يهذون، ولا يُغْمى عليهم. فليفهم هذا. والمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بشر في جبلته، وتكوينه الجسماني، فقد يكون في لحظة أنس بالله تعالى، أو لحظة تدبرّ، فيخاطبه بعض من لا يحسّ بحاله، فيردّ عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعده بشيء للمستقبل، وينسى أمام التدبر والتأمل، أو لذة الأنس والقرب قول (إن شاء الله) فيأتيه العتاب الحبيب من الربّ المحبوب، بأن زيادة الذكر تذهب أثر النسيان لما هو الأليق بالكمال النبوي وكلما رقى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مرتبة من مراتب الكمال، كلما دعا الله تعالى: عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً. ورقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستمر أبدأ في حياته، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، لأن أمته بعد انتقاله الشريف أكثر منها في حياته، وكل أعمال المسلمين الصالحة في صحائف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه داعيهم إلى الهدى والرضوان، وبالتالي فهو في رقي مستمر إلى يوم القيامة. هذا بالنسبة إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، أما بالنسبة إلينا نحن السالكين الفقراء الضعفاء المذنبين، فيجب أن نتَّهم قلوبنا وإخلاصنا وطاعاتنا، وأن يكون لنا من الذكر الفردي الخفي الأوراد الكثيرة وكلما أحسسنا بشيء من حلاوة الذكر، ونور البصيرة كلما كان الواجب علينا زيادة الطاعات والاذكار والخوف من الاستدراج، والفتنة، وعدم القبول. المسألة الثانية: كلمة التوحيد التي لا نجاة إلا بها (لا إله إلا الله). قال الله عزّ وجلّ: فاعلم أنه لا إله إلا الله، واستغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلَّـبكم، ومثواكم [محمد: 19]. لقد جاءكم رسول من انفسكم، عزيز عليه ماعنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تولوا فقل: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم [ التوبة: 129]. قل: ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله، ورسوله النبي الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون [الاعراف: 158]. كذلك أرسلناك في أمة، قد خلت من قبلها أمم، لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل: هو ربي لا إله إلا هو، عليه توكلت، وإليه متاب.[الرعد:30] هذه الآيات الأربع التي أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيها أن يقول لا إله إلاالله.فما سرّ ذلك؟ - إن أمر الله تعالى حبيبه المصطفى بقوله (فاعلم) مخيف، لأن كلمة (اعلم) تدل على أن المطلوب من المخاطب أن يعلم مالا يعلمه، أو يزداد به علماً، أو يذكره به، أو يطالبه باليقين ومن المعلوم أن صيغة (اعلم) تعني أحياناً تعلم. وبكل الاعتبارات لابد من تبين مراد الله تعالى من ذلك الأمر، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إني لأعلمكم بالله عزّ وجلّ، وأخشاكم له) (مسند أحمد:6/122) أقول: إن العلم يعني: (إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: - أحدهما: إدراك ذات الشيء. - والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه، والعلم ضربان: نظري وعملي: - أما النظري فإذا علم كمل، نحو العلم بموجودات العالم. - والعملي لا يتم الا بأن يعمل، كالعمل بالعبادات ). قاله الراغب. ولا ريب أن العلم بلا إله إلا الله علم نظري عملي، وكلما ازداد الانسان معرفة نظرية بالأدلة البرهانية على ذلك كلما رسخ الايمان في القلب، وكلما رقى هذا الايمان كلما قاد صاحبه إلى مزيد من الاخبات والعبودية والاخلاص وكلما ازداد المرء عبّاً من كؤوس العبودية العليا؛ كلما ازداد شوقاً إلى المعبود، وحبّاً له ومعرفة به بلا تناهٍ.. وعلى هذا يحمل قوله تبارك تعالى (فاعلم)، لأن علم ذلك أساس دعوة الاسلام كلها. ولو تساءل المرء السالك: ما الذنب الذي يطالب الله تعالى نبيه المصطفى المحبوب صلى الله عليه وآله وسلم بالاستغفار منه؟ الجواب على هذا يأتي في فقرة الاستغفار، بيد أن الذي نقوله ههنا: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. - قوله تعالى فإن تولوا، فقل: حسبي الله !... الآية. إن الآيتين مدنيتان على الصحيح الراجح، وسورة التوبة من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، فالخطاب إذن موجه إلى المؤمنين لقد جاءكم رسول من أنفسكم.ثم ينتقل الخطاب إلى المصطفى الموصوف بأنه رؤوف رحيم ليقول له:فإن تولوا، فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم فالمؤمنون ليسوا جميعاً على درجة واحدة من الايمان، والصحابة الكرام رضوان الله عليهم ليسوا على درجة واحدة من الفضل والعلم والامتثال، فبعضهم في ذلك أرقى من بعض والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يألم إذا لم تكن الاستجابة لله تعالى كاملة تامة لأنه حريص على المؤمنين أن ينالوا المراتب العالية، فإن هم رفضوا ذلك، أو ضَعُفوا عن إدراكه فحسبه الله الذي تنتهي إليه القوة والعظمة والملك وهو حسب من لاذ به، وحسب من والاه وكافيه. - قوله تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً.. الآية عقب عليها بكلمة التوحيد ( لا إله إلا الله) فكأنه يريد أن يقول لنبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: أنت رسول الله إلى الناس أجمعين، الله الذي له ملك السموات والأرض، وكل ما في السموات والأرض خلقه وصنعه، ومن كان شأنه كذلك فلا إله إلا هو، والآلهة المزعومة الأخرى عباد أمثالكم إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم. ويجب على البشرية جميعاً الاقتداء بالمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حتى تنال الهداية والسعادة. - قوله تعالى: لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك، وهم يكفرون بالرحمن الآية. أمر نبيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول بعد ذلك، وعندما يواجه بمثل هذا التعنت البشع: قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت، وإليه متاب. وكأن الحق عز وجل يريد أن يقول لمصطفاه: إن تكذيب من يكذّب من الناس بعد سماعهم الوحي العظيم الذي يستحيل أن يكون كلام بشر، سنة الكافرين في كل أمم الأرض السالفة وهذا يستدعي إنزال العقاب الشنيع، لكن قول المصطفى: (لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب يأخذ طابع شمول التوحيد المطلق لأن سيد الخلائق المطلق قاله فإذا قاله السيد المصطفى الأعظم، متوكلاً على الله، مظهراً توبته إليه في مثل هاتيك اللحظات، فكأنما تابت البشرية كلها - بل المخلوقات كلها - عن شركها وضلالها فيوقف الله تعالى عذاب الأمم، ويوقف وعيده بالاستئصال ليكون عبده المصطفى بحق (رحمة للعالمين). فالتهليل والتوحيد في الآيات الكريمة الأربع كلها، إنما كان في مقابل تكذيب البعض وإعراض البعض وغفلة بعض آخر.. وفي هذه المواطن يتأكد الاكثار من قول: لا إله إلا الله، وحسبي الله لا إله إلا هو، حتى يرحم الله الخلائق التي قد ينـزل عليها سخطه بسبب التكذيب والاعتراض والغفلة. - المسألة الثالثة: قراءة القرآن الكريم: من حق هذه المسألة أن تفرد بمبحث مستقل، لأن قراءة القرآن أعظم اتجاهات الذكر على الاطلاق، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (اقرأوا القرآن، فمن قرأه، فله بكل حرف يقرؤه عشر حسنات،لا أقول:ألم ) حرف. ولكن ألف حرف ولام حرف، وميم حرف) فهذه ثلاثون. قال الامام النووي – رحمه الله تعالى – في الأذكار: (اعلم أن تلاوة القرآن أفضل الاذكار، والمطلوب القراءة بالتدبر) (ص:187) وإنما كانت قراءة القرآن أعظم الأذكار، لأن القرآن العظيم كلام الله، وكلام الله تعالى أرفع الكلام وأحبه إلى الله. ولأنه لم يرد أن الذكر بحرف واحد يحصل للذاكر به عشر حسنات، سوى تلاوة القرآن. وكل الأوراد التي صحّت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس فيها ذكر الحسنات، دون أجر تلاوة القرآن الكريم، وأمر الله تعالى نبيّه المصطفى بتلاوة القرآن وقراءته جاء كثيراً في القرآن العظيم. 1- بسم الله الرحمن الرحيم. فإذا قرأت القرآن، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا، وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه، والذين هم به مشركون النحل (98-100). 2-وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً وإذا ذكرت ربك بالقرآن وحده، ولّوا على أدبارهم نفوراً الاسراء (45-46). 3- أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهوداً ومن الليل فتهجد به نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً الاسراء (78-79). 4- وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون، أو يحدث لهم ذكراً فتعالى الله الملك الحق، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل: ربّ زدني علماً طه (113-114). 5- ويوم يعض الظالم على يديه، يقول: ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً. ياويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً، لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للانسان خذولاً وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً، وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدداً من المجرمين، وكفى بربك هادياً، ونصيراً الفرقان (27-31). 6- إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها، وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أتلو القرآن، فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه، ومن ضلّ، فقل: إنما أنا من المنذرين. وقل: الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها، وما ربك بغافل عما تعملون [النمل 91-93]. 7- ياأيها المزمّل: قم الليل إلا قليلاً. نصفه أو انقص منه قليلاً، أو زاد عليه ورتل القرآن ترتيلاً. إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً [المزمل:1-5]. 8- وبالحق أنزلناه، وبالحق نزل، وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً. وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث، ونزلناه تنزيلاً. قل آمنوا به، أو لا تؤمنوا به إن الذين أوتوا العلم من قبله، إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجّداً، ويقولون: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً، ويخرّون للأذقان سجّداً يبكون، ويزيدهم خشوعاً[الاسراء:105-109]. 9- لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه، فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه [القيامة: 16-19] هذه المواضع التسع التي ورد فيها أمر الحق تعالى نبيّه بقراءة القرآن، وهي في جملتها أحكام وآداب تحتاج إلى بحث مفرد يخصّها، غير أن الذي أحبّ التأكيد عليه في هذا المبحث الوجيز النقاط الآتية: أ- إن قراءة القرآن سنّة متبعة علّمها الله تعالى نبيّه المصطفى، وعلّمها الحبيب المصطفى أصحابه الكرام. وهكذا تسلسلت القراءة منقولة بالمشافهة، حتى وصلت إلينا كما تشير إليه الآية ( ). ب- إن من حكم نزول القرآن الكريم منجماً نجوماً على مدى عشرين إلى ثلاث وعشرين سنة تمكين النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تعليم الصحابة الكرام تلاوة القرآن كما في الآية ( ). ج- من شأن القرآن الكريم أن يزيد الخشوع والخضوع، وذرف الدموع من جلال الله تعالى وجمال كلامه العظيم، وشدة تأثر النفس به كما في الآية ( ). د- يبدو لي أن القول الثقيل هو مسؤولية التكليف العليا، والعبودية الحقّة، ومن شأن ترتيل القرآن الكريم وتدبره أن يعين على ذلك (6-7). وهجران القرآن الكريم، أو قلة قراءته من شأنه أن يُبْعِدَ المقصِّرَ عن الهدى الحقيقي، والسمو الروحي، ونصرة الله تعالى له إياه في الكربات والضيق. هـ- يجب إتقان العربية على كل السالكين إلى الله تعالى (نحواً، وصرفاً، وبلاغة، ومعاني، وفقهاً) لأنه من لا يحسن ذلك، لا يتذوق القرآن ولا يتدبره، وبالتالي لا يرتقي، أو يضعف رقيّه. و- إن الشيطان يبغض قرّاء القرآن، وكيده لهم شديد، غير أن من استعاذ بالله من شره؛ أعاذه الله وجعله ينتفع بالقرآن الكريم، ويحفظه من الشيطان وتوضيح ذلك على النحو الآتي: تصور أن سالكاً يقرأ كل يوم جزءاً واحداً من القرآن الكريم، والجزء في حدود عشرين صفحة، وفي الصفحة خمسة عشر سطراً، وفي السطر عشر كلمات. فلو قدرنا الكلمة بثلاثة حروف، فهذا يعني أن في كل سطر ثلاثين حرفاً على الأقل تقدير وهذا يعني أن في الصفحة الواحدة زيادة على خمسمئة حرف فيكون حروف الجزء الواحد زيادة على عشرة آلاف حرف قطعاً. فلو سلمنا بأن القارئ المؤمن لا يؤجر، إلا الحسنة بعشر أمثالها فقط، فهذا يعني أن مئة ألف حسنة على أقل تقدير في قراءة جزء واحد من القرآن.. هذا في الحساب المادي العددي ( ) . أما في حساب (الاحسان) والقرب، فذاك شيء آخر لا يدركه إلا أهل الذوق القرآني ومن حصّل مئة ألف حسنة يكون قد أطاع الله تعالى، وسارع في الاخبات له والاذعان إليه، فيكون حفظ الله له عظيماً وتسديده إياه كبيراً قويماً، فلا يضره شياطين الانس ولا شياطين الجن باذن الله تعالى. ز- وإن قيام الليل بالقرآن العظيم من أعظم التكاليف مشقة على صفوة الانبياء محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. أعني المشقة المحسوسة أما التلذذ بهذا القيام، وأما الاستغراق في المناجاة وأما الغياب عن المادة الكونية حتى تتفطر قدماه الشريفتان من طول القيام، فتلك لذائذ القرب النورانية وإشراقات الروح العلوية في تملّي تجليات الله تعالى الحبيب، وهي قرّة عين رسول الله العظيم (وجعلت قرة عيني في الصلاة). ولمعرفة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بعظمة الذكر القرآني، وقوة أسراره فقد كان يؤكد على ضرورة (الورد القرآني الخاص) وتعاهده فقال في الحديث الصحيح: (من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل!!) مسلم. ولاحد لأقلّ القراءة ولا لأكثرها، ويختلف الموصى به باختلاف الاشخاص والاحوال والمقامات. فقد صح عن زيد بن ثابت أنه سئل: كيف ترى قراءة القرآن في سبع؟ قال زيد: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر، أو عشر أحبّ إلي، وسلني: لم ذاك؟ قال: فإني أسألك؟ قال زيد: لكي أتدبره وأقف عليه، الموطأ. الاساس 4/1622. وصح من حديث عبد الله بن عمرو – وكان من أعبد الناس رضي الله عنه – أن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم رخص له القراءة فيما بين شهر وثلاثة أيام، وفي رواية سبع. قال الشيخ سعيد حوى - رحمه الله تعالى -: (( إن قراءة القرآن في أقل من ثلاث جائزة، والقارئ مأجور عليها، وكان كثير من العباد يقرؤونه في ليلة فلم يفهموا من النهي المنع، وإنما فهموا منه الارشاد إلى الحد الذي يستطيع فيه الإنسان أن يجمع بين التلاوة والتدبرّ، وفهموا أنه إذا فاتهم أجر التدبر، فلا يفوتهم أجر التلاوة )) الأساس 4/1624. وقد ذكر الإمام النووي اختلاف مشارب عبّاد الأمة الافاضل في هذا الاتجاه، فذكر أن جماعة منهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة، ونقل أن فعل الاكثرين من السلف أنهم يختمون كل سبع. ثم تدرج في عادات العباد إلى أن قال: ( وختم جماعة في كل يوم وليلة ختمتين، وآخرون في كل يوم وليلة ثلاث ختمات وختم بعضهم ثمان ختمات أربعاً في الليل، وأربعاً في النهار. وممن ختم أربعاً في الليل وأربعاً في النهار السيد الجليل - أبو علي حسين ابن أحمد الصوفي المعروف بابن الكاتب (ت بعد 340هـ) رضي الله عنه، وهذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة… وكان مجاهد بن جبر التابعي الجليل يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء بل ان منصور بن زاذان التابعي العابد كان يختم القرآن ما بين الظهر والعصر ويختمه ما بين المغرب والعشاء، وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم، فمنهم عثمان بن عفان وتميم الداري رضي الله عنهما، وسعيد بن جبير رحمه الله تعالى.) (الأذكار ص 188). أقول: إن الحسابات الزمنية المادية لا تقبل مثل هذا الكلام قط، لأن أقلّ ما يقرأ به الجزء حدراً ربع ساعة إلى ثلث ساعة مع مراعاة الحد الأدنى من أحكام التجويد والوقوف. فلو سلمنا بأن هؤلاء كانوا متفرغين للعبادة مطلقاً، فإن الواحد منهم يحتاج إلى ثماني ساعات إلى عشر ساعات، فهل يقوى امرؤ على الوقوف عشر ساعات في ركعة واحدة و أين هذا الزمن من المدة فيما بين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء؟! ومثل هذا ما حدثني أحد العباد، من أنه في مرحلة الخلوة كان يهلل ( لا إله إلا الله) ويسبّح ( سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر) ويذكر اسم (الله) تعالى ويستغفر، ويصلّي على رسول الله عشرة آلاف مرة. وأظنه قال: مئة ألف مرة فهذا الكم الكريم الهائل من القرآن العظيم، والأوراد الجليلة، يصعب على العقل قبوله في إطار الأزمنة القليلة التي استغرقها الذاكر فيه، وليس لذلك عندي من تفسير سوى قوّة الروح، وانعتاقها، وقوة القلب باليقين، وتخطّي العقل والقلب واللسان حواجز المادة، والجوارح البشرية العادية إلى عالم التجريد، فيمرّ القرآن الكريم على صفحة القلب كالبرق الخاطف وينطلق من اللسان كالينبوع المتفجر مع استيعاب العقل وتملي الذهن. وكذلك الذكر والله أعلم. ويبدو لي أن المعرفة الصحيحة لذلك لا تتم إلا بالمقامات، فعندما يصل المرء إلى مثل هذه المقامات يتحقق من يسر ذلك وسهولته. المسألة الرابعة:الاسم المفرد (الله) تبارك وتعالى لست الآن في صدد الكلام على اسم الله الأعظم، فخلاف العلماء في ذلك مشهور وإنما كلامي على الذكر باسم الله المفرد (الله) من جهة مشروعية، وأثره في النفس ومخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بسم الله الرحمن الرحيم. ولله الأسماء الحسنى، فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون [الاعراف: 180] قل: ادع الله، أو ادع الرحمن، أياً ما ندعو، فله الأسماء الحسنى، ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً [الاسراء 110]. وإن تجهر بالقول، فإنه يعلم السرّ وأخفى. الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى [طه: 8] فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان. تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام [الرحمن 77-78]. أفرأيتم النار التي تورون، ءأنتم أنشأتم شجرتها، أم نحن المنشؤون، نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين. فسبح باسم ربك العظيم [الواقعة 71-74]. إن هذا لهو حق اليقين. فسبح باسم ربك العظيم [الواقعة 95-96]. وإنه لحق اليقين. فسبح باسم ربك العظيم [الحاقة 51-52]. إن لك في النهار سبحاً طويلاً. واذكر اسم ربك، وتبتل إليه تبتيلاً ربّ المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً [المزمل: 7-9]. فاصبر لحكم ربك، ولا تطع منهم آثماً او كفوراً، واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً [الانسان 24-26]. سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسّوى، والذي قدر فهدى [الأعلى 1-2]. قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى [الأعلى 15]. اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق [العلق 1-2]. ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [الحج 28]. قل أغير الله أبغي رباً، وهو رب كل شيء [الأنعام: 164]. قل: من ربّ السموات والأرض؟ قل الله [الرعد: 16]. أقول: إن ربّ السموات والأرض، ومن في السموات والأرض، هو الله، وهو رب العرش العظيم، وهو ربّ محمدّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ربّ الناس. إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيّام [يونس: 3]. إن الله ربي وربكم فاعبدوه. هذا صراط مستقيم [آل عمران: 51]. فلو سألنا الخلائق أجمعين: ما اسم ربّ السموات والأرض، ورب العرش العظيم، وربّ النبيين وربّ محمد؟ لكان الجواب قطعاً اسمه الله تعالى. حين يطالب الله تعالى نبيّه المصطفى بأن يذكر اسم ربّه، فما اسم ربّه. الجواب ( الله. الله) أجل (الله) ولله الأسماء الحسنى، فادعوه بها. قل ادع الله أو ادع الرحمن أياً ما تدعو، فله الأسماء الحسنى. فذكر اسم الله تعالى منصوص عليه في القرآن الكريم مفرداً. ونصوص القرآن قطعية الثبوت، وهذه النصوص قطعية الدلالة على المراد، وهي بيّنة واضحة لا تحتاج إلى مزيد بيان. أو بمعنى آخر: القطعي ليس بحاجة إلى ظنّي في ثبوته، ولا في دلالته. ومع هذا فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: ( لا تقوم الساعة، وعلى الأرض من يقول: الله. الله). وقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قال: (اذكر الله، حتى يقولوا:مجنون). فدعوى من يدّعي أن الذكر بالاسم المفرد (الله) بدعة، هو المبتدع المسكين، لأن كلمة التوحيد ( لا إله إلا الله) غاية النفي والاثبات القصوى فيها إثبات وحدانية الله تعالى وحده دون غيره من الآلهة المزعومة. ونحن لا نقول بأن (الذكر) باسم الله المفرد هو الصواب، وأن غيره خطأ، وإنما نقول: إن أهل الطريق يطالبون الذاكر بالتخلّي عن الشك والشبه والشرك بكلمة التوحيد ( لا إله إلا الله) حتى إذا أقر القلب والجوارح كلها بذلك انتقل الذكر إلى مرحلة تقرير الغاية المطلقة في الذهن والفكر والقلب والروح وهي (الله) تعالى وأهل الطريق يرون أن أقرب الطرق إلى الله تعالى كبح جماح النفس، والتذلل بين يدي الله تعالى، وأن ذكر اسم الله تعالى كثيراً من شأنه أن يصغّر نفس الذاكر عند نفسه وكلما صغرت نفسه لديه، وعظم الله تعالى عنده، كلما ارتقى في سلّم العبودية والصديقية والقرب. والذاكر سواء كان في ذكره (الله) تعالى حباً، أم داعياً، أم ذاكراً مطلقاً فإن الله تعالى مطلع على ما يريده عبده ولا يحتاج ذاكره أن يفصح عن مراده من ترداد اسم (الله) تعالى. المسألة الخامسة: الاستغفار والتوبة: قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم.حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول. لا إله إلا هو إليه المصير [غافر:1-3]. أنت وليّنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين [الأعراف: 155]. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه، والله غفور رحيم [المائدة:74]. ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى. وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى [طه: 81-82]. ثم إني أعلنت لهم، وأسررت لهم إسراراً، فقلت: استغفروا ربكم إنه كان غفاراً [نوح: 9-10]. فاصبر إن وعد الله حق، واستغفر لذنبك، وسبّح بحمد ربك بالعشي والابكار [غافر: 55]. فاعلم أنه لا إله إلا الله، واستغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات، والله يعلم متقلبكم ومثواكم [محمد: 19] إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. فسبح بحمد ربك واستغفره. إنه كان تواباً [ سورة النصر]. إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيماً واستغفر الله، إن الله كان غفوراً رحيماً [النساء 105-106]. فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب، لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله. إن الله يحب المتوكلين [آل عمران: 159]. ياأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصينك في معروف، فبايعهن، واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم [الممتحنة: 12]. ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً [النساء:64] أقول: إن الله تبارك وتعالى غافر الذنب، وهو خير الغافرين، وهو غفور رحيم، وغفار لمن تاب وأناب فكيف تتحقق أسماء الله الحسنى الثلاثة هذه، وكيف تتجلى آثارها؟ والجواب: بالاستغفار. والاستغفار طلب المغفرة! وقد أمر الله حبيبه المصطفى أن يستغفر لذنبه، وأن يستغفر للمؤمنين، وأن يستغفر للمؤمنات، لأن الله غفور رحيم. وقد خلق الله تعالى عباده - وهو أعلم بما خلق - ولديهم نوازع نحو الخطأ والقصور والذنب فقد أخرج الامام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم) (2749). وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ينـزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) الاذكار 183. وأخرج أبو داود والترمذي من حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه أنه سمع النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم يقل: (أقرب ما يكون الربّ من العبد، في جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تعالى في تلك الساعة، فكن) وقال الترمذي حسن صحيح (184). قلت: لقد عرضت حديث نزول الربّ تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، وشفعته بالحديث التالي لأدلل على أن المقصود من الحديثين الذاكر، لا المذكور، على النحو الآتي: 1- إن كلمة (أنزل) و (نزل) و (ينـزل) في عقول العوام من الناس لا تعني إلا الانتقال من علو إلى أسفل لكنها في مراد الله تعالى، ومراد رسوله المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، ومفهوم أهل العلم غير ذلك، بل أعم من ذلك وأشمل. ودليل ذلك ما يأتي: أفبعذابنا يستعجلون، فإذا نزل بساحتهم، فساء صباح المنذرين [الصافات: 76-177]. قال: قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب، أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزّل الله بها من سلطان، فانتظروا إني معكم من المنتظرين [الأعراف: 71]. ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنةً نعاساً يغشى طائفة منكم [ آل عمران:154]. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون، وظللنا عليكم الغمام، وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات مارزقناكم [البقرة:57]. يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً، ولباس التقوى. ذلك خير [الأعراف: 26]. وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس [الحديد:25]. أقول: هذه الآيات الكريمة وغيرها، تدل على أن مادة (نزل) تدل على غير الانتقال من أعلى إلى الأسفل؟ فعذاب الاستئصال والابادة، والوباء أسبابه أرضية، والسلطان هو الإذن وهذا لا ينـزل، وإنما يُشرع. والنعاس لا ينـزل من السماء، وإنما يوجد في الجملة العصبية للانسان، والمنّ أرزاق تخرج من باطن الأرض ومنها (الكمأة) والسلوى طائر معروف وهذا وذاك لا ينـزلان من السماء إلى الأرض، بل هما في الأرض أصلاً، واللباس يصنعه الناس بأيديهم، ولا ينـزل عليهم من السماء، وإنما هداهم الله وألهمهم سبل صنعه واستخدامه وهذا يعني أن نزول الربّ إلى السماء الدنيا يعني توجه إرادته ورحمته إلى جهة توجه الناس بدعائهم إليه، والله تعالى أعلم. هذه إلماحة عجلى ونماذج شتّى من جملة أذكار الموقّع الأعظم والعبد الأفخم والعابد الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أودعتها في هذه الوريقات تبصرة لنفسي وذكرى لأحبابي السالكين، والله من وراء القصد وهو الهادي الى سواء السبيل. خاتمة البحث الحمد لله في البدء والختام، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله سيدنا محمد خير الأنام، وعلى آله الطاهرين سحب الغمام، وصحابته الأكرمين بدور التمام.. وبعد: فقد أفرز هذا البحث الوجيز نتائج رأيت تسجيل أهم نقاطها فيما يأتي: 1-إنّ الانسان هو أشرف المخلوقات، وأكرمها على الله تعالى؛ لأنّ منه رسلَه أصحابَ الشرائع الالهيّة كلَّهُم؛ بصفتهم مربّين مطبّقين لمنهج الله تعالى في رسالاته المنـزلة، بينما يمكن عدّ سائر المخلوقات الأخرى أعواناً له على مهمّته في هذا الوجود! 2- إنّ بين التشريف برفعة المقام، وزيادة التكاليف العبادية تناسباً ظاهراً، وعليه فكلّ تشريف إضافي يستتبع تكليفاً أكبر، فليس بين الله تعالى وبين أحد من خلقه نسب! وإنّ الرسول محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم هو أعظمُ العابدين، وقدوة علماء الأمّة وفقهائها في طريق الربّانية الواجب عليهم أجمعين! 3- إنّ الأوراد والأذكار القرآنيّة يجب أن تكون هي القاسمَ المشترك الذي يجمع الأمّة على منهاج موحّد للتزكية، ومن شأن وحدة المنهج أن تقلّل مسائل الاختلاف والخلاف بين الطرق الصوفيّة! وإنّ الأذكار التي صحّ ورودها عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، هي تطبيقات للمنهج القرآني في ذِكْر الله تعالى، وعليه فإنّ ماصحّ عنه من ذلك مضمون الأجر من جهة، ومحقّق للتزكية والرقيّ في مراتب العبوديّة من جهة أخرى، وعون على تقريب نظر المتخالفين من جهة ثالثة! وأختم ببعض التوصيات المهمة في نظري أولاً: أوصي السادة المنتدين بتبنّي التصوّف العليم المنضبط بالمنهج القرآني الذي أشرت إلى أبرز معالمه،والمطبق في إطار ماصحّ عن النبيّ، فإنّ هذا هو التصوّف الاسلاميّ الذي يصحّ أن ننسبه إلى هذا الدين العظيم، وكلّ ما يخالف كتاب الله وسنّة رسوله فليس من التصوف الاسلامي،ولا حرج من مناقشة أيّة فكرة خاطئة نسبت إلى أحد الصالحين، ومعرفة حكم الدين فيها، مع ضرورة الأدب البالغ مع من نسبت إليه، ذلك أنّ مناقشة فكرة خاطئة شيء،والحكم على من نسبت إليه شيء آخر. ثانياً: أوصي السادة المنتدين بضرورة إحياء الربّانية في الأمّة- في العلم والعمل والحال- وليس ذلك بالأمر المستحيل، إذا وجدت النوايا الصادقة،وتضافرت الجهود الخيّرة، وهي وافرة إن شاء الله تعالى. ثالثاً: أوصي السادة المنتدين بتشكيل مجمع علميّ يتكوّن من كبار علماء المسلمين الصوفيّة، يكون من أبرز مهامّه مراجعةُ كتب الفكر الاسلاميّ عامّة، وكتب الصوفيّة خاصّة؛ لاستخلاص الكثير الطيّب الذي فيها،بعيداً عن الدّخن الذي يشوّه جمالها، ويبعد الصادقين عن الافادة منها، إضافة إلى استغلال الخصوم الذين يصدّون عن سبيل التصوّف بسببها. رابعاً:أوصي السادة المنتدين بالعمل على إنشاء جامعة إسلاميّة شاملة تكون الدراسات الصوفيّة فيها بمنـزلة التخصّص الدقيق، وما أجدر جامعة صدّام للعلوم الاسلاميّة أن تشرع بافتتاح قسم للتصوّف الاسلاميّ، تختار له من المدرّسين أهلَ الكفاءة والتقوى والسلوك، قبل أيّ اعتبارات أخرى. خامساً: أوصي السادة المنتدين بضرورة الاهتمام الاعلامي الصوفي كإصدار صحيفة أُسبوعية صوفيّة وإصدار مجلّة شهريّة،وأخرى فصليّة محكّمة تعنيان بالأبحاث والدراسات الصوفيّة المتخصّصة التي تعالج المسائل الكبرى العالقة،على أن تكون كوادر هذه الاصدارات من علماء الصوفيّة السالكين حصراً. سادساً: أوصي بأن يصدر السادة المنتدون توجيهاً عامّاً إلى حضرات مشايخ الطرق الصوفيّة بضرورة الاهتمام بالتوجيه الديني، وتعلّم وتعليم المريدين العلوم الشرعيّة، فإنّ ذلك عون لهم على السلوك الشرعي السليم، واختصار الزمن الذي يقطعه المريد المتفقه بالنسبة إلى غيره من المريدين،وأن تعتمد الطرق الصوفيّة كلّها الألفاظ والعبارات التي لا يعترض الفقهاء عليها؛ لأنّ من المتفق عليه بين العلماء أنّ اللفظ إذا احتمل معنيين أحدهما باطل، وجب ترك هذا اللّفظ جملة، تقديما للحظر على الاباحة،واحتياطاً في دين الله تعالى. وأن تعمد هذه الطرق العليّة إلى تجديد هيئات مجالس الذكر، وإعادة النظر في كثير من المظاهر التقليديّة التي يصعب على أهل هذا الزمان قبولها، والله تعالى هو وليّ رشاد الجميع( ) هذا وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً، والحمد لله ربّ العالمين.