أُمُّ شَرِيكٍ وَمُعْجِزَةُ الدِّلَاءِ

أُمُّ شَرِيكٍ وَمُعْجِزَةُ الدِّلَاءِ في فجر الإسلام وتاريخه المشرق، وفي ركب النبوة الأولى، حيث ضربت المرأة المسلمة أروع أمثلة الثبات واليقين، متحملة أفظع أشكال الأذى والتعذيب في سبيل التمسك بعقيدتها راجية رضوان ربها؛ كأنها لوحة فاخرة نسجت خيوطها من الصبر والاصطفاء، إذ كانت قلوب المؤمنين أفرانًا تختبر فيها معادن اليقين، وتتجسد هذه البطولات بأبهى صورها في سيرة الصحابية الجليلة أم شريك (غزية بنت جابر العامرية) رضي الله عنها، التي واجهت لهيب الصحراء وقسوة الجحود بثبات يزلزل الجبال، فأضاء روحها حتى كأنها شعلة من نور لا تزيدها عواصف الابتلاء إلا ألقًا؛ لتروي لنا قصة إعجاز إلهي فريد تجلى في نزلات الغيث ومدد السماء حين انقطعت الحيل البشرية. فما أن استقر الإيمان في روحها حتى صار حرصها على هداية النساء كالغيث الذي ينزل على البيداء القاحلة، كانت تطوف في بيوت قريش سراً، تسقي القلوب الآسنة بماء الوحي الطهور، وكأنما تسقي زرعاً يابساً لترتوي أفئدة النساء بحلاوة التوحيد، حتى شاع أمرها واشتعلت جذوة الدعوة ظاهرة لا تخفى كالبدر في ليلة تمامه. ولما انكشف أمرها، هجم عليها مشركو قريش هجوم العاصفة العاتية على الشجرة الوارفة، فأوثقوها وحملوها على بعير أجرد ليس تحته وعاء ولا وطاء، كأنها طريدة تُقاد إلى حتفها، وساوموها على عقيدتها بحرارة الهاجرة وعطش الصحراء، فكانت في صبرها كالنخلة العالية التي ترمى بالحجارة فتُسقط ثمرًا زاكيًا، تركوها في لهيب الهاجرة ثلاثة أيام قاحلة، كأنها جمرة تتوسط الرمضاء، تغلي فيها غليان القدر، حتى كادت الحواس أن تنطفئ، وصار العقل في غشاوة والجسد في سبات، بينما يرفلون هم في ظلالهم الوارفة. وما زادها ذلك إلا ثباتًا تلوح معالمه في إشارتها بالسبابة نحو السماء، كأن أصبعها منارَة توحي بوحدانية الخالق الأحد سبحانه، في لوحة ناطقة بأن الأجساد تفنى واليقين يبقى خالدًا لا يُمحى. وفي تلك اللحظات القاسية التي تكسرت فيها الأنفاس، ونفد الصبر كنفاد قطرات الندى تحت شمس الظهيرة، أرسلت السماء لطفها نديّاً رقراقاً؛ إذ أحست ببرد شيء على صدرها كأنه نسيم الفجر العليل بعد ليل بهيم، تناولت الدلو فشربتْ شربات حانية تروي ظمأ الروح وتحيي الرميم من الجسد، وكأنها عاد إلى عروقها ماء الحياة، تكرر الدلو صعوداً وهبوطاً ثلاث مرات، كأنه قطرات الغيث تتوالى على أرض مَحْلَةٍ، تركت لتشرب وترتوي، حتى إذا اكتفت أفاضت بقية الماء طهوراً وبركة على رأسها وجسدها وثيابها، فغدت كأنها غصن نضير غسلته ديمُ الربيع، فالماء المنسكب يغسل غبار العذاب ويزيد الوجه نورًا على نور. ولما استيقظ القوم، رأوا آثار البلل ظاهرة جلية على وجه الأرض وثيابها، فرأوها في رونق وبهجة كأنها زهرة تفتحت في الصباح، فقالوا في دهشة: " أَنَحَلْتِ وفْكَكْتِ الوِكَاءَ فَأَخَذْتِ سِقَاءَنَا فَشَرِبْتِ مِنْهُ؟". فأجابتهم بقلب أثبت من الجبال الرواسي: "لَا وَاللَّهِ، بَلْ كَانَ كَذَا وَكَذَا". وعندما تيقنوا بصدقها وأن الرزق قد هبط من فوق سبع سماوات، وقِرَبهم موكاة لم تُحَل، ولم ينقص منها قطرة واحدة، وقع النور في بصائرهم، وتفتحت عقولهم كأكمام الورود في الربيع، فدخل الإيمان قلوبهم دفعة واحدة كأن نوراً قد شق ظلمات صدورهم، وهتفوا منيبين: " لَئِنْ كُنْتِ صَادِقَةً؛ لَدِينُكِ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا!". فأسلموا جميعاً طائعين لموكب الحق ببركة صبرها وثباتها. وهكذا كانت أم شَريك منارةً ساطعة في الصبر والجلاد، تُذكر الأجيال بأن من تعلق بالله تعالى أخلص له، ومن صدق في حب دينه أتاه المدد من حيث لا يحتسب. ستظل قصة أم شريك رضي الله عنها شاهداً حياً على عظمة اليقين وصدق اللجوء إلى الله عز وجل، ومعلمًا شامخًا من معالم الثبات على المبدأ مهما اشتدت البلايا وعظمت المحن. لقد أثبتت هذه الكرامة العظيمة أن العناية الإلهية إذا حضرت، تفطرت لها قلوب القساة وتغيرت بها مجريات التاريخ، لتترك الأجيال عبرة خالدة بأن من صدق مع ربه أتاه الفرج من حيث لا يحتسب، وبقي ذكره عطراً يفوح في صفحات العز والفخار. أ.د.محمد محمود كالو د. محمد كالو