مَسائلُ فكريّةٌ: العُذرُ بالاجتهادِ والجّهل!؟ بسم الله الرحمن الرحيم (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ. فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ، إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ. وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ؛ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). أمّا بعد: عتب عليّ عددٌ من الإخوة بعدما قلتُ: «الفقير عداب يعذر العالمَ باجتهادِه، ويعذر الجاهل بجهله». قالوا: إنّ هذا تمييع للدينِ، ونتيجتُه إعذارُ المبتدعِ والعاصي والضالِّ وكافرِ التأويل! أقول وبالله التوفيق: من قرأ كتابَ «رفعِ الملامِ عن الأئمة الأعلامِ» للشيخِ أحمدَ ابن تيمية الشاميّ (ت: 728 هـ) وكتاب «حجّة الله البالغة» لشاه وليّ الله الدهلويّ الهندي (ت: 1176 هـ) وكتابَ «أسباب اختلاف الفقهاء» لأستاذنا الدكتور سالم علي الثقفيّ الحجازيّ (ت: 1430 هـ) وكتابَ «أسباب اختلاف الفقهاء» لأستاذنا الدكتور مصطفى إبراهيم الزَلَميّ الكرديّ (ت: 1437 هـ) رحمهم الله تعالى، وأجزل مثوبتهم؛ يجدهم متّفقين على أنّ العالم معذورٌ باجتهادِه، لقوله تبارك وتعالى (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا). وقوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ). وقوله جلَّ وعزّ: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون) وغيرها من الآياتِ الكريمة! إذْ ممّا لا يخفى على طلبة العلم؛ أنّ هذه الشرائحَ من العلماء جميعها عُرضةٌ للخطأ باجتهادهِا، وفي الوقت ذاته هي مطالبةٌ بالتوضيح والبيان، وإجابة السائلين، وتعليم الراغبين. إنّما اختلف العلماء: هل المجتهدُ المخطئُ مأجور أجراً واحداً، أمْ إنّ الإثم مدفوع عنه فحسب؟ أنا أميلُ إلى التفرقةِ بين المثوبةَ والأجر على نيّة المجتهد وإخلاصه وبذلِ جهده في إصابة الحقِّ، فهو مثابٌ على هذا، وليس مأجوراً ومثاباً على الخطأِ ذاته. والكلام هنا - على أيّ حالٍ - على المجتهدِ المتأهّلِ، وليس على مَن يجتهدُ وليس هو من أهل العلم، كما يجتهدُ حكّام عصرنا في صغار المسائلِ وكبارها، وهم جاهلون، فهؤلاء آثمون من دون توقّف! أمّا إعذار الجاهلِ بجهله؛ فتوضيحُه على النحو الآتي: الشائعُ في مجتمعاتِ المسلمين جميعاً، من شتّى الفرق؛ هو التقليدُ! فالحنفيّ يقلّد الإمامَ أبا حنيفةَ. والمالكيّ يقلّد الإمام مالكاً. والشافعيُّ يقلّد الإمام محمّدَ بن إدريس الشافعيّ. والحنبليّ يقلّد الإمامَ أحمد ابن حنبل. والظاهريّ يقلّد الإمام داودَ بن عليّ الأصبهانيّ والإمام ابن حزم الأندلسيّ. وجماهيرُ سلفيّةِ اليوم يقلّدون الإمامَ أحمدَ ابن تيمية! والزيديّة يقلّدون الإمامَ زيدَ بن عليّ والمجتهدين من المنتسبين إليه! والجعفريّة يقلّدون الإمامَ جعفر الصادق والمجتهدين من المنتسبين إليه! والإباضيّة يقلّدون الإمامَ جابرَ بن زيدٍ الأزديّ، والمجتهدين من المنتسبين إليه! ومَنْ ليس بمجتهدٍ؛ فهو مقلّدٌ، والمقلّدُ: هو الذي يتّبع مذهبَ أحدِ المجتهدين، من دون قدرته على معرفة صلاحيةِ دليله ودلالته. ومن كان كذلك؛ فهو جاهلٌ قياساً بالمجتهدِ، وهو في الوقت ذاته، قد يكون عالماً بمذهبه! يُضافُ إلى هؤلاء أناسٌ حديثو عهدٍ بالدينِ، و أعرابٌ يعيشون في الصحاري، وأناسٌ يعيشون في ديار الكفر، ومعرفتهم بالدين قليلة! هؤلاء جميعاً نرفعُ عنهم الحرجَ، ونعذرهم ريثما يتعلمون الدين، ونرجو لهم رحمةَ الله تعالى وعفوَه عن أخطائهم يوم القيامةِ، ولا نجزم بذلك أبداً؛ لأنّ المعلوماتِ من الدين بالضرورةِ يمكن لكلِّ مسلمٍ تحصيلُها بزمن قصيرٍ، لو عزمَ على ذلك. هذه واحدة! والأخرى الأهمّ من هذه؛ أنّ إعذارنا للمجتهد باجتهاده الخطأ؛ لا يعني إقرارَ خطئه، ولا يعني السكوتَ عن خطئه، ولا يعني أبداً - عندي - أن يقالَ: هذا قول المذهب الحنفيّ، أو ذاك قول المذهب الشافعيّ، ومن يقلّد أحدَ هذه المذاهب؛ فهو معذور!؟ إنّما نقول: هذا خطأ، أو باطل، أو حرام، حتى لو قال به الأئمة الأربعة مجتمعينَ، جدلاً جدلاً !! ومتى أقمنا الحجّةَ، وأزحنا الموانعَ؛ لا يجوز لمن قامت عليه الحُجةُ استمرارُ تقليده للمذهب، أو لبعض علمائه! يستوي في ذلك - عندي - مسائلُ الأصولِ ومسائل الفروع، ولهذا تجدني - أخي القارئ - لا أستعمل لفظ «الكفر» إلّا تجاه من كانت مقالتُه كفراً محضاً في اجتهادي! وفي هذه الحالِ أقول: هذه المقالة كفر، ولا يجوز لمسلمٍ أن يتبعها. فالتمييع للدينِ إذن؛ هو ما عليه متعصّبة المذاهب أجمعون، عندما يقولون: مَن يقلّد واحداً من المذاهب الأربعةِ؛ فهو مصيب، مع علمهم بأنّ في مفاريد كلِّ مذهب من المذاهبِ مسائلَ باطلةً كثيرة! والأقبح من هذا مسألة التلفيقِ، التي تعني «الأخذُ برُخص المذاهب» وقد كان بعض كبار مشايخنا من الحنفيّة يأخذون بها! والله تعالى أعلم. والحمدُ لله على كلِّ حال. الأستاذ الدكتور عداب محمود الحمش