الحِجَابُ بَيْنَ وَهْمِ الِاخْتِيَارِ وَيَقِينِ التَّكْلِيفِ في خضمّ التيارات الفكرية المعاصرة التي تسعى لتمييع الثوابت وإلباس الواجبات الشرعية ثوب الخيارات الشخصية، تضيع أحياناً بوصلة التربية الحقة في كثير من البيوت، وحين يتعلق الأمر بأعظم شعائر العفاف وأحكام الدين، يتسلل مفهوم خاطئ تحت غطاء القناعة الشخصية ليعطل فريضة الله تعالى في نفوس الناشئة، من هنا تتجلى خطورة الخلط بين التربية باللين والتفريط في التكليف، ليقف الوالدان أمام مسؤولية عظيمة إما أن تكون طوق نجاةٍ لأبنائهم، وإما باباً للتخلي عن أمانة الدين والمصير. كثيرًا ما يتردد على ألسنة بعض الآباء والأمهات منطقٌ هائم تحت لافتة "الحرية الفردية" و"الاختيار الشخصي"، فحين يُطرح أمر الحجاب تراه يقول متكئاً على وسادة الوهم: "إنما الحجاب بالقناعة، ولا أُريد أن أجبر ابنتي عليه"! وهذا قياسٌ مع الفارق، وتفريطٌ في الأمانة يشبه من يحمل ميزان الذهب ليوزن به خشبًا! إن الحجاب ليس وجهة نظر تُطرح على طاولة النقاش، ولا خياراً مفتوحاً في قائمة رغبات الفتاة، بل هو أمرٌ من حكيمٍ عليم؛ وإذا حكم الله تعالى ورسوله أمرًا، فما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ الخيرة من أمرهم. فإنك حين تأخذ ابنتك إلى مقاعد الدراسة صباحاً، هل تقف أمامها متردداً وتقول: "يا بنيتي، الدراسة اختيار، ولن أجبرك عليها إلا إذا اقتنعتِ بها"؟ وحين يعتلج المرض جسدها الصغير، هل تستشيرها في جرعة الدواء المرَّة وتقول لها: تناوليه عن قناعة، فإذا لم تقتنعي فلا تشربيه"؟! قطعاً لا! بل تسوقها إلى العلم سوقاً، وتُجرِّعها الدواء قهراً؛ لأنك أيقنتَ بقلبك أن هذا مصلحتُها في الدنيا، ومصلحتها التي لا تقبل المساومة. فيا عجباً! أتغار على مستقبل أيامٍ معدودات في دنيا فانية، وتترك مصيرها الأبدي في الآخرة عرضةً للرياح والأهواء؟ أهكذا يُعامل أمرُ الجنة والنار؟! إن الوقوع في هذا المحظور لا يقف عند حدود السكوت، بل يتعداه كارثياً حين يمد الأبوان أيديهما ليشتريا لابنتهما ملابس تفوح بمخالفة أمر الله تعالى، وكأنهما شريكان في هدم الحَصَان الأخلاقي والديني لابنتهما. الحجاب ليس إلا عنواناً بارزاً لقصة أعمق؛ هي قصة الاستسلام الكامل لأمر الله تعالى في كل تفاصيل الحياة. نعم، التربية ليست عنفاً ولا قسوة، وعلى الأبوَيْن أن يمهِّدا القلوب، ويشرحا الحِكَم، ويغرسا حِشمة الروح قبل حِشمة الجسد، فإن (اللِّين لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ). ولكن الفرق شاسع بين التربية بالحسنى وبين عرْضِ شرْعِ الله تعالى كأنه بضاعة في سوق النخاسة يقبلها المرء أو يرفضها. وليقف كل أب وكل أم مع ابنتهما وقفة صدق ويقين، وليصوغا لها هذه القاعدة النورانية بوضوح الشمس: "يَا بُنَيَّتِي، إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْحَقَّ لَا يَقِفُ فِي سَاحَةِ شَرْعِ اللَّهِ تَعَالَى ليَقُولَ: لَسْتُ مُقْتَنِعاً، أَوْ لَا أَهْوَى هَذَا الْأَمْرَ؛ فَالتَّسْلِيمُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ عُنْوَانُ الْإِسْلَامِ، وَطَاعَتُهُ هِيَ سَفِينَةُ النَّجَاةِ الْوَحِيدَةِ فِي بَحْرِ الْفِتَنِ". في الختام، لتكن بوصلة الأبوَين واضحة ومستقرة؛ فالأبناء وديعة عظيمة، والتربية الحقّة ليست استجابةً لأهواء النفوس أو مجاراةً لتيارات العصر، بل هي أمانة ثقيلة في إيصالهم إلى برّ رضا الله تعالى وسلامة الدارين. إن غرس اليقين بأن أمر الله تعالى فوق كل نقاش، وأن طاعته هي عنوان العبودية الصادقة، هو أعظم ما يُهب للابنة في زمن الفتن، فليتقِ الله تعالى كل أب وكل أم، وليكونا سفراء صدق لشرع الله سبحانه في بيوتهم، ممسكين بأيدي بناتهم نحو الجنة بحزم محبٍّ وشفقةِ مشفق، لعلهم يلقون الله سبحانه غير خائنين لأداء الأمانة، فالولد أمانة! الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو Generations and Technology University