نحو حوكمة قضائية شاملة في سوريا من إرث الاستبداد إلى دولة العدالة

نحو حوكمة قضائية شاملة في سوريا من إرث الاستبداد إلى دولة العدالة مقال رأي — الباحث عبدالرحمن حساني لم يكن القضاء السوري في عهد الاستبداد بمنأى عن منظومة الهيمنة السياسية. تداخلت السلطة بالقضاء، واختلّ استقلاله، وأضعفت ممارسات الفساد والتدخلات غير المشروعة ثقة المواطن بقدرة المؤسسة القضائية على حماية حقوقه وإنصافه. ومع سقوط النظام، فإن المهمة ليست استبدال أشخاص بآخرين، بل معالجة الاختلالات التشريعية والمؤسسية التي سمحت بتسييس العدالة. فالقضاء مرآة عافية الدولة. ولا يمكن بناء سوريا مستقرة وعادلة دون قضاء مستقل ونزيه وكفء، تحكمه سيادة القانون وتصون أحكامه كرامة الإنسان وحقوقه. لماذا نحتاج الحوكمة القضائية؟ إصلاح القضاء ليس شأنًا مهنيًا يخص القضاة والمحامين وحدهم، ولا مسألة إدارية تنحصر في تحسين الأبنية وتسريع الإجراءات. إنه قضية وطنية تمس علاقة المواطن بالدولة، ومشروعية السلطة، وحماية الحقوق، واستقرار المجتمع، ومستقبل الاقتصاد والاستثمار. المواطن الذي لا يصل إلى حقه أمام القضاء يفقد جزءًا من ثقته بالدولة. والمستثمر الذي لا يطمئن إلى استقلال القضاء يتردد في استثمار أمواله. والمجتمع الذي تتفاوت فيه فرص الإنصاف تبعًا للنفوذ والمال يفقد تدريجيًا ثقته بمبدأ المساواة أمام القانون. ومن هنا، فإن معالجة المشكلات القضائية لا تتحقق بإصلاح جزئي أو مؤقت، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تعيد النظر في التشريعات، وبنية المؤسسات، وآليات اختيار القضاة وتأهيلهم، وضمانات استقلالهم، ونظم الرقابة والمساءلة، وإدارة الموارد، وحقوق المتقاضين، وتنفيذ الأحكام. ما المقصود بالحوكمة القضائية الشاملة؟ أقصد بها منظومة متكاملة من المبادئ والقواعد والآليات الدستورية والقانونية والمؤسسية والإدارية والرقابية، التي تضبط تنظيم القضاء وممارسة وظائفه وإدارة موارده وتقييم أدائه، بما يضمن استقلاله وحياده ونزاهته وكفاءته، ويحقق المساءلة المشروعة والشفافية الإجرائية، ويحمي حقوق المتقاضين، ويعزز وصول الجميع إلى عدالة فعالة في إطار سيادة القانون. الحوكمة أوسع من الإدارة القضائية؛ فالإدارة تعنى بتنظيم العمل وتسيير الموارد والإجراءات، أما الحوكمة فتشمل، إلى جانب ذلك، تحديد قواعد السلطة والمسؤولية، وضمانات الاستقلال، وحدود الرقابة، ومعايير النزاهة والأداء، وآليات المساءلة، والعلاقة بين المؤسسات القضائية وسائر سلطات الدولة. ووصف الحوكمة بالشمول لا يعني إخضاع جميع الجهات القضائية لسلطة إدارية واحدة، بل بناء منظومة تحترم استقلال كل جهة واختصاصها، وتمنع تضارب الصلاحيات، وتحقق التعاون المؤسسي دون المساس بالاستقلال القضائي. الاستقلال والمساءلة: معادلة القضاء الرشيد من الأخطاء التي ينبغي تجنبها الاعتقاد بأن استقلال القضاء يعني تحصينه من كل رقابة، أو أن المساءلة تقتضي إخضاع القضاة للسلطة التنفيذية. الاستقلال ضمانة لتمكين القاضي من إصدار حكمه وفق القانون والأدلة، بعيدًا عن ضغوط السياسة والمال والنفوذ، لكنه لا يعفيه من الالتزام بالقانون وأخلاقيات المهنة والمسؤولية التأديبية المقررة وفق إجراءات عادلة. وفي المقابل، لا يجوز استخدام التفتيش أو التقييم أو المساءلة وسيلةً للتأثير في مضمون الأحكام أو معاقبة القاضي بسبب قرار قضائي لا يرضي جهة نافذة. ولذلك، ينبغي أن تقوم الحوكمة القضائية على معادلة دقيقة: استقلال في ممارسة الوظيفة القضائية، ومساءلة وفق القانون، ورقابة بضمانات مستقلة، وشفافية لا تنتهك سرية المداولات أو حقوق المتقاضين. ويقتضي ذلك معايير واضحة للتعيين والترقية والتفتيش والتأديب، وضمان حق القاضي في الدفاع والطعن، وتحديد اختصاصات الجهات المعنية بما يمنع تضارب المصالح والتدخل غير المشروع. التأصيل الشرعي والدستوري لا يمكن بناء نموذج سوري راسخ للحوكمة القضائية بمجرد استيراد تجارب أجنبية؛ فنجاح أي نموذج يتوقف على مدى اتساقه مع دستوره وقوانينه وبنيته المؤسسية واحتياجات مجتمعه. ومن هنا أهمية تأسيس الحوكمة القضائية على منهج يجمع بين فلسفة العدالة، ومبادئ الشريعة الإسلامية، وأدوات أصول الفقه والاجتهاد المقاصدي، والقواعد الدستورية والقانونية، والاستفادة النقدية من التجارب المقارنة. فالعدل مقصد أصيل، والأمانة أساس لتولي المسؤولية، ومنع الظلم غاية شرعية وقانونية، وحماية الحقوق من مقتضيات إقامة العدل. غير أن الانتقال من هذه المبادئ إلى تنظيم قضائي معاصر يحتاج إلى اجتهاد منضبط يميز بين النصوص ومقاصدها، وبين الأحكام الثابتة والوسائل التنظيمية القابلة للتطوير، ويراعي العلة والمصلحة والواقع والمآلات، دون تحميل النصوص ما لا تحتمل أو اتخاذ المقاصد ذريعة لتجاوز أحكام القانون. فالمواءمة بين الشريعة والقانون لا تعني افتراض التطابق بين جميع أحكام المرجعيتين، بل دراسة أوجه الاتفاق والاختلاف بمنهج علمي، وتحديد إمكانات التكامل وحدوده. مشروع مؤسسي لا شعار إصلاحي نجاح الإصلاح القضائي يتطلب الانتقال من المبادئ العامة إلى برنامج مؤسسي محدد، يبدأ بتشخيص الواقع التشريعي والقضائي والإداري، وتحديد مواطن الخلل وأسبابه، ثم ترتيب الأولويات ووضع الحلول ومؤشرات قياس النتائج. ويشمل ذلك مراجعة التشريعات المنظمة للسلطة القضائية، وتطوير آليات اختيار القضاة وتأهيلهم المستمر، وتعزيز استقلال الجهات القضائية، وتحديث إدارة المحاكم، وتحسين توزيع القضايا، وتيسير إجراءات التقاضي، وتطوير الخدمات الرقمية، وضمان حماية البيانات وسريتها، ومراجعة نظم التفتيش والتأديب، وتعزيز المساعدة القانونية للفئات غير القادرة. كما يستلزم تطوير آليات تنفيذ الأحكام؛ لأن العدالة التي تبقى حبيسة الأوراق لا تحقق الغاية منها. ويجب أن يقترن ذلك بتوفير الموارد البشرية والمالية والتقنية اللازمة، ووضع مؤشرات تقيس جودة الأحكام وسلامة الإجراءات واحترام الحقوق، لا مجرد عدد القضايا المفصول فيها أو سرعة إنهائها. ويتعين كذلك التمييز بين اختصاصات وزارة العدل والجهات القضائية المستقلة والسلطات الدستورية الأخرى؛ فالتنسيق بينها ضرورة، لكن التنسيق لا يبرر تجاوز الاختصاصات أو المساس باستقلال القضاء. ولا تكتمل هذه المنظومة دون مشاركة القضاة والمحامين والجامعات والباحثين ومؤسسات المجتمع المدني، والاستماع إلى المواطنين الذين عانوا من تعطل العدالة أو تعسف السلطة. فالإصلاح الذي يُصاغ بعيدًا عن الواقع قد يبدو متماسكًا على الورق، لكنه يعجز عن معالجة المشكلات الفعلية. خصوصية المرحلة السورية سوريا الخارجة من حقبة الاستبداد تواجه مهمة مزدوجة: معالجة إرث الانتهاكات والمظالم، وبناء مؤسسات تمنع تكرارها. وفي هذا السياق، تكتسب الحوكمة القضائية أهمية خاصة؛ لأنها تصل بين إصلاح المؤسسة القضائية ومتطلبات العدالة الانتقالية، من خلال ضمان المحاكمات العادلة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق القانون، وصون حقوق الضحايا، ومنع العقاب الجماعي، وترسيخ المساواة أمام القضاء. ويتطلب ذلك ألا تتحول عملية الإصلاح إلى تصفية حسابات أو استبدال نفوذ بنفوذ آخر، وألا يُختزل إصلاح القضاء في تغيير القيادات أو إعادة توزيع المناصب. فالمطلوب هو بناء قواعد مؤسسية تستمر بعد تغير الأشخاص والحكومات، وتحول دون عودة التبعية السياسية والفساد والتدخل في الأحكام. وهنا تقع مسؤولية مباشرة على الدولة في توفير الضمانات الدستورية والتشريعية والموارد اللازمة، وعلى القضاة في الالتزام بالنزاهة والكفاءة والتجرد، وعلى المحامين في حماية حقوق المتقاضين، وعلى الجامعات والباحثين في إنتاج المعرفة والتقييم المستقل، وعلى المجتمع في الدفاع عن استقلال القضاء واحترام أحكامه القانونية والمشروعة. فالقضاء ليس ملكًا للسلطة، ولا امتيازًا لفئة مهنية، بل مؤسسة عامة أُنشئت لخدمة العدالة وحماية حقوق الناس. توصيات عملية 1. مراجعة قانون السلطة القضائية: بما يضمن استقلال مجلس القضاء الأعلى، ووضوح اختصاصاته، وفصله عن التأثير التنفيذي. 2. ضمانات التعيين والترقية والتأديب: معايير معلنة قائمة على الكفاءة والنزاهة، وحق القاضي في الدفاع والطعن. 3. استقلال التفتيش القضائي والتأديب: بضمانات تمنع استخدامهما للتأثير في مضمون الأحكام. 4. تطوير تنفيذ الأحكام: آليات فعالة، ورقابة على التنفيذ، وحماية للمتقاضين من تعطيل حقوقهم. 5. المساعدة القانونية للفئات الهشة: النساء والأطفال وذوو الإعاقة والفقراء والنازحون واللاجئون. 6. مؤشرات قياس الأداء القضائي: مدة التقاضي، نسبة تنفيذ الأحكام، نسب الطعن، رضا المتقاضين، الوصول إلى العدالة. 7. فصل اختصاصات وزارة العدل عن الجهات القضائية: تنسيق بلا تجاوز، وتعاون بلا مساس بالاستقلال. 8. إشراك الجامعات والمجتمع المدني: في التقييم المستقل وإنتاج المعرفة ومراقبة الإصلاح. خاتمة مستقبل سوريا لا يتوقف على بناء مؤسسات الدولة فحسب، بل على بناء مؤسسات عادلة يطمئن المواطن إلى نزاهتها، ويثق بأن حقوقه لا تضيع بسبب نفوذ أو مال أو انتماء. ولا يتحقق ذلك بالشعارات أو النوايا وحدها، بل بالقواعد الواضحة، والمؤسسات المستقلة، والكفاءات المؤهلة، والرقابة المشروعة، والإرادة الجادة للإصلاح. فالدولة التي تريد أن تحكم بالقانون، لا بد أن تبدأ بضمان استقلال القضاء ونزاهته؛ والدولة التي تريد استعادة ثقة شعبها، لا بد أن تجعل العدالة حقًا مصونًا لكل مواطن، لا منحةً تمنحها السلطة لمن تشاء. القاضي عبدالرحمن محمود حساني Generations and Technology University