الكرامة بين إنكار الماديين ودجل الدجال

الكرامة بين إنكار الماديين ودجل الدجال أستاذ مساعد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية إنكار الكرامة اليوم ليس مجرد رأي في مسألة عقدية، ولا هو خلاف في جزئية تاريخية، بل هو أزمة فكر وتحول في طبيعة العقل الإنساني؛ أزمة نبتت في التربة نفسها التي خرجت منها الفلسفات المادية والتجريبية الحديثة، تلك التي حصرت الإنسان في سجن الحواس، فصار لا يؤمن إلا بما تلمسه يده، ولا يصدق إلا ما تلتقطه عينه، وكأن وجوده لا يمتد إلا بامتداد أدواته. لقد كان من الطبيعي أن نجد هذه النزعة عند غير المسلمين، لأنهم لم يتلقوا تربية على الإيمان بالغيب ولا على معاني الإحسان والتصوف التي تزكّي الروح وتُهذّب النفس. ولكن العجب أن تمتد هذه العدوى الفكرية إلى ديار الإسلام نفسها، وأن تُسخّر لها طائفة مخصوصة – #الوهابية – لتُحارب الكرامة في موطنها، وتستبدل السلوك الروحي بالجدل العقيم، وتغرس في الأجيال أن الدين فكرة جامدة لا تجربة حيّة، وأن الروح لا موضع لها في العلم، ولا أثر لها في الكون. فأضحى الشباب الجامعي يتخرّجون بعقول مثقلة بالمعلومات، ولكنها خاوية من الإلهام، يتناولون القضايا الدينية بمنهج المختبر، ويزنون المعجزات بمقياس التجربة، حتى ضاقت صدورهم بالإيمان الغيبي الذي لا يُقاس بالمجهر ولا يُحصى بالرقم. وليس الأمر قاصرا على محاربة الزوايا الصوفية، بل تعداها إلى تقويض المدرسة الفقهية والعقدية الأصيلة التي كانت تُثبت كرامات الأولياء على أصول محكمة، وتعلم الناس أن الكرامة امتداد للمعجزة، وأن ما صحّ أن يكون معجزة لنبي صحّ أن يكون كرامة لولي، إلا ما استُثني. وهكذا أصبح إنكار الكرامات شارة العقلانية الجديدة عند من لا عقل لهم، وسخرية الجهال ممن تلقوا علومهم بالسند المتصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أصبح العلم التجريبي اليوم بابا إلى الإلحاد بعد أن كان بوابة إلى الايمان لقد كان العلم في ماضيه بابا إلى الإيمان، لأن العالِم كان يرى في كل ظاهرة أثر الصانع، وفي كل نظام حكمة المدبّر. أما اليوم فقد صار العلم في أيدي الماديين بابا إلى الغفلة، لأنهم جرّدوه من روحه، وجعلوه أداة سيطرة لا وسيلة معرفة. إنهم لم يكتفوا بأن يُقصوا الغيب من عالم الإيمان، بل سعوا إلى طرده من عالم الوعي ذاته، فجعلوا الروح مصطلحا بيولوجيا، والضمير تفاعلا كيميائيا، والإلهام شرارة كهربائية في دماغ متعب! ومن هنا بدأ الربط بين خوارق #الدجال والاستعانة بالشياطين يظهر في ثوب جديد؛ فالدجال ليس خرافة بعيدة عن هذا المسار العلمي المادي، بل هو نتيجة طبيعية له. إنه ابن هذا العصر الذي يؤمن بالمجهر وينكر المعجزة، ويسلم للآلة ولا يسلم لله. فكما أن الدجال يسخر الشياطين لإظهار الخوارق، كذلك يسخر الماديون اليوم العلوم التجريبية لإيهام الإنسان بأنه قادر على أن يحاكي الخلق، ويعيد تشكيل الحياة والموت، ويخترع الذكاء والعاطفة في آلات صماء. وكلما ازداد الناس افتتانا بهذه الخوارق العلمية، ازدادوا بعدا عن الإيمان الذوقي الشهودي الذي يتصل بالله بغير واسطة تجربة ولا آلة. لقد خُيّل للإنسان الحديث أنه كلما اقترب من سر الطبيعة اقترب من الألوهية، وما درى أنه يبتعد عن الله بمقدار ما يقترب من الآلة. فالعلم الذي كان ينبغي أن يقوده إلى التوحيد، صار يقوده إلى عبادة المادّة، حتى صار المختبر محرابه، والكمبيوتر نبيَّه، والذكاء الاصطناعي وحيَه المزعوم. وهذا بعينه هو تمهيد الدجال؛ أن يُدرّب الناس على تصديق الخوارق بلا روح، وعلى الإعجاب بالقوة بلا حكمة، وعلى رؤية القدرة في الأداة لا في خالقها. فإذا ظهر الدجال بقدرته المصطنعة، وآياته المزيفة، وجد قلوبا مؤمنة بالمشهد لا بالحقيقة، فصدقوه، لأنهم تمرّنوا على تصديق الآلة، وعبدوا المنطق المادي الذي لا يرى وراء الصورة سوى ظلها. لذلك كانت الكرامة هي بقاء الروح في زمن الآلة فالكرامة هي خرق للعادة بقدرة الله وحده، لا يُنال بالسحر ولا يُشترى بالتقنية، وهي في حقيقتها تجل من تجليات الإيمان، تعلم القلب أن فوق الأسباب مسبِّبا، وفوق العلم علّاما، ومسيطر على الكون من يقول له كن فيكون. ومن هنا كانت التربية #الصوفية الروحية هي درع الإنسان في هذا الزمان، لأنها تُعيده إلى ذاته العليا، وتربطه بالقدرة المطلقة التي لا تُقاس بالمختبر ولا تُحدّ بالحواس. فهي وحدها التي تُطهر القلب من برمجة المادة، وتحرر العقل من أسر الأرقام والشاشات، وتمنح الإيمان لونه الذوقي الحي الذي لا تطفئه التجربة ولا يُخادعه الدجل. إن معركة الدجال ليست معجزة فيزيائية، بل معركة فكر وإيمان، بين إنسان يرى الله في قلبه، وإنسانٍ يرى الخالق في معمله. ولن يُنهي دجل الدجال إلا نبي من أولياء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو سيدنا #عيسى عليه الصلاة والسلام، حين تنقلب خوارق الدجال على صاحبها، كما انقلب سحر السحرة على فرعون، فيتجلّى قول الله: وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. إنها ليست أحداثا عابرة، بل تدبير كوني يُمتحن به الإيمان، ويُوزن به العقل، فمن ثبّت قلبه بالله ثبت، ومن وثق بالمادة سقط، وإن ظنّ أنه يقف على قمة العلم. الدكتور محمد سعيد السلمو Generations and Technology University