طَوْدُ الْيَقِينِ وَسَيْفُ الْبَغْيِ تتألق صفحات التاريخ الإسلامي بمحطات ناصعة تقف فيها الكلمة الحرة شامخة في وجه الطغيان، كأنها منارة تمزق دياجير الظلم، ومن أروع تلك الملاحم الإنسانية والإيمانية قصة المواجهة الخالدة بين الإمام الزاهد سعيد بن جبير وطاغية العراق الحجاج بن يوسف الثقفي؛ حيث تجلّت عزة اليقين في أبهى صورها أمام صلف الجبروت، لتسطر درساً أبدياً في أن الأرواح الحرة لا تنحني إلا لخالقها، وأن عروش الظالمين مهما علا صرحها تتبخر أمام صلابة المبدأ وثبات الحق. حين أطبق ليل الطغيان على عنق العدالة، وعزم الحجاج على إزهاق روح الإمام الزاهد سعيد بن جبير -كما هو ديدنه في قمع الأحرار- أرسل جلاوزته فأتوا به مكتوفاً، فوقف بين يديه كالبدر الذي لا تحجبه سحب البغي، فدار بينهما حوار تتألق فيه العزة الإيمانية كأنها سيف صقيل لا يثلمه جبروت الجبابرة. استفتح الحجاج جلسته بصلف الظالم، فسأله بحدّة: «ما اسمك؟». فأجاب الإمام بثبات كأنه طود أشمّ: «سعيد بن جبير». فعاكسه الطاغية بسخرية مريرة: «بل أنت شقيّ بن كُسير». فلم يزل سعيد مرفوع الهامة، مردفاً بكل هدوء كأنما يرمي حجارة اليقين في وجه الباطل: «بل كانت أمي أعلم باسمي منك». فجن جنون الحجاج واحتد قائلاً: «شقيت أنت وشقيت أمك». فرد عليه سعيد بلسان العارف الموقن: «الغيب يعلمه غيرك». ولما أعياه لسان الحق، حاول الحجاج أن يُرهبه بلهيب الوعيد، فقال: «لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى». فابتسم سعيد ابتسامة الواثق بربه كأنما يستصغر جمر الدنيا أمام نور الآخرة، وقال بجرأة الأحرار: «لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً». ولمس الحجاج جفاف الرهبة في عيون أتباعه بينما يبدو سعيد كالنخلة العاتية، فقال متعجباً: «فما بالك لا تضحك؟». فأتاه الجواب كالصاعقة يقطر حكمة وعبرة: «وكيف يضحك مخلوق خُلق من طين، والطين تأكله النار؟». فلما سأله في تكبر: «فما بالنا نضحك؟». أتاه الرد كالبلسم الشافي للحقائق: «لم تستوِ القلوب». وحين فشل الترهيب، التجأ الحجاج إلى حيلة الإغواء، فأمر باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فبسطت بين يدي سعيد كأنها جبال من السراب الخلاب، فلم يلتفت إليها الإمام إلا نظرة الزاهد المترفع، وقال له بحزم كأن كلماته قطرات من ماء طهور: «إن كنت جمعت هذا لتفتدي به من فزع يوم القيامة فقد أخطأت، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جُمع للدنيا إلا ما طاب وزكا». ولما رأى الحجاج صلابته التي لا تلين، دعا بالعود والناي ليستميل قلبه بمجالس اللهو، فلما ضُرب بالعود ونُفخ في الناي، انخرط سعيد في بكاء عميق كأن عينيه نبعان تفجرا خشوعاً. تعجب الحجاج وسأله مستنكرة نبرته: «ما يبكيك؟ أهو اللهو؟». فأجاب بقلب يرفرف في ملكوت الآخرة: «بل هو الحزن؛ أما النفخ فقد ذكرني يوماً عظيماً يوم ينفخ في الصور، وأما العود فشجرة قطعت في غير حق، وأما الأوتار فإنها أمعاء الشياه يبعث بها معك يوم القيامة». فصعق الحجاج من هول الكلمات، وقال مذعوراً: «ويلك يا سعيد!». فأجابه بلسان اليقين المتبصر: «الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار». أدرك الحجاج أن هذا الطود الأشمّ لا تنال منه المغريات ولا ترهبه التهديدات، فخيّره بدم بارد: «اختر يا سعيد أي قتلة تريد أن أقتلك؟». فكان رد سعيد كالسيف القاطع والبرق الساطع: «اختر لنفسك يا حجاج، فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلك الله تعالى مثلها في الآخرة». وحين حاول استعطافه بخبث وتساؤل أخير: «أفتريد أن أعفو عنك؟». قطع عليه كل أمل في الخضوع، قائلاً بكل عزة وثبات: «إن كان العفو فمن الله تعالى، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر». صدر الأمر الأخير من الطاغية بصلف وقسوة: «اذهبوا به فاقتلوه». فلما خطا سعيد خارج الباب، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ضاحكة، فبلغ الخبر الحجاج فأمر برده مذهولاً من هذا الثبات العجيب، ووقفه أمامه سائلاً بحدة: «ما أضحكك؟». فأتاه الجواب كالصاعقة يزلزل عرش غروره: «عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عنك!». فاشتد غيظ الحجاج وصاح بجلاوزته: «اقتلوه». وحين أحس الإمام بقرب رحيله إلى ربه، استقبل المنية بقلب مطمئن، وهو يتلو آيات القرآن كأنها درر تضيء عتمة الموقف: «وَجَهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ». ولم تكن محاولات الطاغية لتشتيت هدوئه لتزيده إلا رسوخاً؛ إذ أمر الحجاج جنده قائلين: «شدوا به لغير القبلة». فما كان منه إلا أن ردّ عليهم بآية النور واليقين: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ». وحين أمعن الحجاج في طغيانه وأمر أن «كبوه لوجهه». هتف سعيد بصوت العارف بالله تعالى مستحضراً عظمة الخالق: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}. وأمام هذا الثبات المعجِز، أصدر الحجاج أمره الأخير بالذبح، فما كان من الإمام الشهيد إلا أن رفع صوته بكلمات التوحيد كأنها وثيقة خلود تعانق السماء: «أَمَّا إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خُذْهَا مِنِّي حَتَّى تَلْقَانِي يَوْمَ القِيَامَةِ». ثم توجه إلى ربه بقلب منكسر ودعوة مستجابة: «اللَّهُمَّ لَا تُسَلِّطْهُ عَلَى أَحَدٍ يَقْتُلُهُ بَعْدِي». ومضى سعيد بن جبير شهيداً مظلوماً إلى رحاب ربه، لتنقلب الأيام على الطاغية جحيماً لا يُطاق؛ فما لبث الحجاج بعد قتله إلا خمس عشرة ليلة يعاني من سكرات العذاب والمرض العضال حتى مات ذليلاً مقهوراً. وبقي طوال أيامه الأخيرة يهذي بوجع الضمير وهلع الكوابيس، صرخاته تتردد بندم قاتل: «مَا لِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كُلَّمَا أَرَدْتُ النَّوْمَ أَخَذَ بِرِجْلِي!». لتطوى بذلك صفحة ظالم أهلكه جبروته، وتبقى سيرة سعيد شاهداً أبدياً على أن دماء الأحرار تبقى شعلة تحرق عروش الباطل. هكذا هُزمت سياط البغي أمام إشراقة اليقين، وطوت الأيام صفحة ظالم متجبر، لتبقى دماء سعيد بن جبير شعلةً تضيء دروب الأحرار على مرّ العصور. لقد ذهب الطاغية مكللاً بالخزي والعذاب، وبقي الإمام الشهيد خالداً في ضمير التاريخ رمزاً للثبات والكرامة، ومثالاً ساطعاً على أن العزة الحقيقية لله تعالى ورسوله والمؤمنين، وأن سلطان الإيمان يبقى الأبقى والأعلى كالجبال الرواسي في وجه عواصف الطغيان. أ.د.محمد محمود كالو