سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ

سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ لَيْثُ العَرِينِ وَسَيْفُ اليَقِينِ بقلم الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو إن في سماء التاريخ الإسلامي نجوماً زاهرةً وشهباً ثاقبة، شقت ظلمات الجاهلية بيقينها وشجاعتها، فكانت للأمة درعاً حصيناً ومناراً يهدى به، وفي ذروة سنام هؤلاء الأبطال يبرز اسم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، عمّ المصطفى صلى الله عليه وسلم. لقد كان حمزة رضي الله عنه رمز الفروسية والشهامة في قريش، فما إن لامس الإيمان شغاف قلبه حتى غدا «أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ»، يخوض الميادين كالجبل الأشم، ويصول في بدر وأحُد بحمية الصادقين، حتى لقى ربه شهيداً محتسباً، في مشهد تتفطر له القلوب وتخضع له الهامات إجلالاً وتكريماً. هنا، في هذه السطور، نلج إلى رحاب سيرته العطرة؛ لنستجلي منها معالم البطولة، ونقتبس من ثباته ووفائه مثلاً سامقاً يضيء دروب الأجيال. لم يكن حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في أحساب قريش وأنسابها إلا كالبدر الطالع بين النجوم، هو عم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، إذ أرضعتهما معا السيدة ثويبة رضي الله عنها مولاة أبي لهب في ذلك العام الأغر الذي ولد فيه خاتم المرسلين. ولد رضي الله عنه قبل المبعث النبوي بسنتين أو أربع -وصحح ابن الأثير القول الأول- فنشأ في أصلاب الشرف كالسيف المصلت؛ صلب العود، رفيع النسب، ثابت الجنان، يلوذ بحماه الضعيف فيأمن، ويحاذر صولته الخصم فيستكين، فكان رأس فتيان قريش هيبة، وأعظمهم شوكة ومنعة. كان إسلام حمزة رضي الله عنه في السنة الثانية للبعثة كالصاعقة التي شقت غسق الجاهلية؛ إذ مر أبو جهل لعنه الله برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه ببعض ما يكره من العيب لدينه، فلم يكلمه النبي صلى الله عليه وسلم صبراً واحتساباً، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان تسمع ذلك من مسكنها. وما لبث حمزة أن أقبل متوشحاً قوسه، راجعاً من قَنَصٍ يرميه، وكان إذا رجع لا يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، ولا يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم عليهم لمكانته. فلما مر بتلك المولاة، قالت له بنبرة الحزين: "يَا أَبَا عُمَارَةَ! لَوْ رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفاً مِنْ أَبِي الحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ؛ وَجَدَهُ هَهُنَا جَالِساً فَآذَاهُ وَسَبَّهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ". فغضب حمزة كالبحر إذا ثارت أمواجه، فخرج يسعى ولم يقف على أحد، معداً لأبي جهل أن يوقع به، ودخل المسجد فرأى الخبيث جالساً في القوم، فأقبل نحوه حتى قام على رأسه، فرفع القوس فضربه بها ضربة شجت رأسه شجة منكرة، وهتف بصوت يهز الأركان: «أَتَشْتِمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ مَا يَقُولُ؟! فَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ!» وتم حمزة رضي الله عنه على إسلامه، ويومئذ عرفت قريش وعلمت علم اليقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع بحمزة، فكفوا عن كثير مما كانوا ينالون منه، ليكون إسلامه حصناً منيعاً ودرعاً حصيناً للدين الحنيف. شهد سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه غزوة بدر الكبرى، فكان في الميدان كالطود الأشم، يبلي فيها بلاء عظيماً يشق الصفوف كالسهم المنطلق، وكان رضي الله عنه يُعْرَفُ في الحَرْب بعَلامَة فَارِقة؛ رِيشَةِ نَعَامَةٍ بَيْضَاءَ يَضَعُهَا عَلَى صَدْرِهِ، ليكون منارة للشجاعة، وفارقاً بين الحق والباطل، فبدا فارس قريش وفارس الإسلام جميعاً. ولما أقبل يومُ أحُد، كان للقدر النافذ مساره؛ وإليك قصة الشهادة برواية وحشي بن حرب رضي الله عنه، حيث قال: «كُنْتُ غُلَاماً لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَكَانَ عَمُّهُ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ قَدْ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَلَمَّا سَارَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أُحُدٍ قَالَ لِي جُبَيْرٌ: إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي، فَأَنْتَ عَتِيقٌ! قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ، وَكُنْتُ رَجُلاً حَبَشِيّاً أَقْذِفُ بِالحَرْبَةِ قَذْفَ الحَبَشَةِ، قَلَّمَا أُخْطِئُ بِهَا شَيْئاً. فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ خَرَجْتُ أَنْظُرُ حَمْزَةَ وَأَتَبَصَّرُهُ، حَتَّى رَأَيْتُهُ فِي عَرْضِ النَّاسِ كَأَنَّهُ الجَمَلُ الأَوْرَقُ، يَهُدُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ هَذَا مَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ. فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَتَهَيَّأُ لَهُ، أُرِيدُهُ وَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِشَجَرَةٍ أَوْ بِحَجَرٍ لِيَدْنُوَ مِنِّي، إِذْ تَقَدَّمَنِي إِلَيْهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ العُزَّى، فَلَمَّا رَآهُ حَمْزَةُ قَالَ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ مُقَطَّعَةِ البُظُورِ! فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً كَأَنَّمَا أَخْطَأَ رَأْسَهُ. قَالَ: وَهَزَزْتُ حَرْبَتِي، حَتَّى إِذَا رَضِيتُ مِنْهَا دَفَعْتُهَا عَلَيْهِ، فَوَقَعَتْ فِي ثُنَّتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ، وَذَهَبَ لِيَنُوءَ نَحْوِي فَغُلِبَ، وَتَرَكْتُهُ وَإِيَّاهَا حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى العَسْكَرِ وَقَعَدْتُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِغَيْرِهِ حَاجَةٌ، إِنَّمَا قَتَلْتُهُ لَأُعْتَقَ. فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ عُتِقْتُ ثُمَّ أَقَمْتُ». وظل وحشي هارباً حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح فهرب إلى الطائف، ثم هم بالخروج إلى الشام أو اليمن، فقيل له: "وَيْحَكَ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَا يَقْتُلُ أَحَداً مِنَ النَّاسِ يَدْخُلُ دِينَهُ!". ففارق الطائف وخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يره النبي إلا قائماً أمامه يشهد شهادة الحق. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَوْحْشِيٌّ أَنْتَ؟»، قلت: "نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ"، قال: «فَحَدِّثْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟»، فحدثته بما جرى. فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَدِيثِي قَالَ: «وَيْحَكَ! غَيِّبْ عَنِّي وَجْهَكَ». فكان وحشي يتنكّب طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان، لئلا يراه حتى قبضه الله تعالى إليه؛ إذ بقي طيف عم النبي الشهيد حاضراً في الوجدان، بين عز الشهادة وسعة العفو المحمدي. بعد أن سقط الليث الصريع، شهدت أحُدٌ غدراً بشعاً منكراً؛ إذ مَثَّلَتْ قُرَيْشٌ بِجَثْمَانِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فبقرت هند بنت عتبة -زوج أبي سفيان- بطنه، واستخرجت كبده، وجدَّعت أنفه وأذنيْه؛ ثأراً لمن أصيب من قومها يوم بدر. وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلتمس عمه، فوجده ببطن الوادي في مشهد تتفطر له القلوب، فلما رأى صلى الله عليه وآله وسلم ما حلَّ بعَمِّه وسَنده، اعتصره الحزن الفادح وقال: «لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ وَتَكُونَ سُنَّةً مِنْ بَعْدِي، لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَكُونَ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ، وَلَئِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ فِي مَوْطِنٍ مِنَ المَوَاطِنِ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ.. لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِكَ أَبَداً!» فنزل الوحي الكريم مرسخاً عزة الصبر وعدالة المنتصر: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] فعفا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصبر، ونهى أمته عن المثلة نهياً قاطعاً. دفن سيد الشهداء حمزة وابن أخته عبد الله بن جحش رضي الله عنهما في قبر واحد بأُحُد. وكان حمزة أول مَن صلَّى عليه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ، فكبَّر عليه أربعاً، ثم كان يؤتى بالشهيد فيوضع إلى جانب حمزة، فيصلي صلى الله عليه وآله وسلم عليه وعلى حمزة، حتى صلى على عمِّه سبعين مرة في مشهد لم تشهد الأرض له نظيراً. وقد تواترت الأحاديث النبوية في بيان فضله ومكانته السامية؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَنَهَاهُ وَأَمَرَهُ...» وأتاه الملك المقرب ليبشره بمنزلته في الملأ الأعلى؛ إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَتَانِي جِبْرَئِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ حَمْزَةَ مَكْتُوبٌ فِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ» هكذا تتسامق سيرة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه كالشجرة الطيبة، أصلها ثابت في أرض البطولة، وفرعها يطال أفق السماء، لقد بدأ رحلته في ركاب الحق بغضبة شريفة انتصاراً لأخيه، فلم يزل منذ تلك اللحظة درعاً مكيناً للإسلام، وسيفاً مسلولاً في وجوه الطغاة والمعتدين. ولئن غاب جسدُ «أسَدِ اللهِ» عن هذه الدنيا تحت ثرى أُحُدٍ، وبكت العين فراقَه وجراحه الفاجعة، فإن ذكره الباقي وسام خلود لا يمحوه الزمان، إذ سطّر بدمائه الزكية وثباته الراسخ عنوان الفداء الأسمى، فنال بذلك أعلى المراتب، ليكون بحق «سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ»، والمكتوب في الملأ الأعلى بين أهل السماوات السبع أنه أسد الله وأسد رسوله. فسلامٌ على أبي عمارة، يوم صال في الميادين، ويوم استُشهد في سبيل رب العالمين، ويوم يُبعث حياً يتقدم كوكبة الشهداء في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين