"كرامة الضحايا ومسؤولية الدولة" : بقلم/ د. فالح الشبلي

"كرامة الضحايا ومسؤولية الدولة" بقلم/ د. فالح الشبلي لا تتحدد خطورة الحوادث الحدودية بآثارها المباشرة فحسب، بل بما قد تخلّفه طريقة معالجتها من تداعيات سياسية ومجتمعية. فقد تبقى الحادثة واقعة محدودة إذا كُشفت ملابساتها وأُنصف المتضررون، أو تتحول إلى أزمة ثقة ممتدة إذا غابت الشفافية والمساءلة. ومن هذا المنطلق، فإن الحادثة التي طالت مدنيين سوريين على الحدود مع الأردن ــ وفق المعطيات المطروحة ــ تثير مسألة تتجاوز الواقعة ذاتها إلى مسؤولية الدولة عن حماية المدنيين ومنع الأخطاء المنسوبة إلى أجهزتها من التحول إلى مصدر توتر بين الشعبين. تقع على عاتق العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، مسؤولية اتخاذ موقف واضح يبدّد الاحتقان ويحول دون اتساع تداعيات الحادثة. ويقتضي ذلك تحقيقًا شفافًا يحدد الوقائع والمسؤوليات، يعقبه اعتذار رسمي لأسر الضحايا وإقرار بالخطإ ومحاسبة المسؤولين وتعويض عادل للمتضررين، إذا ثبتت المسؤولية الأردنية. فهذه الإجراءات ليست استجابة أخلاقية فحسب، بل هي مدخل مؤسسي لاحتواء الأزمة وإعادة الثقة. إن أمن الحدود لا يستمد استدامته من فاعلية الإجراءات الأمنية وحدها، بل من مشروعية استخدامها أيضًا. فحق الدولة في حماية سيادتها لا يعفيها من مسؤولية ضمان انضباط أجهزتها ومحاسبتها عند التجاوز. والاعتراف بالخطإ ــ حين تثبت المسؤولية ــ لا ينتقص من هيبة الدولة؛ بل يعزز مصداقيتها، ويحدّ من الكلفة السياسية والاجتماعية التي قد تنتج عن الإصرار على التجاهل أو ترك الوقائع بلا تفسير مقنع. ولا تقف التداعيات عند حدود الضحايا وأسرهم، إذ قد تمتد إلى تصورات الرأي العام عن الدولة وسياساتها. فالعلاقات التاريخية والاجتماعية بين السوريين والأردنيين تشكل رصيدًا مهمًّا، لكنها لا تحمي نفسها تلقائيًّا من التآكل. وحين تغيب المعالجة العادلة، قد تنتقل آثار الحادثة من دائرة المتضررين إلى المجال المجتمعي الأوسع، بما يفتح المجال أمام تضارب الروايات والتوظيف السياسي وتوسيع الخلاف خارج نطاقه الأصلي. ومن هنا، ينبغي الفصل بين مساءلة الجهات المسؤولة والحفاظ على العلاقات بين الشعبين؛ فلا يجوز أن تتحول الأخوّة إلى ذريعة لتجاوز حقوق الضحايا، كما لا ينبغي أن تنقلب المطالبة بالإنصاف إلى إدانة جماعية. فالمعالجة الرشيدة تحصر المسؤولية في نطاقها المثبت، وتحمي الروابط الشعبية من أن تصبح رهينة لأفعال محددة أو خلافات قابلة للاحتواء. استراتيجيًّا، لا يمثل التعامل مع هذه الحوادث شأنًا إنسانيًّا منفصلًا عن أمن الحدود، بل جزءًا من شروط استقراره. فغياب الشفافية قد يراكم المظالم ويضعف الثقة، بينما يتيح التحقيق الجاد وجبر الضرر احتواء الأزمة وتقليص فرص استثمارها سياسيًّا. ويتوقف المسار اللاحق على طبيعة الاستجابة الرسمية: فالمساءلة والإنصاف يفتحان المجال لإعادة الثقة، أما استمرار الغموض فقد يحوّل الاستياء من حادثة محددة إلى اعتراض أوسع على السياسات الحدودية والعلاقات الثنائية. وعليه، فإن المطلوب ليس تصعيد الخلاف أو توسيع دائرة الاتهام، بل كشف الحقيقة وتحديد المسؤولية واتخاذ تدابير تمنع تكرار الحادثة. فحماية المصالح الأمنية لا تتعارض مع العدالة، بل إن تجاهل حقوق المدنيين قد يقوّض الثقة التي يحتاج إليها الأمن نفسه. إن الاختبار الحقيقي للعلاقات السورية الأردنية ليس في تجاوز الحادثة بالصمت، بل في منعها من التحول إلى شرخ دائم بين الشعبين. فالاعتذار ــ حين تثبت المسؤولية ــ ليس ضعفًا، والتعويض العادل ليس تنازلًا، والمساءلة ليست تهديدًا للاستقرار؛ بل أدوات لإعادة الثقة وصونها. وأرواح الأبرياء ليست موضع مساومة، وكرامة ذوي الضحايا ليست تفصيلًا في الحسابات السياسية. إن حماية الأخوّة بين الشعبين تبدأ بإنصاف المتضررين وتحمل المسؤولية، لا بمطالبتهم بتجاوز ما وقع دون معالجة عادلة