في وحدة الصف وحسن ادارة الخلاف

في وحدة الصف وحسن ادارة الخلاف الدكتور محمد سعيد السلمو أرسل إلي أخ سلفي يدعو إلى وحدة الصف في سورية، وكان من ضمن ما قال: «والفكر المناصر للطاغوت، من قبورية وأشعرية ومداخلة... أتكلم عما يجب على أهل الإسلام من أهل الحديث والأشعرية والماتريدية في قادم الأيام فعله: تغليب مصلحة الإسلام، والعمل على القواسم المشتركة الكثيرة، وحسن إدارة الخلاف، وإلا فالإسلاميون سيكونون في مهب الضياع. النجديون متمذهبون: ابن سعدي حنبلي، ابن عثيمين حنبلي، ابن جبرين حنبلي، بكر أبو زيد حنبلي، ابن قعود حنبلي، والكثير الكثير متمذهبون. لكن في سورية الوضع ملاطعة ومناهبة. المهم: تفعيل القواسم المشتركة بين أهل القبلة. ومن يحركه استخبارات أو مصالح فهذا يستثنى، ولا فائدة من إقناعه». انتهى كلامه. فأجبته، والله المستعان وعليه التوكل: أخي الكريم، دعوتك إلى تغليب مصلحة الإسلام، وإلى تفعيل القواسم المشتركة بين أهل القبلة، وإلى حسن إدارة الخلاف، دعوة نلتقي معك في أصلها، ونرجو أن تكون هذه الدعوة بداية لصفحة جديدة يتسع فيها صدر بعضنا لبعض، لأن الأمة في أوقات المحن أحوج ما تكون إلى أن تعرف كيف تختلف من غير أن تتحول اختلافاتها إلى عداوات، وكيف تحافظ على أخوتها وهي لا تزال مختلفة في بعض مسائلها. لكنني أرى أن أول الطريق إلى هذه الغاية هو أن نراجع اللغة التي نتخاطب بها. فوصفك لأهل السنة بالقبورية هو سد وقطع لأي تفاهم وصلح قبل أن يولد. فكيف تصف من تريد الصلح معه، وتبحث معه عن قواسم مشتركة، بالقبورية؟ إن الكلمة قد تكون أحيانا أقوى من السلاح؛ لأنها إذا استقرت في النفس جعلت صاحبها يرى أخاه من خلالها، لا كما هو في حقيقته. وإذا أردنا أن نجمع الناس، فلا بد أن نبدأ من المواضع التي يمكن أن تجمعهم، لا من الأسماء التي تجعل كل فريق ينظر إلى الآخر من وراء جدار من الأحكام المسبقة. ثانيا: الأشعرية والصوفية كفكر ومذهب لم تكونا يوما قائمتين في أصل بنيتهما على مناصرة الطغاة. نعم، وجد أشخاص من الأشاعرة والصوفية ناصروا طغاة، كما وجد غيرهم من المنتسبين إلى مذاهب واتجاهات مختلفة من فعل ذلك، ولكن هذه تصرفات أشخاص، وليست بالضرورة تصرفاتهم بوصفهم أشاعرة أو صوفية. والفرق هنا ليس لفظيا، بل هو فرق في طريقة التفكير نفسها. فلو أن مسلما شرب الخمر، لا نقول إن الإسلام يبيح الخمر؛ لأن شربه للخمر تصرف صدر منه بوصفه شخصا عاصيا، وليس حكما يصدر عن الإسلام. وكذلك إذا ناصر أشعري أو صوفي ظالما، فلا يصح أن نجعل موقفه الشخصي أصلا من أصول الأشعرية أو التصوف. ثم لماذا حصرت مناصري الطغاة بالمداخلة، وحصرتهم في هذه الفرقة؟ إذا كنا نريد الإنصاف، فعلينا أن ننظر إلى الصورة كلها، لا إلى الجزء الذي يخدم موقفنا. فالفرقة الوهابية بشكل عام، في قراءتي لتاريخها ومواقفها السياسية، ارتبط جانب كبير من تجربتها بدعم السلطة والطغاة ومناصرتهم، وبعلاقات مع أموال الطغاة وتوازنات السياسة الدولية، وهذه قضية تاريخية وسياسية لا ينبغي أن نتجاوزها حين نصف مواقف التيارات من السلطان. فلو وجد شيخ وهابي يقف ضد الطغاة والظلم، فهذا موقف يحسب له بوصفه موقفا شخصيا منه، ولا يصح أن نجعله دليلا على أن كل ما ارتبط بهذا الاتجاه كان قائما على مقاومة الطغيان. وبالمقابل، لو وجد أشعري أو صوفي ناصر ظالما، فلا يصح أن نجعل فعله دليلا على أن الأشعرية أو التصوف قائمان على مناصرة الطغاة. فالفرق واضح بين أن نحاكم فكرة بأصولها ومقولاتها، وبين أن نحاكمها بأفعال بعض أتباعها. وإذا عرفت هذا التوصيف جيدا، فعليك أن تكون منصفا وتعترف بالحقيقة، لأن الإنصاف لا يعني أن نعترف بما لنا وننكر ما علينا، بل أن نضع كل شيء في موضعه. ثم إذا شخصنا الداء، أمكننا أن نصف الدواء. أما إذا كان تشخيصنا للخلاف قائما على تصنيف كل طرف للآخر بما يراه هو أسوأ ما فيه، فلن نصل إلى وحدة، ولو أكثرنا من الحديث عن الوحدة. وأما حديثك عن التمذهب، فأنا أفهم مرادك منه تماما، بل أراه نقطة مهمة في كلامك. أنت تذكر أن النجديين أنفسهم متمذهبون، وأن ابن سعدي حنبلي، وابن عثيمين حنبلي، وابن جبرين حنبلي، وبكر أبو زيد حنبلي، وابن قعود حنبلي، وغيرهم كثير، لتقول إن الانتساب إلى مذهب فقهي ليس أمرا خاصا بالأشاعرة والماتريدية والصوفية، وإنما هو أمر موجود عندكم أيضا. وهذا في الحقيقة مما يقرب ولا يبعد، لأن الاعتراف بأن العلماء ينتمون إلى مدارس فقهية ومناهج علمية مختلفة يفتح لنا بابا لفهم بعضنا، بدل أن يجعل الاختلاف سببا لإسقاط بعضنا بعضا. فكما أنكم تقولون: هذا حنبلي، ولا ترون في مجرد ذلك سبة ولا انتقاصا، فمن الإنصاف كذلك أن يفهم الأشعري والماتريدي والصوفي من داخل بيئته العلمية، لا من خلال الصورة التي يرسمها عنه خصمه. وقد قلناها لكم مرارا: مع كل هذا، سنتجاوز كل ما قلته. وليس تجاوزنا لما قيل ضعفا عن الحق، ولا عجزا عن الرد، وإنما لأن هناك شيئا أكبر من الكلام الذي قيل، وأبقى منه أثرا، وهو أخوة المسلم لأخيه، ومصلحة الأمة التي لا ينبغي أن نجعلها رهينة لخلافاتنا. نحن لا نقول إن الخلاف غير موجود، ولا نطلب من أحد أن يتخلى عن معتقده أو مذهبه، ولا نريد أن نمحو الفروق بين المدارس الإسلامية بجملة من العبارات العاطفية. لكننا نقول إن الإنسان يستطيع أن يختلف مع أخيه، ثم يبقى له أخا. وهذه ربما هي أصعب مراتب الأخوة وأصدقها: أن تحب الإنسان لا لأنك اتفقت معه في كل شيء، وإنما لأنك رأيت فيه ما هو أكبر من موضع الخلاف. إن الأمة لا تحتاج إلى أن يصبح أبناؤها نسخة واحدة من بعضهم حتى تجتمع، وإنما تحتاج إلى أن يعرف المختلفون كيف يعيشون اختلافهم دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، وكيف يجعلون مواضع الاتفاق جسورا تعبر عليها المحبة، بدلا من أن يجعلوا مواضع الاختلاف خنادق يتحصنون فيها. ونقول لكم دائما: ( إن أتيتم إلينا مشيا، جئنا إليكم هرولة، وإن مددتم أيديكم بالخير لنا، رغبة في جمع شمل الأمة، أخذناها بالمحبة، لا بالخصومة، وبالعناق، لا بالجفاء. سنفرح بعودتكم إلى لم الشمل، كما يفرح الأخ بأخيه الغائب عنه منذ سنوات. وليس في ذلك تنازل عن قناعاتنا، ولا مطالبة لكم بالتنازل عن قناعاتكم، وإنما هو تذكير بأن القلوب أوسع من الخلافات، وأن الأمة التي تتسع فيها مساحة الرحمة تستطيع أن تحتفظ حتى باختلافها. ) لقد تعبنا من زمن يعلو فيه صوت التصنيف على صوت الأخوة، ويصبح الاسم أهم من الإنسان، والانتماء أهم من قلبه، والخلاف في مسألة سببا لنسينا أن الذي أمامنا إنسان له حرمة المسلم، وله تاريخ من الألم والأمل، وله أهل وأولاد ودموع ودعوات، وله في هذه الحياة من الضعف والحاجة إلى الرحمة مثل ما لنا. فلنختلف، إن كان لا بد من الاختلاف، ولكن لنتعلم كيف نختلف ونحن إخوة. ولنجعل بيننا من المساحات المشتركة ما يكفي لأن نلتقي، لا من الحواجز ما يكفي لأن نفترق. فربما كان أعظم ما تحتاجه الأمة في هذه الأيام ليس أن ينتصر فريق على فريق، وإنما أن ينتصر الجميع على القطيعة التي أكلت من قوتهم، وعلى الكراهية التي جعلت الأخ يرى أخاه خصما قبل أن يراه إنسانا ومسلمًا. والله المستعان، وعليه التوكل. الدكتور محمد سعيد السلمو محمد سعيد السلمو أستاذ مساعد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University ‎America Generations and Technology University