شَيْخُ دِمَشْقَ الَّذِي أَطَاعَ ضَمِيرَهُ وَعَصَى السَّلَاطِينِ المفتي الطبيب أبو اليسر عابدين 1401-1307) هـ ـ-1889- 1981م) في تاريخ الأمة الإسلامية رجالٌ طبعوا عصرهم بمداد من المواقف الراسخة، والضمائر الحية التي لا تشترى ولا تباع؛ رجالٌ وقفوا جبالاً راسيةً في وجه العواصف العاتية، لم تلن عزائمهم أمام إغراء السلطة، ولم تكسر شوكتهم سطوة الطغاة، ومن أبرز هؤلاء الأعلام الفذة، المفتي الطبيب أبو اليسر عابدين؛ ذلك العالم الموسوعي الذي جمع بين صفاء الشريعة ونور الطب، ورث مجداً فقهياً تهاوت دونه الصعاب، فكان في محرابه مرشداً، وفي ميادين الحق فارساً لا يهاب. لقد خاض الشيخ مسيرة حافلة بالمحطات الكبرى والمواقف الجريئة، منافحاً عن حرية الكرامة الإنسانية ومستمسكاً بثوابت الشرع في وجه كل استبداد سياسي، سواء في عهد الوحدة أو مع رياح الانقلابات العسكرية المتلاحقة، وفي هذه السطور، نقف متأملين سيرة رجل جعل من كلمة الحق درعاً، ومن الثبات على المبدأ وساماً يطوق به عنق التاريخ. وُلد المفتي الطبيب أبو اليسر عابدين في رحاب حي (سوق ساروجا) الدمشقي عام 1889، ليكون قرة عين لوالده المفتي أبو الخير عابدين رحمه الله تعالى تفتّح وعي الصبي في حضن أبيه الذي تقلد منصب الإفتاء أواخر العهد العثماني، قبل أن يُعزل على يد الأمير فيصل إثر نيل سوريا استقلالها. ورث الشيخ أبو اليسر عابدين إرثاً علمياً وثيق الصلة بأساطين الفقه؛ فعم أبيه هو العلامة المحقق ابن عابدين (صاحب الحاشية الشهيرة)، أفقَه فقهاء الحنفية الذي سُطّر اسمه بأحرف من نور قبل نحو مئة وخمسين عاماً، ليمتد عبق هذا البيت العريق ويسطع في تاريخ الشريعة. وتلقى أبو اليسر تعليمه الأول في مجالس والده، متعمقاً في الفقه والقرآن، جامعاً إلى ذلك علوم اللغة والمنطق والشريعة على يد نخبة من أبرز علماء دمشق وأعلامها. ولم يكن الشيخ طرازاً مألوفاً بين أقرانه؛ فقد تميز بجمعه بين ثقافة الشريعة ونور الطب البشري، فضلاً عن إتقانه لأربع لغات. وعقب انتقال المفتي الشيخ شكري الأسطواني إلى جوار ربه، تداعت هيئة المفتين والمجلس الإسلامي الأعلى لاختيار خلف له، فاجتمعوا في الثاني عشر من يونيو عام 1954م، لتُعقد العزم وتتوحد القلوب على اختيار الشيخ "أبي اليسر عابدين" بالإجماع مفتياً للجمهورية السورية، ليتولى دفّة الفتوى في البلاد بحكمته المعهودة وعلمه الغزير. كان المفتي الطبيب أبو اليسر عابدين قلعةً شامخة في وجه العواصف، وركناً ركيناً لا تلينه الرياح العاتية، حين أشرقت شمس الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958، استقبلها بقلب مفتوح كأنها غيثٌ همى على أرض عطشى فحيّاها، مترقباً منها ربيعاً يرتوي منه الجميع عدلاً وخيراً. لكن رياح الأيام لم تأتِ بما تشتهي سفن الآمال؛ فما إن أطلّ صيف عام 1961 حتى هبت عواصف التأميم التي هزت أركان الاقتصاد كأنها زلزال مدمّر يصيب حقوق الناس في أموالهم وممتلكاتهم. وقف جمال عبد الناصر يطالب الشيخ بإصدار فتوى تُسبغ الشرعية على هذا القانون، فكان الشيخ كالجبل الأشم، لا تخلعه الخطوب ولا تزحزحه الرياح، ورفض أن ينحني أمام العاصفة أو يبيع دينه بدنياه، وحين عاود المشير عبد الحكيم عامر الضغط والطلب، كان رد الشيخ صارماً كالسيف الصقيل، يرفض أن يميل مع الهوى أو يفتي بباطل يخالف شرع الله تعالى، فجاء قرار العزل من عبد الناصر كضربة صاعقة في منتصف أغسطس 1961، تُنحي شيخاً أبى إلا أن يبقى أميناً للأمانة. وما إن انقشعت غيوم الوحدة بوقوع الانفصال في سبتمبر من ذلك العام، حتى انبرى الشيخ الصوت الصادع بالحق يعلن الحقيقة جلية، فخطب في الناس خطبة كأنها شعلة نور تحرق أوهام الماضي، معلناً براءة الأمة من بيعة جارت، فوصف الطغيان بأصدق بيان، وقال كلمته المشهورة التي بقيت كالعلامة الفارقة: "كنا نريدها وحدة الأخ لأخيه لا وحدة السيد للعبد". وعاد الشيخ إلى منصبه كأنه البدر المضيء بعد عتمة، فلم يلبث طويلاً حتى أطلّ طيف مظلم جديد مع انقلاب حزب البعث في مارس 1963, وكما يقف السد المنيع أمام طوفان جارف، أعلن الشيخ رفضه المطلق للانقلاب، صابراً على الحق كأنّه يتقلب على جمر الغضا، فما كان من طغاة البعث إلا أن أصدروا قرار عزله مجدداً، ليظل طوال مسيرته خفاقاً كالعلم فوق الرماح، لا يخشى في الله تعالى لومة لائم. وعقب عزله الأخير على أيدي طغاة البعث عام 1963، طوى الشيخ أبو اليسر صفحة المناصب الرسمية ليعود إلى محرابه الأصيل في "جامع الورد"، فكان كالنخلة العالية التي تظلل مريديها، يقضي أيامه في التعليم والتوجيه ونشر العلم. بقي الشيخ في مسجده منارةً تنير قلوب العباد، صابراً محتسباً، إلى أن وافاه الأجل المحتوم عام 1981م عن عمر ناهز اثنتين وتسعين سنة، قضاها مجاهداً بالكلمة الحق، وثابتاً على المبدأ كأنّه أوتاد الأرض، ليترك خلفه سيرة عطرة تُروى في صفحات المجد والبطولة. لقد امتاز الشيخ أبو اليسر عابدين بقلب يعبّ من بحار المعرفة وقلم سيّال غزير العطاء؛ فقد خطّ يراعه أكثر من ثلاثين مؤلفاً غطت شتى العلوم والمعارف، خاض فيها غمار قضايا دقيقة وشائكة بجرأة العالم المحقق، ومن درر مصنفاته وكتبه البارزة: • أغاليط المؤرخين • لم سُمّي؟ • رسالة في القراءة والقراءات • كتاب الأحوال الشخصية • أحكام الوصايا • الأصول والكليات • الألفاظ اللغوية الطبية • الرداف اللغوية للألفاظ العامية • أكاذيب مسيلمة الكذاب الذي عارض به كلام الله تعالى • قرة العيون فيما يستملح من المجنون • مختصر أحكام الزواج • التيسير لمختصر التفسير • إرشاد الأنام إلى أحكام الصيام • الإيجاز في تفسير آيات الإعجاز • إغاثة البررة في الأحاديث المشتهرة • البداهة • الهدية السنية في حكايات الصوفية • الفوائد الجلية لأرباب النفوس العلية • عمدة المفتين في فتاوى ابن عابدين • الرغائب فيما ينقل من الغرائب • القول الصحيح في المتواتر الصريح • البليغ من الكلام ما عدا كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام • كتاب الفرائض وغيرها من الآثار العلمية القيّمة التي جعلت من مكتبته الإسلامية منارة فكرية لا تخبو جذوتها، علاوة على فتاوى نادرة لا تزال مخطوطة بدائرة الإفتاء بوزارة الأوقاف. هكذا طوى الشيخ المفتي أبو اليسر عابدين صفحات حياته العامرة، تاركاً وراءه سيرةً عطرةً تُضاء بها عتمات الدروب، وشاهداً حياً على أن العباقرة لا تنحني قامتهم أمام رياح الطغيان، لقد بقي صوته، على مرّ السنين، جرس إنذار للضمائر الحية، ومثلاً أعلى في الثبات على المبدأ، ورفض المساومة على ثوابت الأمة وقيمها. وبين محراب "جامع الورد" الذي عاد إليه طائعاً، وكتبه الغزيرة التي ملأت الدنيا علماً ومعرفة، ومواقفه التي نطقت بالحق بوجه السلاطين، ظلّ أبو اليسر عابدين تلك الشمعة التي تحترق لتنير طريق الأجيال، رحل الجبل الأشم عن عالمنا، لكن أثره ظلّ عالياً يرفرف كالبندقية في ساحة المجد، يبعث الأمل في نفوس الباحثين عن العزة وسط ركام الانكسارات، ويذكّر بأن كلمة الحق هي الباقية، وأن الطغيان مهما علا صرحه، فمآله إلى زوال. أ.د.محمد محمود كالو د. محمد كالو Generations and Technology University