حَبْرَ الأُمَّةِ وَتَرْجُمَانُ القُرْآنِ وَرَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ إنّ الحديث عن «حَبْرَ الأُمَّةِ» و«تَرْجُمَانُ القُرْآنِ» عبد الله بن عباس رضي الله عنهما هو إبحارٌ في سفينة العلم والمعرفة، واستكشافٌ لربانيٍّ عاش بين الوحي والتنزيل، فصار بفقِهه بحراً لا تُكَدِّرُه الدلاء، وبأخلاقه جبلاً شامخاً في التسامح والنصح لكل مسلم. وفيما يلي وقفاتٌ بلاغيةٌ تُسلّط الضوء على محطاتٍ من حياته المباركة، من صباه المستضعف في مكة، إلى اعتلائه ذروة العلم والمكانة في قلوب الصحابة والأمة بأسرها. ولد ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانة البيت الهاشمي في عتمة الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، كالشهاب الذي يسطع في جلباب الليل. نشأ جميل المحيا، مديد القامة كالنخلة الباسقة، ومكتمل العقل كالقمر في ليلة تمامه، يجمع بين البهاء والوقار كأن الهيبة رداؤه والقبول حلته. عاش بداية أيامه مع أمه في مكة يعاني الاستضعاف؛ إذ يقول عن تلك المرحلة: «كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ»، فكانا كالزهرة الغضة التي تقاوم هجير الصحراء في انتظار غيث النصر. ثم كتب الله تعالى له صحبة النبي صلى الله عليه وسلم زهاء ثلاثين شهراً، فكان فيها كالظل الممدود لصاحبه، يستقي من نور النبوة كما تستقي الأرض العطشى زخات المطر. وفي ليلة بات فيها في بيت خالته ميمونة رضي الله عنها، أعدَّ للنبي صلى الله عليه وسلم طهورَه، فبادره الرسول الكريم بدعاء كان كالمفتاح لخزائن السماء: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ وَفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». فتفتحت له أبواب الفهم، وصار عقله المشكاة التي لا يخبو نورها. بل إن جبريل عليه السلام حين رآه عند النبي صلى الله عليه وسلم بشر به قائلاً: «إِنَّهُ كَائِنٌ هَذَا حَبْرَ الأُمَّةِ، فَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْراً»، فكانت هذه البشارة كالوسام الإلهي الذي يتوج هامته. لم يكن ابن عباس مجرد طالب علم، بل كان يسمى «البحر» لكثرة علمه واتساع أفقه؛ يفيض بالمعرفة كأن علومه أمواج لا تتوقف، ويستخرج درر التفسير من أعماق الآيات كما يستخرج الغواص الماهر اللآلئ المكنونة. ولهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا نزلت به النوازل وأهمه الأمر، يدعوه ويقول له: «غُصْ غَوَّاصُ!»، فيغوص ابن عباس في نصوص الوحي بمشكاة فهمه الذكي، ليخرج للأمة بالقول الفصل والرأي السديد، ولم تكن تلك الحصانة العلمية والهيبة الهاشمية لتنزع من قلبه التواضع والنصح للأمة؛ بل كان قلبه كالغيمة الماطرة التي تسع الناس جميعاً بالخير والمحبة. وحين سابه رجلٌ يوماً، لم يقابل السيئة بمثلها، بل أطلق كلماته الناصعة كاللؤلؤ قائلاً: «إِنَّكَ لَتَشْتُمُنِي وَفِيَّ ثَلَاثُ خِصَالٍ: إِنِّي لَآتِي عَلَى الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى فَلَوَدِدْتُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ مِنْهَا مَا أَعْلَمُ، وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْحَاكِمِ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ يَعْدِلُ فِي حُكْمِهِ فَأَفْرَحُ بِهِ وَلَعَلِّي لَا أُقَاضِي إِلَيْهِ أَبَدًا، وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْغَيْثِ قَدْ أَصَابَ الْبَلَدَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْرَحُ بِهِ وَمَا لِي بِهِ مِنْ سَائِمَةٍ». فكان حلمه كالجبل الراسي لا تهزه نسائم العتاب، وحبه للخير كالشمس الشاملة التي تشرق على الجميع دون مقابل. وحين حانت السكتة الكبرى وانطفأ ذلك السراج المنير ورحل عن الدنيا، لم تكن وفاته مجرد رحيل رجل، بل كانت كغيم أفقٍ أظلمَ بعد ساطِعِ ضياء. فوقف محمد بن الحنفية -رحمه الله تعالى- بين الجموع والدمع يترقرق، لينعى هذا الأثر الخالد بكلمةٍ كانت كالصاعقة في وجدان الأمة إذ قال: «الْيَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ». رحل ابن عباس ورسخ في ذاكرة التاريخ كأنه شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تُؤتي أُكُلها كل حين بإذن ربها. وهكذا تطوى صفحةٌ من أنصع صفحات التاريخ، ورحلةُ رجلٍ لم يكن شاهداً على عصر النبوة والراشدين فقط، بل كان عيناً ترعى كتاب الله تعالى، وعقلاً يستنبط أسراره، وقلباً يفيض بحب المسلمين والنصح لهم. إنّ أثر ابن عباس -رضي الله عنهما- لم ينقطع بموته، بل ظلّ علمه بحراً يغرف منه العلماء، ومشكاةً يستضيء بها المفسرون عبر أطوار القرون؛ ليبقى «رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ» رمزاً خالداً للهمة العالية في طلب العلم، والتسامح الأصيل في المعاملة، والعمق الفريد في فهم الوحيين. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو g t u