حَديثُ المُجَدّدينَ بين الروايةِ والدرايةِ تأليف الأستاذ الدكتور:عداب محمود الحمش

حَديثُ المُجَدّدينَ بين الروايةِ والدرايةِ تأليف الأستاذ الدكتور:عداب محمود الحمش بسم الله الرحمن الرحيم بين يدي البحث الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، القائل في محكم كتابه المبين: (ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً؛ فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران:85] والقائل جلّ شأنه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم)[الأحزاب:36] والقائل عزّ وجلّ: ( اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإِسلام ديناً) [المائدة:3] والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد بن عبدالله، الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلاّ هالك ( ). أمّا بعد: فقد مضى على بعثة النبيّ  أكثر من أربعة عشر قرناً من عُمُر الزمان والأمّة الإِسلاميّة –عامةً-تعيش على تراث النبي الأعظم  وتستمسك به، وتعتزّ بالانتماء إليه. وقد حَدث فِصامٌ قديم بين القرآن والسلطان، فغلب على السلطان أهل الدنيا، واستمسك بالقرآن الكريم جماهير أهل العلم والتقوى. وحدث أثراً عن ذلك الصراعِ، واستجابةً لمتطلّبات كلً عصر؛ تراكمٌ ضخم في تراث الفكر والتشريع والأخلاق، يحتاج إلى سلطان يقوم على تصفيته وتطبيقه وحراسته، فراح المسلمون يتطلّعون إلى ذلك اليوم الذي يظهر فيه ذلك السلطان الصالح منذ القرن الهجري الأول، وحتى يوم الناس هذا! - فقوم تعلّقوا بالمهدي المنتظر، وسَرَتْ هذه الفكرة بين الناس سَرَيان النار في الهشيم قروناً متوالية، فلمّا لم يظهر المهدي؛ انتظروا غيره! - وقوم تعلّقوا بالمسيح عليه السلام؛ ليقوم فيقتل الدجال، وينصر الدين، ويضع الجزية، فلا يقبل من أهل الكتاب إلاّ الإِسلام! - وقوم تعلّقوا بالمسيح والمهديّ معاً، وجعلوهما متعاصرَيْن يؤيّد أحدهما الآخر وإنّما يكون ذلك بين يدي قيام الساعة كصحوة الموت (خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً، ثمّ لاخير في العيش بعده!)( ). - وطال انتظار المهديّ والمسيح، وأهلُ الكشف من الصوفيّة، وأهل العرفان من الشيعة، وأهل الزّيجات والحروف والحساب( ). في كلّ قرن من القرون يؤكّدون ظهورهما في القرن الذي يعيشون فيه، لكنّ شيئاً من هذا لم يحصل، وقد لا يحصل بعد قرون قادمة، وقد لا يحصل مطلقاً! ونحن في أمسّ الحاجة إلى المنقذ، والمخلّص والقائد؛ فالتفت كثيرون إلى فكرة المجدّد الذي يبعثه الله تعالى على رأس كلّ مائة عام، يجدّد لهذه الأمّة أمر دينها. وقد نظر بعض علمائنا منذ القدم في كبار الشخصيات؛ فرأوا الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، قد جمع الله تعالى فيه كثيراً من خصال الخير؛ فجعلوه هو المجدّدَ على رأس المائة الأولى، وجعلوا رأس المائة نهايتها، لا أوّلها! وجعل أكثرهُم المجدّدَ على رأس المائة الثانية – آخرها أيضاً- هو الشافعيّ رحمه الله تعالى، ثمّ نظروا فرأوا أثر عمر بن عبدالعزيز هو الأليقَ بفكرة التجديد؛ لأنّه يملك السلطان وشيئاً من العلم، بينما لا يملك الشافعي من السلطان شيئاً، فقالوا بتعدّد المجتهدين، بتعدد الاختصاصات، بعد أن أعرضوا عن نقد هذا الحديث؛ لحاجتهم النفسية إلى صحة معناه عند الجميع! وبناءً على فكرة تعدّد المجتهدين التي قاد إليها الرغبة في إعمال الحديث؛ صار من المجدّدين السياسيين على رأس المائة الأولى عمر بن عبدالعزيز بالاتّفاق، وكان من مجددي العلماء محمد بن علي الباقر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ومجاهد، وعكرمة وطاوس، والزهري، وغيرهم! وكان من المجدّدين السياسييّن على رأس المائة الثانية، الخليفةُ المأمون بن الرشيد، في نظرهم! ومن العلماء: علي بن موسى الرضا، والشافعي، وأشهب بن عبدالعزيز المالكي والحسن بن زياد اللؤلؤي! وكان من المجددين السياسيين على رأس المائة الثالثة، الخليفة المقتدر بالله، ومن العلماء: أبو العباس بن سُرَيْج، والطحاوي، والنسائي.. إلخ! ( ). بيد أنّ ممّا يجب قولُه هنا، هو أنّ فكرة ظهور المهدي، أوالمسيحِ، أوالمجدّد؛ لم تكن سبباً ظاهراً من أسباب التخلّف العلمي والفكري والسياسيّ عند أهل السنّة! بينما قال عددٌ من كتّاب الشيعة الإماميّة: إنها كانت عندهم كذلك قروناً متطاولةً! وكنت قد خرّجت حديث المجدّدين تخريجاً يتناسب مع موقعه في كتاب المهدي، فلمّا علمت بفكرة وجود مؤتمر للتجديد؛ رغبتُ أن أعرض على السادة المفكّرين المؤتمِرين خلاصةَ دراستي النقديّة لهذا الحديث، وأن أُسْهِم بطرح فكري حيال فكرة (المجدّد) و(المنقذ) و(المخلّص) و (المهديّ) رجاءَ مناقشة علميّةٍ جادّة، وحوارٍ فكريّ حضاريّ، يبرز مواطنَ القوّة ونقاط الخلل في مثل هذا الطرح الخاصّ! وقد كان من أبرز أهداف هذا البحث أن يجيب على تساؤلين اثنين: الأول: ما نصيب هذا الحديث من شرف النسبة إلى رسول الله ؟. والثاني: في أيّ زاوية من زوايا الفكر الإِسلاميّ يمكننا توظيف هذا الحديث المرويّ؟.. ولتحقيق هذين الهدفين؛ تناولتُ حديثَ التجديد في الجانبين النظريّ والعمليّ في المعالم الآتية: - أوّلاً: بيان مفهوم التجديد في لغة العرب، ومفهوم التجديد في الدين، وإبراز ضرورة التجديد والابتكار والاجتهاد، على شتّى الصُعُد الحيوية، وفي شتى ديار المسلمين! - ثانياً: تخريج حديث التجديد وفق منهج التخريج المعمول به في الجامعات العربية، مع لفت النظر إلى خطأ هذا المنهج في بعض جوانبه، وأبرزها التطويل الذي لا طائل تحته! - ثالثاً:نقد الروايات والطرق التي تجتمع دون المدار،نقداً إجماليّاً، تمشّياً مع المنهج المعمول به؛ بغية توضيح صلاحيتها للاعتبار! - رابعاً: دراسة سند الحديث الأصليّ من مدار الحديث إلى الصحابي؛ لأنّ الصحابيّ وإن كان عدلاً، لكنّ العدالة ليست كلَّ ما يطلب لإثبات صحة الحديث! خامساً: البحث عن الشواهد المؤيدة لمعنى الحديث من القرآن الكريم، ومن السنّة النبويّة الشريفة، ثمّ ترتيب الشواهد على حسب درجاتها قوّةً وضعفاً، وتنـزيلها في مواضعها من دلالة النصّ، دون وَكْس ولا شَطَط! سادساً: نقد متن الحديث بعرضه على نصوص القرآن المخالفة، ثمّ على الأحاديث الصحيحة المخالفة، ثم على مواطن الإجماع التواضعي، ثم على عمل السلف، ثمّ على الواقع التاريخي والمعاصر، ثمّ على العقل، إن وُجد خلاف! سابعاً: تحليل ما اتفقت عليه الروايات من متن الحديث، وتوضيح انسجام سياقته، أو تدافعها. ثامناً: إذا صحّ متن الحديث، ففي أيّ الجوانب من الدين يكون التجديد، وإذا لم يصحّ الحديث، فما القَدْر الذي يفيدنا من دلالته؟ تاسعاً: توضيح أطروحة تجديد منهج النظر العقلي عند المسلمين، وإعادة صياغة قانون التفكير الإِسلامي، وترتيب أولويّاته في الشعاب الآتية: منهج إثبات النصّ الشرعي: فهناك قضايا غدت منذ قرون من المسلّمات، وهي بحاجة إلى إعادة نظر جادّ محايد، من مثل رواية المبتدع، وقبول مراسيل الصحابة وقبول رواية الصحابي المجهول، ومجهول الصحبة، والوحدان، والمساتير، والمدلّسين وغير ذلك ممّا يكوّن ثورة حقيقيّة في علوم الاصطلاح، يترتب عليها إعادةُ النظر في مئات الأحاديث التي بُنيت عليها معتقداتٌ وأفكارٌ وتشريعاتٌ، في أمسّ الحاجة هي الأخرى إلى إعادة النظر في بِنْيتها، ونسبتها إلى الشرع الشريف! منهج تفسير النصّ الشرعي: بين المرجعية السلفيّة، وحاجات الأمّة المتجددة في هذا العصر الذي تضخمت فيه (المعلومات) وأصبح الوقوف عليها يسيراً جدّاً، حتى لا نبقى أسرى اجتهادات ربما كانت ملائمةً للعصر الذي أفرزها، وغدا من العسير قبولها في هذا العصر، فضلاً عن إلزام الناس بها على أنّها شرع اللهِ الذي لا يجوز مخالفته! منهج بنية المصطلحات الإِسلاميّة: الطائفية، والمذهبية، والعلميّة والتراجميّة وإعادة النظر في الأحكام التي بنيت على هذه المصطلحات. إنّ مسألة التجديد في الدين يتعيّن أن تأخذ في اهتمامها تخلُّفَنا مأخذَ الجدّ؛ للإصلاح والتقدمّ الصحيح ويتعيّن أن تراجع حسابات كثيرة في ضوء نظام (العولمة) الجديد الذي يجب الإفادة من جوانبه المعرفيّة بأقصى ما يحتمله واقعنا المتخلّف في كلّ شيء ، بالقدر الذي يجب الحذر منه في شتى الاتّجاهات: الفكريّة والأخلاقيّة والسياسية والاقتصاديّة؛ لأنّ هدفه الأكبر هو محوُ شخصيتنا الإِسلامية، واستعبادنا على نحو يضمن له تبعيّتنا الكليّة! واللهَ تعالى أسألُ أن يعين القائمين على أمر هذا اللقاء الفكري والعلميّ على تحقيق أعلى وأغلى ما يصبون إليه من خيرٍ، وأن يهيئ الظروفَ المواتية للإفادة من ثمرات هذا اللقاء الخيّر، في تطوير حياتنا العلميّة والعمليّة! في بغداد - دار السلام، كملت مراجعتُه يومَ الثلاثاء، السادسِ من ربيع الأنور (1422 هـ) الموافق للتاسع والعشرين من أيّار«مايس» (2001م) كتبه الفقير إلى الله تعالى/ عداب بن محمود الحمش الحمويّ. هذا..وصلّى الله على الهادي المهدي الأعظم،الذي مسح الله تعالى به وثنية العرب، وجدد به ملّة سيّدنا إبراهيم عليه السلام في الأممِ، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً. والحمد لله ربّ العالمين المعلم الأوّل التجديد في اللغة والاصطلاح أنزل القرآن الكريم على قلب رسول الله سيدنا محمد بن عبدالله بلسان عربي مبين، لساناً عربيّاً غيرَ ذي عوج ، وهذا يقود إلى أنّ المعرفة الصحيحة لأصل وضع الكلمة اللغوي، ثمّ تتبّع دلالاتها التطبيقية في إطار النحت والاشتقاق، وسائر أضرب التطوّر الدلالي للمفردة اللغويّة؛ هو الذي يوقف الباحث على مراد الله تعالى تحقيقاً أو ترجيحاً مع ملاحظة القيود الشرعية في ذلك كلّه، فالصلاة والصيام والزكاة والحج، لا تتقاطع دلالاتها الشرعيّة مع الدلالة اللغويّة، ولكنّها أخصّ منها في الاصطلاح غالباً! فالصلاة في أصل اللغة تعني: الدعاءَ والتبريك والتمجيد، وتعني في الاصطلاح الشرعي الخاص: أقوالاً وأفعالاً مخصوصة مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، وسمّيت هذه العبادة بالصلاة من باب تسمية الشيء ببعض ماتضمّنه؛ إذ الدعاء صراحة أو ضمناً يأخذ حيّزاً مهمّاً فيها( ). وقد استعمل الفقهاء كلمة (التجديد) في عبادات ومعاملات عديدة، فقالوا: تجديد الوضوء، وتجديد أخذ ماء للرأس، وللأذنين، وتجديد عقد النكاح، وتجديد العتق، وغير ذلك! وهم يقصدون في كلّ هذا: «إعادةَ قولِ أو فعلِ ما هو مشروعٌ محدَّد؛ لورود طارئ خارجيٍّ على صحّته، أو تكرارِ فعلٍ على جميع ما يُشْتَرط فيه هذا الفعل». فتجديد عقد النكاح يعني: «إعادةَ النطق بمفردات الإيجاب والقَبول التي تخصّه مع حضور الوليّ والشهود». وتجديد الوضوء يعني: «إعادته» وتجديد أخذ ماء للرأس والأذنين يعني: «إعادة بلل اليدين أو إحداهما بماء طهور للقيام بعمليّة المسح هذه»( ). «والتجديد في القانون، يقصد منه: اتّفاقٌ على استبدالِ التزامٍ قديمٍ بالتزام جديدٍ مغاير له في عنصر من عناصره، فهو يقضي على التزام قديم قائم، وينشئ محلّه التزاماً جديداً»( ). ولو عدنا إلى أصل كلمة (جدد)؛ لرأينا متون اللغة ذكرت أنّ: «جدَّ يجِدُّ؛ فهو جديد.. وأجدَّه وجدّده، واستجدّه؛ صيّره جديداً فتجدّد»( ) وقالوا: « أجدّ زيدٌ الأمر: حقّقه وأحكمه»( ). ولم يستعمل القرآن الكريم كلمة التجديد، واستعمل كلمة جديد عدّة مرّات كلّها في إعادة البعث بعد الموت، في مثل قوله تعالى: إن يشأ يُذهبْكم، ويأتِ بخلقٍ جَديدٍ [فاطر:16] ( ). ووقفتُ في كتب السنّة النبويّة على حديثٍ واحدٍ؛ استعمل كلمة (جَدِّدُوا) وحديث آخر استعمل كلمة (يُجَدِّد) وكلاهما بمعنى إعادة ما هو معروف من الإيمان، وكلا الحديثين غير صحيح، لكنّهما مقبولان في اللغة( ). فقد أخرج الإمام أحمد ابن حنبل من حديث أبي داود الطيالسيّ قال: حدثنا صدقة بن موسى السُّلَمي الدقيقي قال: حدثنا محمد بن واسع عن شُتَيْر بن نهار( ) عن أبي هريرة أن النبيّ قال: قال ربّكم عزَّ وجلّ: (لو أن عبادي أطاعوني؛ لأسقيتهم المطرَ بالليل؛ وأطلعت عليهم الشّمْس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد) وقال رسول الله: (جددوا إيمانكم!) قيل: يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: (أكثروا من قول: لا إله إلا الله)( ). قلت: إنّ التهليلَ؛ أمارة الإيمان الظاهرة، والإكثار منها؛ يعني إعادةَ لفظها، مع استحضار دلالتها؛ لتستقرّ في قلب المؤمن وعقله ومشاعره! وأخرج الحاكم النيسابوري من حديث عبدالرحمن بن ميسرة، عن أبي هانئ حُمَيد بن هانئ الخولاني، عن أبي عبدالرحمن الحُبُلّيّ، عن عبدالله بن عمرو بن العاصي قال: قال رسول الله: ( إن الإيمان ليَخْلَق في جوف أحدكم كما يخلَق الثوب الخَلِق فاسألوا الله أن يجدّد الإيمان في قلوبكم)( ). قلت: لا ريب في أنّ الهدايةَ والتوفيق إلى الطاعةِ؛ فضلٌ من الله تعالى، وحاشا لله الحكيم الرحيم أن يَحرِم الهداية عبداً صادقاً في طلبها! وبناءاً على ما سبق، فيمكننا القول بأنّ المقصود من مصطلح (تجديد الدين): «إعادةُ إحكامِ أدلته العقدية والفكرية والأخلاقيّة والتشريعية في جانبي الثبوت والدلالة، وتحقيق أحكامه وتمييز الدين الحقّ المحكم، عن الخطأ الدخيل فيه، في الدوائر النظريّة والتطبيقية السالفة الذكر!». وشرّاح الحديث قالوا في شرح هذا الحديث: «معنى التجديد: إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنّة والعمل بمقتضاهما»( ). ومما لا ارتياب فيه أنّ أحداثاً وقعت، وظروفاً تحكّمت، حتى انتشر في العالم الإِسلامي كثيرٌ من الانحرافات الفكرية النظرية، والعملية السلوكية، غطّت في بعض ساحات العالم الإِسلامي على حقيقة هذا الدين الحنيف! وليس هذا فحسب، بل إنّ ثمّةَ مسائلَ كثيرةً؛ لم يتوصّل المتقدمون فيها إلى حكمٍ صائب؛ لأسباب عديدة، منها أنّ الواقع العلمي في تلك العصور؛ لم يكن يسعف في الجواب الصحيح، فوجب تحقيق ذلك كلّه؛ بإعادة النظر فيه واستلهام التوجيهات القرآنيّة العامّة التي تبقى المنبع الأسمى للمعرفة الرشيدة؛ بغيةَ تقديمه متلائماً مع روح هذا العصر، وواقع حال المسلمين، ومصلحة الأمة في هذا الواقع البئيس. ونحن إذ نقول هذا؛ لا ندعو إلى خروجٍ على التراث، ولا إلى تجاوز العطاء الثرّ النمير، الذي جرى على أيدي سلفنا الصالح على مرّ العصور، ممن قاموا بتكليفهم الشرعيّ، في استنباط الأحكام للوقائع والنوازل الحادثة. وإنّما ندعو إلى قراءةٍ ناقدة فاحصة لهذا التراث؛ للإفادةِ من الخير الكثير الذي فيه مما كان التعاملُ به في واقع المسلمين الماضي نافعاً، وهو مفيدٌ لحياة المسلمين الحاضرة، ومستقبل أجيالهم. وندعو كذلك إلى إغفالِ ما لا حاجة بنا إليه، ؛ مما أثبت العلمُ والواقعُ عدمَ صحّته، دليلاً أو استنباطاً، أو كان العمل بأحكامه الاجتهادية في مرحلتنا الحاضرة عسيرَ المنال! ومن المسلَّم به أنّ الفتاوى والأحكام المستنبطةَ على قواعد المصلحة والعرف؛ يتغيّر كثيرٌ منها بتغيّر المصالح الشرعية، ومطالب الأمة في صمودها وبناء نهضتها المنشودة. المعلم الثاني تخريج حديث التجديد إنّ حديث التجديد؛ يستحقّ أن يُدْرس دراسة نقديّة احتجاجيّة لا أن يخرّج تخريجاً منقبيّاً، أو تخريجاً للاعتبار، والفرق بين التخريجين لا يخفى على المختصّين. وقد أودعت منهجي في النقد الحديثي في كتابي (محاضرات في تخريج الحديث ونقده) فلا حاجة بي هنا إلى بيانه؛ تخفيفاً من صفحات هذا البحث الوجيز. وقد نظرت في الكتب التي خرّجت هذا الحديث، فلم أجده مرويّاً في واحد من الكتب التي اشترط أصحابها الصّحة، سوى مستدرك الحاكم النيسابوري، الذي لم يسلّم له نقّاد الحديث دعواه صحّةَ أحاديثِ كتابه! ولهذا فإنّني رتّبت طرق هذا الحديث على حسب الترتيب الزمني لوفيات مصنّفي كتبِ الحديث التي أخرجته، فأقول: (1) بإسنادي إلى الحافظ أبي داود السجستاني( ) (ت: 275هـ) في كتابه السنن، قال رحمه الله تعالى: حدثنا سليمان بن داود المَهْري( ) قال: أخبرنا ابنُ وَهب( ) قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب( ) عن شراحيل بن يزيد المَعافري( ) عن أبي علقمة( ) عن أبي هريرة( ) -فيما أعلم- عن رسول الله قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها). قال أبو داود: رواه عبدالرحمن بن شُرَيح الإسكندراني( ) لم يَجُزْ به شراحيل( ). (2) وبإسنادي إلى الحافظ أبي القاسم الطبراني رحمه الله تعالى( ) (ت360هـ) قال: حدثنا محمد بن رُزَيْق بن جامع( ) قال: حدّثنا عمرو بن سوّاد السَّرْحِي( ) قال:حدّثنا ابنُ وهبٍ قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، به مثلَ رواية أبي داود الأولى. وقال: «لايُروى هذا الحديث عن رسول الله إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به ابنُ وهب»( ). (3) وبإسنادي إلى الحافظ أبي أحمد ابن عديّ الجرجاني رحمه الله تعالى( ) (ت: 365هـ) قال: أنبأنا العباس بن محمد بن العباس البصري( ) والقاسم بن مهدي( ) بإخميم( ) قالا: أخبرنا عمرو بن سوّاد السَّرْحي. (4) وبه إليه فيه قال: وأخبرنا يحيى بن محمد بن يحيى ابن أخي حرملة بن يحيى( ) قال: حدثني عمّي حرملة بن يحيى( ). (5) وبه إليه فيه قال: وأنبأنا محمد بن هارون بن حسّان( ) ومحمد بن علي بن الحسين( ) قالا: حدثنا أحمد بن عبدالرحمن بن وهب( ) قالوا- يعني عمروَ بن سوّاد، وحرملةَ بنَ يحيى، وأحمدَ بنَ عبدالرحمن بن وهب –: أنبأنا ابنُ وهب قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، به مثل رواية أبي داود [1] والطبراني[2]. قال ابن عديّ: «وهذا الحديث لا أعلم يرويه غيرَ ابنِ وهب عن سعيد بن أبي أيوب، ولا عن ابن وهب غيرَ هؤلاء الثلاثة؛ لأنّ هذا الحديث في كتاب الرجال لابن وهب، ولا يرويه عن ابن وهب إلاّ هؤلاء، وأبو علقمة اسمه: مسلم بن يسار»( ). وقال ابن عديّ أيضاً: «قال محمد بن علي بن الحسين: سمعت بعض أصحابنا يقولون: كان في المائة الأولى عمر بن عبدالعزيز، وفي المائة الثانية محمد بن إدريس الشافعي»( ). (6) وبإسنادي إلى الحاكم النيسابوري (ت: 405هـ) قال :حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصمّ( ) قال: حدّثنا الربيع بن سليمان المرادي( ) قال: حدّثنا عبدالله بن وهب به، مثل رواية أبي داود [1]( ). (7) وبإسنادي إلى المقرئ أبي عَمْرٍو الدّاني (ت: 444هـ)( ) رحمه الله تعالى قال: أخبرنا عبدالعزيز بن جعفر، يعرف بابن أبي غسان( ) إجازةً قال: حدثنا محمد بن بكر بن محمد( ) قال: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، به مثلَ رواية أبي داود [1]( ). (8) وبإسنادي إلى أبي بكر الخطيب البغدادي (ت463هـ)( ) قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ( ) قال: أخبرنا عبدالله بن جعفر ابن فارس( ) قال: أخبرنا إسماعيل بن عبدالله بن مسعود العبدي( ) قال: أخبرنا عثمان بن صالح( ) قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب.. به مثل رواية أبي داود( ). (9) وبه إليه فيه قال: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي( ) قال: حدّثنا عبدالرحمن ابن عمر بن نصر الدمشقي( ) قال: حدّثنا أبو محمد ابن الورد( ) قال: حدّثنا أبو سعيد الفريابي( ) قال: قال أحمد ابن حنبل: إن الله تعالى يقيض للناس في كل رأس مائة سنة من يُعلِّمهم السنن وينفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب، فنظرنا؛ فإذا في رأس المائة عمر بن عبدالعزيز، وفي رأس المائتين الشافعي رحمه الله تعالى( ). (10) وبإسنادي إلى الحافظ أبي القاسم ابن عساكر (ت571هـ)( ) قال: أخبرنا أبو القاسم العلوي( ) وأبو الحسن الغساني( ) قالا: حدثنا ابن خيرون( ) قال: أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا عبدالله بن جعفر ابن فارس.. به، مثلَ رواية الخطيب عن أبي نعيم [6]( ). (11) وبإسنادي إلى الحافظ أبي الحجاج المزيّ( ) في ترجمة شراحيل قال: أخبرنا أبو إسحاق ابن الدَرَجيّ( ) وأحمد بن شيبان( ) قالا: أنبأنا أبو جعفر الصيدلاني( ) قال: أخبرنا أبو علي الحداد( ) قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا عبدالله بن جعفر..به مثل رواية الخطيب[6]( ). (12) وأورد الحافظ الذهبي( ) هذا الحديث في ترجمة أبي العباس ابن سُرَيْج( ) من تذكرته والنبلاء، وفي ترجمة أبي حامد الإسفرايني( ) من النبلاء أيضاً، وقد ذكر أسماء المجددين إلى عصره( ). (13) وأورد الإمام تاج الدين بن السبكي (ت: 771 هـ) هذا الحديث في ترجمة الإمام الشافعيّ بلفظين: الأول: هو اللفظ المتداول السابق. والثاني: (يبعث الله لهذه الأمة في رأس كلّ مائة سنةٍ رجلاً من أهل بيتي، يجدّد لهم أمر دينهم). قال ابن السبكي: «ذكره أحمد ابن حنبلٍ وقال عُقيبه: نظرت في مائة سنة فإذا هو رجلٌ من آل بيت رسول الله: عمر بن عبدالعزيز، ونظرت في رأس المائة الثانية؛ فإذا هو رجل من آل بيت رسول الله: محمد بن إدريس الشافعيّ». قال: «وهذا ثابت عن الإمام أحمد، سقى الله عهده!» ( ). وقد ذكر ابن السبكي أسماء المجددين، فجعلهم كلَّهم من الشافعية! هذه هي الكتب التي وقفت على تخريج حديث المجدّدين فيها، وقد ظهر من وراء هذا التخريج؛ أنّ مدار طرق الحديث كلّها على عبدالله بن وهب -كما قال الإمام الطبراني وابن عدي والبيهقيّ( ). رواه عنه ستّة أنفس هم: أحمدُ بن عبدالرحمن بن وهب عند ابن عديٍّ [3]( ) وحرملةُ بن يحيى عنده [3] وعند الطبرانيِّ [2] والربيعُ المرادي عند الحاكمِ [4] وسليمانُ بن داود المَهري عند أبي داودَ [1] وعثمانُ بن صالح السهمي عند الخطيبِ[6] وابن عساكرٍ [7] والمزيِّ [8] وعمروُ بن سوّاد السَّرْحي عند الطبرانيِّ [2] وابن عديٍّ [3]. المعلم الثالث نقد طرق الحديث إلى مداره من المعلوم أنّ روايات المتأخّرين من حفّاظ الحديث؛ فضلاً عن غيرهم، هي روايات مصنّفات، ولهذا قلّت فيها الرواية بالمعنى، وقد تساهل الحفّاظ في التحمّل عن بعض رواة المصنّفات؛ بغيةَ علوّ الإسناد الذي كان سمةَ رفعة وحظوة وتقدّم بين الناس، مع أنّه جرّ على مصنّفات السنّة النبويّة بلايا! أقلّها أنّ معظم كتب السنّة التي رواها عن مصنّفيها عشراتٌ، وربما مئات؛ غدت بفضل الرغبة في علوّ الإسناد غريبةً، لا تكاد تعرف إلاّ من رواية واحد، عن واحد، عن واحد، وكثيراً ما يكون هذا الواحد جاهلاً أو مطعوناً في أمانته، فيجد الطاعنون ثغرات للطعن، كنّا في غنىً عنها، لو رويت هذه الكتب عن مؤلّفيها من طرق كثيرة، ولو كانت نازلة( ). ومن وراء استعراض هذه الروايات؛ وجدناها جميعها تدور على عبدالله بن وهب، وهو من كبار المصنّفين في مصر، وقد نصّوا على أنّه كان من أوثق رواةِ موطأ مالك ( ) وذكروا أنّ له كتاباً في التفسير ( ) وكتاب الموطأ الصغير ( ) والجامع الكبير ( ) وكتاباً في الرجال يرويه عنه ابن أخيه أحمد بن عبدالرحمن بن وهب، وعمرو بن سوّاد السَّرْحي( ). وعلى هذا يكون جميع رواة طرق الحديث، دون ابن وهب نَقَلة، لا نحتاج إلى دراستهم، ولا تعنينا وثاقتهم في قليل أو كثير، ماداموا لم يضطربوا في رواية سند هذا الحديث ولا متنه، وما دام بعضُ الحفّاظ قد نصّ على تفرّد ابن وهبٍ به، مما يعني أنه هو مداره، ومادام حافظٌ آخر نصّ على رواية ابن وهب هذا الحديث في أحد كتبه، وأنّه هو التقطه منه( ). فدراسة الإسناد – والحالة هذه – تبدأُ من ابن وهب، وحتّى الصحابيّ! بيد أنّني عرّفت بهؤلاء الرواة جميعاً في هوامش التخريج؛ لمعرفتهم وتطمين القارئ فحسب، ومن لم أقف له على ترجمةٍ نقديّة؛ فقد توبع على روايته متابعة تامّة أو قاصرة، فتقبل روايته بالمتابعة. ذلك أنّ الرواة المجروحين قسمان: قسم تقبل روايته في حالتي المتابعة والتفرّد. وقسم تقبل روايته في حالة المتابعة دون التفرّد أو المخالفة. المعلم الرابع تراجم أعمدة الإسناد من المدار إلى الصحابي (1) عبدالله بن وهب بن مسلم القرشي- مولاهم- أبو محمد المصري، الفقيه ثقة حافظ عابد من التاسعة (ت: 197هـ) وله (72) سنة (ع) التقريب (3718). قلت: هذا هو الحكم العام على ابن وهب، فهل من قيود على هذا العموم؟ سئل الإمام أحمد عن ابن وهب، فأثنى عليه بقوله: ما أصحّ حديثه، وأثبته! قيل له: أليس كان يُسيء الأخذَ - يعني التحمّل؟- قال: قد كان يسيء الأخذ، ولكن إذا نظرتَ إلى حديثه، وما روى عن مشايخه؛ وجدته صحيحاً ( ). ويحسن تفسير سوء أخذ ابنِ وهبٍ بهذين النصّين من كتاب العلل. قال عبدالله بن أحمد في كتاب العلل: سمعت أبي يذكر عن بعض أصحابه قال: جاء عبدالله بن وهبٍ المصري إلى سفيان بن عيينة فقال له: ابن أختي - أو ابن أخي- الذي عرض عليك أمسِ الأحاديث، أرويها أنا عنك ؟! قال أبي: بلغني أنه لم يكن يدخل في تصنيفه من تلك شيئاً( ). وقال – يعني أحمد - ورأيت عبدالله بن وهب بمكة؛ رجلاً خفيف اللحية. قال أبي: فذكرت أنه كان يُعْرَض له على ابن عيينة وهو نائم؛ فتركته! قال أبي: وبلغني أنه كان لا يُدْخِل في مصنفه من ذاك العَرْض شيئاً. قال أبي: ثم كتبت بعدُ عن رجلٍ، عنه!( ). وقد فسّر سعيد بن منصور الخراساني الحافظُ سوءَ أَخْذ ابن وهب بمثل ما فسّره أحمد، فقال: رأيت ابنَ وهب في مجلسِ ابن عيينة نائماً، وابنُ عيينة يحدّث، ورأيته مرة ومعه غلام أسود جالساً في ناحية، فإذا انتهى مجلسُ ابن عيينة؛ أمر غلامه بنسخ الأحاديث التي أملاها الشيخ! وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتاً، وكان يدلّس! وقال أحمد: في حديث ابن وهب عن ابن جريج شيء؟! وقال أبو عوانة الإسفرايني: صدق؛ لأنه يأتي عنه بأشياء، لا يأتي بها غيره!( ). ونقل ابن عدي عن ابن معين قوله: ليس بذاك! قال الذهبي: أكثر في تواليفه من المقاطيع والمعضلات، وأكثرَ عن ابن سمعان وبابته. وقد تمعقل بعض الأئمة على ابن وهب في أخذه للحديث، وأنه كان يترخص في الأخذ! وسواء ترخص ورأى ذلك سائغاً، أم تشدّد! فمن يروي مئة ألف حديث ويندرُ المنكرُ في سَعة ما روى؛ فإليه المنتهى في الإتقان( ). هذه كلها قيودٌ توجب على الناقد التوقّفَ في حديث عبدالله بن وهبٍ لاختباره ومزيداً من التريّث في قبول مفاريده، وهذا منها. ناهيك عن تخريج ابن وهب هذا الحديث في كتاب الرجال، وليس في واحد من مصنفاته الحديثية !؟ (2) سعيد بن أبي أيّوب الخزاعي-مولاهم- المصري، أبو يحيى بن مقلاص، ثقة ثبت من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومائة، وقيل: غير ذلك، وكان مولده سنة مائة (ع) قاله الحافظ في التقريب (2247). وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتاً. وقال ابن معين: ثقة. وفي سؤالات أبي داود؛ أجاب الإمام أحمد، أنه ثقة! وقال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به. وترجمه ابنُ حبان في أتباع التابعين، ثم أعاد ترجمَته في تبع أتباع التابعين؛ لأنه ليس له عن تابعي سماع صحيح، كما قال! وقال البخاري وابن حبان: مات سنة تسع وأربعين. وقال ابن حبانُ في موضع آخر من الثقات، وابنُ يونس: توفي سنة إحدى وستين، أو أول اثنتين وستين ومائة. قال ابن يونس: والأصح الأول، وذكر أنه ولد سنة مائة( ). وقد سئل الدارقطني عن حديث يرويه عبيدالله بن أبي جعفر المصري، عن سالم الجيشاني، عن أبي ذرّ، فقال: اختلف عن جعفر: - فرواه سعيد بن أبي أيوب عن عبيدالله بن أبي جعفرٍ، عن سالم، عن أبيه، عن أبي ذرّ. - وخالفه عبدالله بن لهيعة، فرواه عن عبيدالله، عن مسلم بن أبي مريم، عن أبي سالم الجيشاني، عن أبي ذرّ والله أعلم بالصواب( ). قلت: يبدو لي أن الدراقطني لا يرىَ سعيدَ بن أبي أيوب أحفظ من ابن لهيعة، وإلا لرجّح رواية سعيد على روايته، وما فوّض! وسئل الدارقطني عن حديثٍ يُروى عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن أبي هريرة مرفوعاً: (من وقاه الله شرّ ما بين لحييه، وما بين رجليه؛ دخل الجنة)( ) فقال: «يرويه محمد بن عجلان، واختلف عنه: - فرواه خالد بن الحارث، وأبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن أبي حازم عن أبي هريرة. - ورواه سعيد بن أبي أيّوب عن ابن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي صالح عن أبي هريرة. وقيل: عن أبي سعيد الأشج، عن أبي خالد، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة ولا يصح هذا»( ). قلت: هذا دليل على أنّ الرجل لا بأس به، كما قال أحمد وأبو حاتم، وفي حفظه شيء! يضـاف إلى هذا أن للرجـل شيوخـاً ضعفـاء من أمثــال روح بن صــلاحٍ( ) ومحمــد بـن سعيــد الأزدي الشــامي المصلــوب في الزنـدقة( ) وزبّان بن فائد( ) وعبدالقدوس بن حبيب المتهم بالوضع( ). وله شيوخ مجهولون كثر منهم: ثعلبة الأسلميّ( ) وأبو عبدالله القرشي( ) وحمّاد بن عثمان( ) وحميد بن مسلم( ) وزياد مولى معيقيب( ) وسعد بن إبراهيم بن معقل اليمانيّ( ) وعيسى بن سعيد الدمشقي( ) ومحمد بن أبي شيبة أبو عمرو المصري( ) ومحمد بن عبدالرحمن الأنصاري( ) وأبو إبراهيم المصري الراوي عن نافع( ) ويزيد بن عبدالعزيز الرعيني( ) وغيرهم. أضف إلى هذا، أن هذا الراوي ترجمه الخطيب البغدادي في كتابه «الموضح لأوهام الجمع والتفريق» فهو يحتاج إلى دراسة استقرائية تطبيقية، تعيّن شخصيّته من بين المتشابهين، ثمّ تبرز منـزلته الحديثية، وتقوَّم مروياته في كتب السنّة( ). فمثل هذا الراوي الثقة الثبت-كما وصفه ابن حجر- لا يجوز أن نتعامل مع مفاريده، إلا في إطار التطبيق الواقعي عند أصحاب الصحاح، مهما كثرت عبارات المدح العالية فيه. وقد سبرتُ تخريجات الأئمة الستة لأحاديث سعيد بن أبي أيّوب، فما وجدتهم رووا له حديثاً بهذا الإسناد الذي انفرد بتخريجه أبو داود، وعقّب عليه بعلّة سيأتي الحديث عنها. بل لم يرو أصحاب الكتب الستة من رواية ابن وهب عن سعيد، عن شراحيل أيّ رواية سوى رواية أبي داود هذه. وليس لعبدالله بن وهب عن سعيد بن أبي أيّوب إلاّ رواية واحدة عند البخاري (5992) وروايتان عند مسلم (2552) وقرنه في الثانية (384) بحَيوة بن شريح. فنحن عندما نقول: سعيد بن أبي أيّوب من رجال الشيخين، أو من رجال البخاري، أو من رجال مسلم؛ فهذا صحيح لكن على النحو الذي خرّج له البخاري ومسلم، وليس مطلقاً. ومن المناسب أن نقول: - خرّج أبو داود من رواية عبدالله بن وهب عن سعيد أربعة أحاديث (3342- 3851- 4291- 5121) وقرنه في روايتين أخريين (2498- 4720). - وخرج له النسائي في المجتبى من رواية عبدالله بن وهب عن سعيدٍ حديثاً واحداً (4365) أخرجه في الكبرى أيضاً (4455) وأخرج له فيها ثلاثة أحاديث أخر (6894- 10701- 10117). - وأخرج ابن ماجه من رواية عبدالله بن وهب عن سعيدٍ حديثين (3285- 4186). - أما الترمذي فلم يخرّج من حديث عبدالله بن وهب عن سعيدٍ شيئاً البتة ! (3) شراحيل بن يزيد المُعافري المصري: صدوق من السادسة، مات بعد العشرين ومائة (عخ مق د) قاله الحافظ في التقريب (2763). وقال الذهبي في الكاشف (2255): ثقة! وقال المزيّ: روى عن أبي قِلابةَ عبدالله بن زيد الجرمي، وأبي عبدالرحمن عبدالله بن يزيد الحُبُلّي، وعبيد بن عمرو الأصبحي، ومحمد بن مسلم بن حاجل، ومحمد بن هدية الصدفيّ (عخ) ومسلم بن يسار الطنبذي (مق) وأبي علقمة الهاشمي المصري (د). وروى عنه: حَيوةُ بنُ شُريح، وأبو الأشيم رجاء بن أبي عطاء المعافري، ورشدين ابن سعدٍ، وسعيد بن أبي أيوب (د) وعبدالله بن لهيعة، وأبو شريح عبدالرحمن بن شريح الإسكندراني (عخ مق). قال المزّي: «روى له البخاري في خلق أفعال العباد حديثاً، ومسلم في مقدمة كتابه حديثاً، وروى له أبو داود حديثاً، وقد وقع لنا كلّ واحد منها بعلوّ». وساق في ترجمته أحاديثه الثلاثة( ). أقول: لم أقف لناقد من النقاد المتقدّمين على كلمةِ جرحٍ، أو كلمة تعديل في هذا الراوي، ولو وجد المزيّ شيئاً سوى قوله: ذكره ابن حبان في الثقات؛ لذكره! وتوثيق الذهبيّ وابن حجر متأخّرٌ جدّاً عن عصر الرواية. وليس له في الكتب الستة إلاّ حديثُ الباب عند أبي داود، وحديثٌ في مقدمة صحيح مسلم (7). ومن المعروف أن رواة مقدمة مسلم لا يُعَدّون في رواة صحيح مسلم بشروط الصحة، فلا يصحّ أن يقال: شراحيلُ على شرط الصحيح!؟ ويحسن أن أشير إلى أن دعوى رواية البخاري عنه في خلق أفعال العباد؛ فيها نظر حسب ما بين أيدينا من رواية هذا الكتاب، فقد أخرج المزيّ بسنده هذا الحديثَ من طريق محمد بن الحسن البلخي قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا عبدالرحمن ابنُ شريح المعافري قال: حدثنا شراحيل بن يزيد عن محمد بن هديّة، عن عبدالله بن عمرو بن العاصي. والحديث بالسند نفسه في مسند أحمد( ). والذي في خلق أفعال العباد المطبوع، قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن: حدثنا عبدالله -يعني ابن المبارك: حدثنا عبدالرحمن بن شريح المعافري: حدثني شراحيل بن ماهان عن عقبة بن عامر، عن النبي به. فهل شراحيل بن ماهان هو نفسه شراحيل بن يزيد؟ وإذا كان هو نفسه، فهل هو الذي روى الحديث مرّةً عن عبدالله بن عَمرٍو، وأخرى عن عقبة بن عامرٍ؟ قلت: لم أقف على من نصّ بأنّ لهذا الحديث إسنادين، فإن كان الأمر كذلك؛ فبها ونعمت! وإلاّ فيصعب القولُ أن يكون وقع اشتباه من أحد النسّاخ أو الرواة بين شراحيل بن يزيد، وشراحيل بن ماهان، وبين عقبة بن عامر وعبدالله بن عمرٍو فالله تعالى أعلم! وقد أخرجت كتب السنة لشراحيل بن يزيد حديثاً عند أحمد في مسنده، وحديثاً آخر في معجم الطبراني الأوسط ( ). والحديث الذي نسبوه إلى البخاري في خلق أفعال العباد (ص: 118) لا يُفْرح به حتى لو كان لشراحيل بن يزيد؛ لأنه من رواية شراحيل بن ماهان عن محمد بن هـديّة الصدفي، وهو مجهول! قال الحافظ في اللسان: لا يعرف( ). والخلاصة أن شراحيل روى عن جمعٍ، وروى عنه جمعٌ، ولم يصحّ أيّ حديث له، ولم يجرحه ولم يوثقه من المتقدّمين أحدٌ؛ فهو مجهول الحال، لا صدوقٌ، كما قال الحافظ، ولا ثقةٌ كما قال الذهبي، والله تعالى أعلم!؟ 4- أبو علقمة الفارسي المصري مولى بني هاشم، ويقال: مولى ابن عباس ويقال: حليف بني هاشم قال الحافظ: ثقة، وكان قاضي إفريقية، من كبار الثالثة (زم4) التقريب (8262). وفي كتاب «الكنى» للبخاري (513): رُوي عن محمد بن الحارث أنه قال: قدم رجل يقال له: أبو علقمة حليف بني هاشم، فذهبت إليه أنا وعليٌّ الأزديُّ فكان مما حدثنا قال: سمعت أبا هريرة يقول: وذكر حديثاً في أشراط الساعة. وقد نقل المزي وابن حجر عن أبي حاتم قوله: أحاديثُه صحاح. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وقال ابن يونس: كان على قضاء إفريقية، وكان أحد الفقهاء المَوالي الذين ذكرهم يزيد بن أبي حبيب. وقال البرقاني: سئل الدارقطني عن حديث يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، فقال: أبو علقمة، لا يعرف اسمه، ولا مَن هو، ولكن يخرّج هذا الحديث اعتباراً، وقد حدّث الأئمة عن يعلى بن عطاء( ) [يعني هو مجهول العين!]. قلت: ولأبي علقمة عند مسلم حديثان من رواية يعلى بن عطاء، عنه، عن أبي هريرة (416، 1845) وحديث من رواية صالح أبي الخليل عن أبي علقمة، عن أبي سعيد الخدري (1456) وقد تقدم قول الدارقطني قريباً « لا يعرف اسمه، ولا مَن هو» فكن على ذُكْر من هذا‍ ! ولم يخرج البخاريُّ، ولا ابنُ حبان الذي ترجمه في الثقات له شيئاً! وخرّج له ابن خزيمة حديثاً واحداً (1597). وخرّج له الترمذي متابعةً واحدةً معلّقةً عن أبي سعيد الخدري (1132) وحديثاً آخر من رواية قتادة وعثمان البتّيّ عنه، عن أبي سعيدٍ أيضاً (3016، 3017). ولم يخرج له من حديث أبي هريرة شيئاً. وخرّج له ابنُ ماجه حديثاً من روايته عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر مرفوعاً في المقدمة (235) فحسب ! وخرج له النسائي ثلاثة أحاديث مكررة في المجتبى (1345- 3333- 5509- 5510- 5511) وفي السنن الكبرى له (1277) و(5491- 5492) و(7946- 7947- 7948) و(11096). وخلاصةُ حالِ الرجل أنه لم يُجْرح، وروى عِدَّة أحاديث في الترغيب بالذكر والتسبيح، وفي الترهيب من فتن آخر الزمان، فاحتملها العلماء منه، وجميعهم سوى أبي داود، لم يخرجوا من رواية شراحيل بن يزيد عنه شيئاً! فالرجل مقبول في الترغيب والترهيب على جهالته- كما قال الدراقطني، أو جهالة حاله في أحسن الأحوال. أما الوثاقة التي منحه إياها ابن حجر، فلا أعلم مستندها ! المعلم الخامس موقف العلماء من حديث التجديد يحسن تناول موقف العلماء من تصحيح هذا الحديث وتضعيفه في مسألتين: المسألة الأولى: العلماء الذين احتجّوا بالحديث وصححوه: وقفت على كثيرين ممّن صحح هذا الحديث صراحة أوضمناً، فقد استدركه الحاكم على الشيخين ساكتاً عليه، ومقتضى استدراكه؛ تصحيحُه، ومن ثمّ قالوا: صححه الحاكم. وقد ساقه البيهقي في طليعة كتابه معرفة السنن والآثار مساقَ الاحتجاج به في فضل الإمام الشافعي، وعدّه صحيحاً( ) وفرّع عليه أبو العبّاس ابن سُرَيْج، وأبو الوليد حسّان بن محمد الفقيه الشافعيّ( ) والحاكم النيسابوري في المستدرك( ) وابن الأثير في جامع الأصول( ) وأبو عمرو ابن الصلاح في فتاواه( ) والذهبيُّ في تذكرته وفي النبلاء( ) وأبو الفضل العراقي( ) وابن قيّم الجوزيّة( ) والتاج السبكي في الإبهاج( ) وابن كثير في نهايته( ) وسكت عليه ابنُ حجرٍ في الفتح( ) بينما احتجّ به وقوّاه في توالي التأسيس( ) وصحّحه الحافظ السخاوي وأشار إلى أنه يَظنُّ المسيح أو المهديّ؛ هو المجدد على رأس المائة التاسعة( ) والسيوطي في الجامع الصغير، ورسالته «التنبئة» وحاشيته على سنن ابن ماجه ونقل اتّفاق الحفاظ على تصحيحه( ) وصححه العجلوني في كشف الخفاء( ) وقد تابعهم صاحب عون المعبود ( ) ووافقهم من المعاصرين الشيخ الألباني ( ) وغيرهم. وقد نسبوا إلى الإمام أحمد أنّه صححه، واحتجّ به أبو عبدالله الحطّاب المالكي( ). ونقل غير واحد أنّ الأئمة اعتمدوه وقبلوه! بل ذهب الحافظ ابن حجر إلى أنّ الإمام أحمد مسبوقٌ في اعتماده وتصحيحه، فقال: " وقد سبق أحمدَ ومن تابعه إلى عدِّ عمر بن عبدالعزيز في المائة الأولى؛ الزهريُّ! فأخرج الحاكمُ من طريق أحمد بن عبدالرحمن بن وهب، عقب روايته عن عمّه، عن سعيد بن أبي أيوب للحديث المذكور؛ قال ابن أخي ابن وهب: قال عمي: عن يونس، عن الزهري أنه قال: «فلما كان في رأس المائة؛ منَّ الله على هذه الأمة بعمر بن عبدالعزيز». قال الحافظ ابن حجر: «وهذا يشعر بأن الحديث كان مشهوراً في ذلك العصر، ففيه تقوية للسند المذكور، مع أنه قوي لثقة رجاله»( ). قلت:لم أجد في طبعتَيْ المستدرك هذا النصّ الذي نسبه الحافظ ابن حجر إليه فلعلّه في كتاب آخر للحاكم، وما قاله الحافظ من نقد؛ يأتي الكلام عليه قريباً. المسألة الثانية: العلماء الذين انتقدوا الحديث وأعلّوه: لم أقف على من صرّح بتضعيف هذا الحديث صراحة، بيد أنّ عدداً ممّن أخرجه أشاروا إلى تعليله. وسوف أذكر ما وقفت عليه من ذلك، ثمّ أقوم بنقده حسب منهجنا المختار في نقد الأحاديث، ذات الأثر الكبير في حياة الأمّة. - العلّة الأولى: الاختلافُ على شراحيل. فقد أشار إليها الحافظ أبو داود السجستاني عقب تخريجه الحديث بقوله: «رواه عبدالرحمن بن شريح الاسكندراني، لم يَجُزْ به شراحيل!» وهو يريد أن يقول: إنّ هذا الحديث رواه عن شراحيل بن يزيد راويان هما: سعيد بن أبي أيّوب، وعبدالرحمن بن شريح. فأسنده سعيد بن أبي أيّوب إلى النبيّ ، بينما قطعه عبدالرحمن بن شريح على شراحيل قوله! وهذا يدخل في باب تعارض الرفع والوقف بالمعنى الأعم! لكنّ المنذري فهم أنّ الحديثَ مُعضَل، لا مَقطوعٌ على شراحيل، إذ إنّ عبدالرحمن بن شريح أسقط منه راويين على التوالي هما: أبو علقمة وأبو هريرة! وهذا هو حدّ المعضل من الحديث( ) ومفاد كلام المنذري أنّ عبدالرحمن بن شريح رواه عن شراحيل، عن النبيّ. ولست أدري كيف ينسجم هذا الفهم مع تصريح أبي داود، أنّ عبدالرحمن لم يجاوز به شراحيل؟! أقول: إنني لم أقف على رواية عبدالرحمن هذه؛ حتى أستطيع الجزم بصحة هذا الفهم أوخطئه، بيد أنّ ظاهر كلام أبي داود يدل على أن عبدالرحمن جعل الحديث مقطوعاً على شراحيل! وعلى كلّ حال فإنّ النتيجة متقاربة في التعليل، وتوضيح ذلك أنّ الحديث في نظر أبي داود يدور على شراحيل، واحتلف عليه فيه: - فرواه سعيد بن أبي أيوب عنه بإسناده موصولاً مرفوعاً إلى النبيّ. - بينما رواه عبدالرحمن بن شُرَيح المعافري عنه، مقطوعاً عليه، من قوله،كما نفهم نحن، أو مرفوعاً معضلاً بسقوط راويين من سنده،كما هو ظاهر كلام المنذري! وإشارةُ الطبراني وابن عدي إلى تفرّد عبدالله بن وهب برواية هذا الحديثِ؛ تحتمل أمرين: الأول: عدم اطّلاع هذين الحافظين ومن تبعهما على رواية عبدالرحمن بن شريح، التي أشار إليها أبو داود، والتي لم أتمكّن من الوقوف عليها أيضاً! والثاني: أن يكون هذان الحافظان قد حمّلا ابنَ وهب مسؤوليّة إسناد الحديث، إذ جميع رواته عنه، يروونه مسنداً موصولاً، فهو الذي أسنده وحده، وفي كتاب الرجال، وليس في كتب الرواية! بينما هو معضل، أو مقطوع على شراحيل. يضاف إلى هذا كلّه أن دعوى قبول زيادة الثقة، ليس مطلقاً، وقد أوضحت ذلك في موضع آخر من كتبي، وللعلماء في قبول زيادة الثقة ضوابط منها: - أن يكون من دار عليه الحديثُ ثقةً حجة ضابطاً، وههنا مدار الحديث على راوٍ مجهول الحال! - إذا كان الرواة عن الشيخ - مدار الحديث- قد اختلفوا على شيخهم، فإما أن يكونوا هم أحفظَ منه، أم لا! فإن كانوا أحفظَ منه؛ فيكون الاختلاف على الشيخ من اضطرابه وسوء حفظه؛ فلا يقبل حديثه. وإن كان هو أحفظَ من تلامذته؛ دلّ هذا على اضطراب التلامذة في حفظ الحديث، وعندها نلجأ إلى الترجيح! وفي حديثنا هذا، فإن شراحيل صدوق عند الحافظ، وكلّ من الراويين عنه ثقة ثبت، فمقتضى هذه القاعدة أن الشيخ شراحيل مضطرب اضطراباً لا مخرج عنه. وقد نصّ الذهبيّ في ترجمة عليّ ابن المدينيّ أنّ الصدوق إذا انفرد بما لا يعرف إلاّ من طريقه؛ كان حديثه منكراً مردوداً! ( ). هذا لو سلّمنا بأن الرجل صدوق، بينما هو مجهول الحال، قليل الحديث! وقد تقدّم الكلام في سعيد بن أبي أيّوب، الذي وصل ابن وهبٍ الحديث من طريقه. وبقي أن نعرّف بعبدالرحمن بن شريح الاسكندراني. فأقول: أكثر من ترجم عبدالرحمن بن شريحٍ؛ جعلوه في حيّز الثقة، وبعضهم جعلوه: لا بأس به، منهم أبو حاتم الرازي والنسائي، وهذا هو الذي ارتضاه الباجي في رجال البخاري؛ فلم ينقل غيره! وقال الحافظ في التقريب (3892) : ثقة فاضل( ) وقد ترجمه ابن سعد في طبقاته فقال: «كان منكر الحديث»!( ). وهذا الذي قاله ابن سعد؛لم يرتضه الحافظ، فقال في التهذيب: «ضعفه ابن سعد وحده» وقال في التقريب: «لم يصب ابن سعد في تليينه!» بينما اعتّد تلميذه السخاوي بكلام ابن سعد، وعدّ قوله فيه: منكر الحديث سبباً في تضعيفه روايةَ الإعضال هذه، وترجيحِ روايةِ الاتّصال عليها( ). وأنا لا أريد أن أطوّل في مناقشة هذه العلّة؛ فقد تبين لنا أنّ رواية الاتّصال ذاتها فيها علل شتّى، لكنني أريد أن ألفت النظر إلى الأمور الآتية: أ- إنّ قيد منكر الحديث الذي قاله ابن سعد؛ لايصحّ أن يهمل أبداً؛ لأنّ ابن سعد واحد من علماء الحديث، ولا يطلق مثل هذا الجرح الكبير جزافاً! ب- نقل العلائي وابن حجر عن أبي حاتم قوله في عبدالرحمن بن شُرَيح: «لا أظنّه أدرك شراحيلَ!». وأقلّ ما يفيده قولُ ناقدٍ مثل أبي حاتمٍ؛ هو التوقُّفُ في روايات عبدالرحمن بن شريحٍ عن شراحيل! ج- لمّا كان سعيد بن أبي أيوب، وعبدالرحمن بن شريح كلاهما ثقة في الجملة وأوثق وأعرف بالعلم من شراحيل بن يزيد؛ دلّ هذا على اضطراب شراحيل في حديثه، فأقلّ ما يلزمنا؛ هو التوقفُ لاستجلاء الموقف، والبحث عن متابعة أو شاهد تنهض بهذا الجانب من شقّي الاضطراب، أو ذاك! وعلى هذا، فسواء أدرك عبدُالرحمن شراحيلَ، أم لم يُدْركه، وسواء كان هو أرجحَ من سعيد بن أبي أيّوب، أم العكس، وسواء انفرد ابن سعد في تضعيفه، أم تابعه غيره، فالرجل ليس في مقام من يُقبل منه مفاريده، التي لم يُعرفْ معناها – فضلاً عن ألفاظها- إلاّ من طريقه، وهذا منها! العلّة الثانية: أشار أبو داود إلى شكّ أبي علقمة في وقف الحديث على أبي هريرة، أو رفعه إلى النبيّ فقال المنذري: «لم يجزم برفعه!» وقال في عون المعبود معقّباً: «نعم! ولكن هذا لا يقال من قبل الرأي، إنّما هو شأن النبوّة، فتعيّن كونه مرفوعاً إلى النبيّ". قلت: إنّ هذه المسألة شائكة جدّاً، والقول بظاهرها؛ يقود إلى أن نجعل جميع ما يبعد عن فهمنا الأوّلي ممّا نسب إلى السلف مرفوعاً إلى النبيّ  وهذا غير مقبول البتة؛ لأسباب كثيرة منها: الأول: أن هذا القول مخصوص بما فيه حكم شرعيّ من حلال وحرام ونحو ذلك. وحديث الباب ليس من هذه البابة في شيء ( ). - الثاني: أن هذا القول عند قائليه مخصوصٌ فيمن لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب، أو لم يقرأ تواريخهم، والعبادلة الأربعة، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدريّ وغيرهم؛ كانوا ممن جالس كعباً ونقل عن أهل الكتاب، بل إنّ أبا هريرة كان يكثر الحديث عن أهل الكتاب، إلى درجة أن بعض تلامذته ما كان يميّز بين ما يحدّثهم عن أهل الكتاب، وما يحّدثهم عن النبيّ. فقد أخرج الحافظ ابن عساكر من حديث بكير بن الأشج، عن بسر بن سعيد المدني العابد قال: «اتّقوا الله وتحفّظوا من الحديث، فو الله لقد رأيتُنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ويحدّثنا عن كعب الحبر، ثمّ يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله»( ). - الثالث: أن هذا الحديث لا يعرف مثله ولا نحوه عن صحابي آخر، وأبو هريرة ليس في مَقام من تقبل أحاديثه مطلقاً، فقد نصّ السرخسي على أن القياس مقدّم على روايته فيما ينسدّ فيه باب الرأي ( ) وهذا منه! - العلّة الثالثة: أشار ابن عديّ إلى علّة أخرى لعلّها أشدّ من جميع ما سبق من العلل، وهي قوله عقب تخريج الحديث: «وهذا الحديث لا أعلم يرويه غيرَ ابن وهبٍ عن سعيد بن أبي أيوب، ولا عن ابن وهب غيرَ هؤلاء الثلاثة؛ لأنّ هذا الحديث في كتاب الرجال لابن وهب، ولا يرويه عن ابن وهب إلاّ هؤلاء ». أقول: إنّ لابن وهب كتاباً في التفسير، وله الموطأ الصغير، والجامع، كما تقدم. فإذا كان هذا الحديث صحيحاً عنده، فلماذا يخرّجه في واحد من كتبه في الرواية، وخرّجه في كتاب الرجال الذي يودع المصنّفون فيه أغرب أحاديث الراوي المترجَم وأشدّها نكارة؟ ومن المعلوم لدى طلبة العلم؛ أن عدمَ وجود الحديث في الكتب الحديثية المعتمدة قرينةُ عدمِ صحّته، بل ربما قرينة وضعه! بقي أن أشير إلى حجج الشيخ ناصر الألباني في تصحيح هذا الحديث في سلسلته الصحيحة (599) فأقول: أورد الشيخ ناصر رحمه الله تعالى ثلاث حجج تدعم تصحيحه لهذا الحديث: الحجة الأولى: إشارة الإمام أحمد إلى تصحيح الحديث، فقد ذكر الذهبي في النبلاء عنه أنّه قال: «إنّ الله يقيّض للناس في رأس كلّ مائة سنة من يعلّمهم السنن وينفي عن رسول الله الكذب». قال: «فنظرنا فإذا في رأس المائة الأولى عمر بن عبدالعزيز، وفي رأس المائتين الشافعي» ( ). قال عداب: ونظير قول أحمد هذا، ما قرّره الحافظ في الفتح، ونقله عن الإمام النووي من أنّ حمل هذا الحديث على العموم أولى، فلا يلزم أن يكون على رأس المائة مجدد واحد، بل يمكن أن يكون ثمة مجددون في كلّ فنّ، وفي كلّ مصر أيضاً. قال الحافظ: «فعلى هذا؛ كل من كان متصفاً بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدّد، أم لا»( ) وهذا مصيرٌ من ابن حجر والنووي إلى تصحيح الحديث، وإلاّ لما كان لتفريعهما معنى، بل إنّ الحافظ ابن حجر أشار إلى أنّه صنّف رسالة في تخريج هذا الحديث، لكن الحافظ السيوطيّ نصّ على أنّه لم يقف عليها! وقد نقل غير واحد تصحيحَه هذا الحديث كما تقدّم! ومهما يكن من أمرٍ، ففي دعوى تصحيح أحمد للحديث عندي نظر! ولو كان الحديث عنده صحيحاً؛ لأخرجه في مسنده، بل لو كان عنده من شرط المسند الذي أودع فيه كلَّ حديثٍ مشهورٍ –على حدّ قوله- لأودعه فيه! فقد جاء عنه من طرق أنه قال لابنه: «كل حديث لا تجده في هذا المسند؛ فليس من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم»( ). علاوة على أنّ أحمد احتجّ على تقديم رأي الشافعي على رأي غيره، بأن الشافعي عالم قريش، وأنه يملأ طباق الأرض علماً، وهو حديث لا يثبت من جهة الإسناد، والشيخ الألباني نفسه يُضعّف هذا الحديث، فما الفرق؟ والذي يظهر لي أن الإمام أحمد نظر إلى الحديثين في إطار أحاديث المناقب المرغبة والمرهبة، ولا أظنه كان يخطر في باله، أن الناس في أيامنا هذه، سوف تجعل من هذا الحديث معتقداً تدين اللهَ تعالى به!؟ ولو سلَّمنا بنسبة تصحيح هذا الحديث إلى أحمد ، فكم من حديث صححه أحمد؛ قد ضعفه نقّاد الحديث من معاصريه وبعده، وكم من مئاتِ الأحاديث، التي ضعفها الشيخ الألباني وغيره؛ موجودةٌ في مسنده! فكيف برواية عامّة تحتمل وتحتمل!؟ الحجة الثانية: ما ذكره الألبانيُّ من أن الاختلاف على شراحيل لا يعد علّة؛ لأن الواصل ثقة ثبتٌ، وزيادة الثقة يجب قبولها. وقد تقدمت الإجابة على هذه الدعوى، في عرض العلّة الأولى! الحجة الثالثة: حكم الألبانيّ أن السند صحيح، رجاله ثقات، رجال مسلم( ). وهذه الحجة هي الأخرى لا تصلح دليلاً على صحة السند، والإمام مسلم خرّج لشراحيل حديثاً واحداً في مقدمة صحيحه، وما كان أحوجه إلى تخريج حديث الباب هذا في موضعه؛ لو كان عنده صحيحاً من روايته أو من رواية غيره! ولا يقال: إنه لم يشترط استيعاب الصحيح؛ فهذا قد يجوز أن يقال في الأبواب التي تكثر فيها الأحاديث، أما الأبواب التي لا توجد فيها أحاديث صحيحة عديدة؛ فقد وجدنا سائر أصحاب الصحاح يخرّجون عن المتكلَّم فيهم، وعن المستورين ينتقون من أحاديثهم ما يرون أنّه أصلح من غيره لحاجتهم إليه! وهذه سُنّةٌ محتاج إليها، وقد كانت بين يدي مسلمٍ، فلِمَ أعرض عنها، من غير وجود بديلٍ لديه. إضافة إلى أن مسلماً خرّج عمن هم دون شراحيل، لكن بسياقات واعتبارات خاصة! فهل وجود الضعيف، والمخلّط، ومجهول الحال، والوحدان في رواة مسلم؛ دليل على أن هؤلاء الرواة من شرطه، أو أنّه دليل على تخريجه لهم باعتبارات ترجحت لديه!؟ ومهما يكن من أمر، فالحديث هذا حاله من جهة الإسناد، ضعف في بعض رواته، وجهالة حال بعضهم، واضطراب بعضهم في سياقته، واختلاف بعضهم في رفعه وقطعه، أو في وصله وإعضاله، إضافة إلى أنّ راويَه الوحيد ابنَ وهبٍ -فيما بين أيدينا من مصادر- لم يرَ حديثَه هذا صالحاً ليخرِّجه في واحد من مصنّفاته في السنّة، وإنّما خرّجه في كتابه في الرّجال. وكأنّ معناه استهوى الإمام أحمد ابن حنبل وبعض تلامذته، فراح أخّص تلامذته أبو داود السجستاني، فخرّج الحديث في سننه! وبناءاً على ما تقدّم أقّرر بأنّ الحديث ضعيف واهي الإسناد، وسوف تأتي مناقشة متنه توّاً. عمليّة التوازن التشريعي: وأما من جهة المتن: فلو نظرنا على المستوى السياسي؛ لما وجدنا مجدداً لهذا الدين عاماً، ولا خاصاً على رؤوس المئين، ولا في أوساط القرون! ولو نحن سلّمنا بأن عمر بن عبدالعزيز مجدِّدٌ عام، فمن المجدد السياسي الآخر في فترة تجديد الشافعي جانب السنن؟ أكان الأمين، أم المأمون، أم الواثق؟ ومن كان على رأس المائة الثالثة، المقتدر، الذي كانت تتلاعب به أهواؤه وشهواته؟ ومن كان على رأس المائة الرابعة، والخامسة؟ ولقد حكم آل عثمان أكثر العالم الإِسلامي، فمن كان منهم يعد في المجدّدين؟ ونحن الآن في الربع الأول من القرن الخامس عشر الهجري، فأين المجدد العلمي وأين المجدد السياسي؟ إن الأمة في مطالع القرن الخامس عشر الهجري؛ في أمس الحاجة إلى المجـددين ، ونحن لا نرى فيمن حولنا، وما حولنا عالماً على مستوى الاجتهاد ولا حاكماً على مستوى العدل والقوة والاقتدار، وإنما تعيش الأمة الصراع الفكري، والسياسي، بل والنفسي في أقبح صوره! لكل ما سبق أقرّر مطمئنا أن هذا الحديث ضعيفُ الإسناد، منكر المتن، ويَرجُح عندي أنه من قول شراحيل، والله تعالى أعلم، والحمدُ لله ربّ العالمين. هذا وصلّى الله على سيّدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً . والحمدُ لله ربّ العالمين