حَبْرُ الْيَهُودِ وَحِلْمُ النَّبِيِّ الْمَحْمُودِ قصص الهداية في صدر الإسلام كانت لوحات إيمانية فريدة صاغها لُطف الله تعالى بمداد الحكمة والبصيرة، ومن أعظم تلك القصص دلالةً وأعمقها أثراً، قصة حَبْر من أحبار اليهود، أوتي من العلم ما جعل دافع الفضول يقوده لاختبار أخلاق نبي الزمان وخاتم الرسل؛ إنه زَيْدُ بن سَعْنَة، لقد أراد زيد أن يمتحن عِظم الحلم النبوي، فكانت تلك المعاملة الفريدة والموقف العصيب الذي تحوّل بفضل سعة صدر المصطفى صلى الله عليه وسلم وحلمه المدهش إلى مفتاح هداية ونور. كان زَيْدُ بن سَعْنَة يطوف حول شمس الهداية مترقباً، فقد قرأ علامات النبوة باديةً على وجه النبي صلى الله عليه وسلم كأنها نجوم لامعة في سماء صافية، سوى خصلتين كان يختبرهما ليقين قلبه: أن يسبق حلمه غضبه، وأن لا يزيدهُ شدة الجهل إلا حِلماً، وكأنما أراد أن يختبر عذب الحلم في صدر رسول لا تثير غضبه عواصف الجهل. وفي يوم مبارك، أطلّ النبي صلى الله عليه وسلم من حجراته الطاهرة محفوفاً بسكينة النبوة وصحبه الكرام، ومعه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، استرعى انتباهه أعرابيّ وافد على راحلته، كأنه طريد قحط وبلاء، هفا قلبه ليشكو ضيق الحال، فقال مستنجداً: "يا رسول الله، إن قرية بُصْرى قد دخلت في الإسلام، وكنتَ قد وعدتَهم بسعة الرزق إن آمنوا، فابتلاهم الله تعالى بجدب وقحط وعسر، وإني أخشى أن يرتدوا طمعاً كما دخلوا طمعاً، فلو أرسلت إليهم ما يعينهم"، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى مَن بجانبه - وظنه عليّاً- مستفسراً، فأتاه الجواب: يا رسول الله، ما بقي في البیت منه شيء! التفت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجد عنده شيئاً، فتقدم زيد بن سعنة مستغلاً الموقف كأنّه صياد فرصة، ليختبر خُلق الحبيب، فعامله بصفقة تمر إلى أجل معلوم ودفع له ثمانين مثقالاً من ذهب، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي ليُعين بها قومه كأنما يُحيي الأرض المجدبة بغيثٍ طهور. فلما اقترب الأجل بيومين أو ثلاثة، أقبل زَيْدُ بن سَعْنَة بقلب جاف ووجه غليظ، فجذب النبي صلى الله عليه وسلم من مجامع قميصه ورِدائه بقسوة كأنها عاصفة عاتية، مخاطباً إياه بلهجة غليظة جافية: ألا تَقْضِينِي حقي يا محمد؟ فوالله ما عهدت فيكم يا بني عبد المطلب مطلاً، ولقد خبرتكم وعرفت طباعكم بطول مخالطتي لكم! حينئذٍ اشتعلت الغيرة الإيمانية في عيني الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فتدور حدقتاه كالفلك الدائر غضباً وشرراً، ونهض كالصارم الهندي محذراً ومردداً بلهجة جازمة: يَا عَدُوَّ اللهِ؛ تَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَسْمَعُ، وَتَصْنَعُ بِهِ مَا أَرَى، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، لَوْلَا مَا أُحَاذِرُ من مهابة النبي صلى الله عليه وسلم لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ. أما النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف كالجبل الراسي، ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسّمٍ رقراق يفيض نوراً، وكأن حلمه محيط يغمر جفاء البشر، فقال بلسان الحكمة والسكينة: (يَا عُمَرُ، أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ الطَّلَبِ). ولم يكد صوت الحبيب المصطفى يستقر في الآفاق، حتى التفت إلى الفاروق بابتسامة الواثق المطمئن، موجهاً له أمره بحكمة بالغة: (اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَأَعْطِهِ حَقَّهُ وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَكَانَ مَا رُعْتَهُ). فأخذ عمر بيد زيد، وانطلق به ليوفيَهُ دينه غير منقوص، بل زاده فوق حقه عشرين صاعاً من تمر، وهنا تعجّب زيد من هذا الوفاء العطر، فسأله مستغرباً عن سر هذه الزيادة، فأجابه عمر ببساطة الحق: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ أَزِيدَكَ مَكَانَ مَا رَوَّعْتُكَ«. ثم التفت الفاروق متأملاً في وجه صاحبه، ليسأله إن كان يعرفه، فأجاب زيد بالنفي، فلما أفصح عن هويته بأنه » زَيْدُ بن سَعْنَة «، هبّ عمر مذهولاً وتهلل وجهه دهشةً قائلاً: «الحَبْر؟!». فأكد زيد بلهجة العارف الخبير: «نعم، الحَبْر!». وحين سأله عمر عن الدافع وراء فعله الغليظ مع النبي صلى الله عليه وسلم، أجاب زيد بيقين الواثق الذي بلغ غايته: «يا عمر، لم يكن من علامات النبوة شيء إلا قد عرفت في وجه رسول الله حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيدهُ شدة الجهل عليه إلا حلماً؛ فقد اختبرتهما اليوم فوجدته كما وصفت، وأصدق مما توقعت. وها أنا ذا أُشهدك يا عمر أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا ورسولاً». ثم فاض قلبه كرماً وجوداً فأردف قائلاً: «وَأُشْهِدُكَ أَنَّ شَطْرَ مَالِي - فَإِنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا - صَدَقَةٌ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». فتبسم الفاروق بحكمته المعهودة معقباً: «بل اجعلها على بعضهم، فلن تطيق إحاطتهم جميعاً بسعتك»، فأجاب زيد بيقين طائع: «وعلى بعضهم إذن». وعاد الاثنان يهرولان خطواتهما نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعلن زيد أمام النور المبين شهادة الحق الصادقة: «أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله»، مستمسكاً بعروة الإيمان الوثقى، فبايعه وصدّقه، ومضى في ركبه الشريف مجاهداً شهماً صادقاً ثابتاً، يشهد مع المصطفى المشاهد كلها، إلى أن اختاره الله تعالى شهيداً في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر، راضياً مرضياً. ا.د.محمد محمود كالو د. محمد كالو