#صباح_البحري #صباح_الوعي الدكتور مروان بحري Mervan Bahri صحوة الوعي: من دائرة الشكوى إلى فضاء التحرر ليست الشكوى من الظلم عجزًا، لكن الاكتفاء بها هو العجز بعينه. جميل أن نرفع أصواتنا ضد الواقع المرير، ضد الظلم والجور والاستعباد الذي يلفّ أوطانًا عريقة كالغبار الخانق. لكنّ الأجمل، بل والأصعب، هو أن نمتلك الجرأة لننقل نقاشنا من ساحة البكاء على الجراح إلى مختبر تشخيص الداء ووصف العلاج. فالبكاء والنواح، وإن أطلقا شحنات الألم، لا يبنيان وطناً، بل قد يتحولان إلى لحنٍ يعزف على وتر فرح "الآخر" الذي نشتكي منه، فيرى في عجزنا تأكيداً لقوته، وفي مظلوميتنا دليلاً على هيمنته. الوهن: الوباء الذي حوّل الشعب إلى قطيع في مشهدٍ لا يكاد يتكرر بهذا الوضوح المريع إلا في بلادنا، تحوّل كيانٌ حيوي مفعم بالإرادة إلى كتلةٍ ساكنة. تحوّل "الشعب" - بتعريفه الحضاري القائم على الإرادة والحقوق - إلى ما يشبه "القطيع". قطيعٌ من الخراف أصابه الوهن في الصميم، فلم يعد يرى القيد الذي يكبل قدميه إلا كجزء من طقوس الحياة، ولم يعد يسمع صوت السياط إلا كنوع من الموسيقى المألوفة. بل وصل الأمر إلى منزلةٍ أكثر إيلامًا: صفقةٌ مريبة يبادل فيها الإنسان كرامته بوهم الأمان، فيصفق بغباوةٍ لما يدمّره، شاكراً لمن يستعبده. ثنائية الجلاد والضحية: من الأحق باللعن؟ يقف نابليون بونابرت بشخصيته الصارمة ليلقى بكلمته القاطعة في قلب هذه المعمعة: "الكسل جريمة، والإهمال خيانة." عندنا، اجتمعت الجريمة والخيانة معاً في حالة من الوهن المُريع. فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من الأحق باللعن؟ هل هو الكسول المهمل الذي يقدّم ظهره مطيةً مريحة للراكب، مبتسماً راضخاً كأنه قد وجد ضالته؟ أم هو الراكب الذي أعجبته طاعة المطية وليونة ظهرها، فاستسهل القياد واستمتع بالركوب؟ الحقيقة المرة هي أن العلاقة بينهما علاقة تبادلية سلبية. "فلولا الجندي المأجور لم يكن لفرعون أن يقول: أنا ربكم الأعلى". النظام الاستبدادي ليس كائناً فضائياً، إنه بنية قائمة على شبكة معقدة من المصالح والخوف والاستسلام. الراكب يظل قوياً ما دام الظهر منحنياً. المعادلة المصيرية: الكرامة أم السلامة؟ ها هي المعادلة تُطرح بكل وضوح: القتال هو المخاطرة بالسلامة من أجل الحفاظ على الكرامة. إنها مقامرة الإنسان الحر الذي يرفض أن يعيش نصف حياة، حياة الذل. أما المقابل المخزي، فهو أن يهدر الإنسان كرامته من أجل الحفاظ على سلامة جسده، فيصبح ثمن هذه "السلامة" المزيفة هو فقدان إنسانيته. عندها، يتحول من كائنٍ مفكّر إلى مجرد دابة، يصبح "مستباح الدم والعرض"، لأن من تنازل عن جوهر إنسانيته لم يعد يملك ما يدافع عنه. الخلاصة: لا حرية بلا ظهرٍ مستقيم الرسالة التي يجب أن ترن في أذن كل مستيقظ هي رسالة يقينية: لا يمكن لأحد أن يركب ظهرك ما لم تنحنِ له. الانحناء الأول هو البداية، والباقي تفاصيل. التحرر لا يبدأ بانتظار سقوط الراكب، بل يبدأ بلحظة الوعي التي يقرر فيها الظهر أن يستقيم. الاستقامة ليست شكلاً جسدياً فقط، بل هي موقف نفسي وأخلاقي وسياسي. هي الرفض الداخلي أولاً، ثم التعبير عنه بكل وسيلة ممكنة. فليكن صباح وعينا بدايةً لرفض الانحناء. لأن الأوطان لا تُبنى بمظلومية البكّاءين، بل بإرادة الأحرار الذين أدركوا أن الكرامة أغلى من السلامة، وأن الظهر المستقيم هو أول خطوط الدفاع عن الوطن والذات. الدكتور مروان أحمد بحري D.Mervan Bahri