خَادِمُ النُّبُوَّةِ وَوَارِثُ أَسْرَارِهَا

خَادِمُ النُّبُوَّةِ وَوَارِثُ أَسْرَارِهَا تتلألأ صفحات التاريخ الإسلامي بنجوم زاهرة نهلت من معين النبوة، ويقف الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه في طليعة هؤلاء الأعلام كالكوكب الدري، فقد حاز قصب السبق بخدمة المصطفى صلى الله عليه وسلم صغيراً وكبيراً، فتشرب هديه، وصار وعاءً لحديثه، وراويةً للإسلام، طافت ركبان العلوم بسيرته العطرة، ليبقى طوداً شامخاً يروي بصبره ووفائه ظمأ الأجيال المتعاقبة حتى آخر رمق من عمره المبارك. سِفرٌ من النور يترعرع في دوحة النبوة، فكان أنس بن مالك رضي الله عنه كالبدر المنير استمد ضياءه من شمس الرسالة، أو كالنحلة التي لازمت أزهار الوحي العطرة لتجتني منها أطيب العسل، ولد قبل الهجرة بعشر سنين كغرسة مباركة تنبجس في أرض طيبة، فصارت حياته دوحة ظليلة ينعم بفيئها القاصي والداني. كناه النبي صلى الله عليه وسلم بأبي حمزة تلطفاً كأنما يقلده وساماً من لؤلؤ، وداعب أذنيه الطاهرتين كنسيم الفجر الرقيق حين قال له: (يَا ذَا الأُذُنَيْن)، فصار قلبه أوعية للعلوم كالبحر الذي لا تكدره الدلاء، خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين خلوصاً ووفاءً؛ فكانت أيامه معه كأنها روضات غناء لا تعرف عصف الرياح، إذ لم يضربْه قط ولم يسبه ولم يعبس في وجهه، بل كان حلمه ظلاً ممدوداً وأخلاقه نسيمًا عليلًا. جاءت به أمه أم سليم البتول، فكسته بنصف خمارها، ومضت تدفعه نحو حوض النبوة كمن يستسقي الغيث من مطلع الشمس، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم كف الضراعة بدعوات ناصعة كالثلج: (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مالَهُ وولدَهُ وأطلْ عمرَهُ واغفرْ ذنبَهُ)، فاستجاب رب العزة دعاء نبيه، وأثمر الغرس يانعاً؛ فصار ماله نهراً فياضاً، وصار ولده وولد ولده في كثرتهم كنجوم الليل الساطعة يتعادون على نحو من المائة، حتى إن بستانه ليحمل الفاكهة في السنة مرتين كأنه بستان من جنان الخلد، ويفوح بريحان يعبق برائحة المسك الأذفر. عاش عمراً طويلًا كأنه جبل شامخ راسخ، ومات له في طاعون الجارف ثمانون ابناً كأنهم سنابل ذهبية حصدهم الموت. وكان إذا جن الليل وارتخى سدول الظلام، تراءى له طيف حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم كأنه قمر يضيء عتمة الشوق فيبكي، فدموعه لؤلؤ تذوب على وجنات الحنين، قال المثنى بن سعيد: سمعت أنساً يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي. ثم يبكي. نقش في خاتمه الطاهر "محمد رسول الله" وكان ينزعه تقديساً عند الخلاء، وصار في طاعته وصلاته شبيهاً بالنبي صلوات ربي وسلامه عليه كأنما هو مرآة صافية تعكس هدي المعصوم وسمته. ولما ضعفت قواه عن الصوم، لم يكلّ كرمه، بل صنع جفنة من ثريد كالكتل السحابية المعطاءة ودعا لها ثلاثين مسكيناً فأطعمهم، ليبقى طابعه البذل والعطاء حتى أذن الله تعالى برحيله بعد مائة وثلاثة أعوام قضاها طوداً من أطواد الوفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاتم أصحابه موتاً ممن صلى القبلتين. هكذا غاب ذلك النجم العالي عن سماء الدنيا بعد عمر مديد زانته التقوى وباركه الوفاء، فترجل طود من أطواد النبوة وآخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موتاً ممن صلى القبلتين، ليبقى ذكره العطر مسكاً يفوح في جنبات الزمان، وشاهداً حياً على جيل فريد صنع مجد الأمة وخط بمداد الصدق أروع آيات الحب والولاء للمصطفى الأمين صلوات الله وسلامه عليه. أ.د.محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University America Generations and Technology University