مَسائِلُ عَقَديّةٌ: أقسام التوحيدِ الثلاثةُ ؟! بسم الله الرحمن الرحيم (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَاقَوْمِ: اعْبُدُوا اللهَ، مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) [الأعراف]. أمّا بعد: طلب أحد الإخوةِ تعريف توحيد الإلوهية وتوحيد الربوبية، وبيان الفارق بينهما. أقول وبالله التوفيق: التوحيدُ في إصطلاح أهل السنة والجماعة - بالمفهوم العام - هو إفراد الله تعالى بما يختصُّ به من الألوهيّةِ والربوبيّة والأسماء الحسنى وصفات الكمال العليا. ونتج عن ذلك عند الشيخ ابن تيمية أنّ التوحيدَ ثلاثةُ أقسام: (1) توحيد الألوهية (توحيدُ العبادة) وهو يعني إفرادَ العبدِ المسلمِ اللهَ تعالى بجميعِ ما يُطلق عليه عبادةٌ في شريعة الإسلام (كالصلاةِ والصومِ والزكاة والحجّ والدعاء والخوف والرجاء والتوكّل والاستعانةِ) ونحو ذلك. وأدلَةُ توحيد الألوهية من القرآن الكريم كثيرة جدا، وجميع الآيات التي تشير إليه هي في فلك: (اعْبُدُوا اللهَ، مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). أو تقول: (اُعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) والنهي عن الشرك؛ إثباتٌ للتوحيد. (2) توحيد الربوبيّة: وهو يعني إفرادَ العبدِ المسلمِ اللهَ تعالى بأفعاله الكبرى في الوجود (كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والقيّوميةِ على هذا الوجود) فلا يوجد أحدٌ من الأنبياء وسائر البشر، له إرادةٌ تكوينيّة، يستطيع أن يحرّك بها ساكناً، أو يسكّن متحرّكاً، في قوانين وظواهر هذه الحياة الدنيا الفانية، وفي الحياةِ الآخرة الخالدة. وأدلّة توحيدِ الربوبيّة من القرآن الكريم كثيرة: منها (قُلْ: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ، وَلَا أُشْرِكَ بِهِ، إِلَيْهِ أَدْعُو، وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) [الرعد]. ومنها (قُلْ: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) [الزُمَر]. ومنها (يَاأَيُّهَا النَّاسُ: اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ، الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) [البقرة]. ومنها (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: اِرْكَعُوا وَاسْجُدُوا، وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) [الحجّ]. (3) توحيدُ الأسماءِ والصفاتِ: وهو إيمانُ العبدِ المسلمِ بما أثبتَه الله تعالى لذاته القدسيّة من الأسماء الحسنى والصفات العليا، أو أثبتَه له رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وعندما نقول: أثبتَه له رسوله؛ فهذا يعني أنّ الرسولَ قالَه يقيناً، لا ظنّاً! من مثل (هو الله الذي لا إله إلّا هو، الملك القدوّس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر) ومثل قوله تعالى (كلّ شيء هالك إلّا وجهه) ومثل (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء). وأدلّة إثباتِ الأسماء الحسنى للهِ تعالى، والتوجّهِ إليه بها عند الدعاءِ، وطلب الحوائج؛ كثيرة: منها (وَللهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، فَادْعُوهُ بِها، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) [الأعراف]. ومنها: (قُلِ: ادْعُوا اللهَ، أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ، أَيًّا مَا تَدْعُوا؛ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ، وَلَا تُخَافِتْ بِها، وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) [الإسراء]. ومنها (هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ، لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) [الحشر]. ومن أمّة الإسلامِ طائفةٌ كبيرة، يذهبون إلى إثباتِ ما دَعَوْه بالصفات الخبريّة (الوجه واليد والساق والرجل والضحك والتبشبش والمشي والهرولة). والذين يثبتون هذه الإضافات يقولون: (نثبت ذلك كما يليق بجلال الله تعالى) ويقولون: (نثبت لله تعالى هذه الصفاتِ بلا كيف)! وبمعزلٍ عن تأويل هذه الإضافاتِ، أو إثباتِها على ظاهرها حقيقة؛ يبقى السؤال لديّ: كيف يكون إثبات (الوجه واليد والساق والرجل والضحك والتبشبش والمشي والهرولة) توحيداً، وهي أبعاضٌ، يشترك بمسمياتها جميع بني البشر ؟ والمفترض أن التوحيدَ؛ هو انفراد الله تعالى بتلك الصفات!! الله تعالى يقول عن ذاته العليّة: (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فلو أننا فهمنا النورَ هادياً سامياً مجرّداً عن المحسوساتِ، له جميع معاني النّور اللائقة بجلالِ الله تعالى، إذ هو (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) أليس هذا أولى من أن يكيّفه الخيالُ الإنسانيّ على هيئة البشر المحدودة (الوجه واليد والساق والرجل...) ؟ إذ من المعلوم أنّ الوجه بجميع معانيه الحقيقيّة والمجازيّة؛ غيرُ اليدِ، واليدُ غير الساق، والساقُ غير القدم! وأنت مهما قلت: بلا كيف، أو قلتَ: وجه يليق بذاته، ويدٌ تليق بذاته؛ فإنّ المغايرةَ بين معاني هذه الكلماتِ؛ قائمة، والتشبيه الذهنيّ؛ قائم لا محالة! فإذا أضفنا إلى ما تقدّم ثلاثةَ معلوماتٍ رئيسة؛ كان التأويلُ هو الصوابَ، الذي لا صوابَ غيرُه، مع إعذار العقولِ التي لا تَفهم التجريد! المعلومةُ الأولى: إنّ كلمات (وصفَ، نَصِف، صِفة، صفات) لم تردْ مضافةً إلى الله تعالى في القرآن الكريم، ولو مرّة واحدة! إنّما وردت كلمة (يصفون) منفيّةً عن الله تعالى، ستَّ مرّاتٍ في القرآن الكريم: (1) (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَا اللهِ وَاتِ وَالْأَرْضِ (101) [الأنعام]. (2) (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ؛ لَفَسَدَتَا، فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) [الأنبياء]. (3) (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ، إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) [المؤمنون]. (4) (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ؛ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) [الزُخرف]. (5) (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) [الصّافّات]. (6) (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182) [الصافّات]. المعلومة الثانية: إنّ تأويلَ الآيات القرآنيةِ، التي يتمسّك بها مثبتو الصفاتِ؛ أبلغ في تنزيه الله تعالى من إثباتها على ظاهرها، وإليك مثال (اليد) فقد قال الله تعالى: (1) (وَقَالَتِ الْيَهُودُ: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا! بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (64) [المائدة]. هل يريد اليهود أنّ يدَ الله محاطةٌ بأصفادٍ وأغلالٍ من حديد؟ أو يريدون أنّه تعالى بخيلٌ عليهم، وحاشاه جلّ وعزّ؟ وعندما يردّ اللهُ تعالى عليهم بقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) هل يريد أنّهما مفتوحتان، ويوزّع بهما الرزق على عبادِه؟ إنّ الذي يفهم هذا الفهم؛ أقربُ إلى البلداءِ، منه إلى جهّالِ البشر! (2) (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ؛ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ، يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ! فَمَنْ نَكَثَ؛ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِما عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ ؛ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) [الفتح]. هل لوجود (يَد اللهِ) فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، أو وجودها في وسط أيديهم، أو وجودها تحت أيديهم، أو وجودها قَريباً من أيديهم؛ أيُّ أثر على مرادِ الآية الكريمة، من توثيق العهد، ورقابةِ الله تعالى عليه؟ المعلومة الثالثة: إنّ الروايات الحديثيّة التي حملت إلينا كلماتِ الضحك والتبشبش والنزول والصعود والمشي والهرولة؛ أكثرُها رواياتٌ ضعيفةُ الإسنادِ، منكرةُ المتن! وما صحّحه بعضُ المحدثين منها؛ أحاديث آحادٍ، معظهما غرائب، لا تصلح لأن تبنى عليها عقائدُ يؤمن بها الموحّدون! ولَعمري إنّ الذي يعتقدُ بأنّ الله تعالى يقعدُ على العرشِ، ويقعد معه الرسولَ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن يمينه؛ لهو ضحلُ التفكيرِ، ساذجُ العقلِ، بعيدٌ كلَّ البعد عن المعقولات، فاقدٌ أدنى درجات تنزيه الله تعالى، الذي قال (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). والله تعالى أعلم. والحمد لله على كلّ حال. الأستاذ الدكتور عداب محمود الحمش