هل القرآن وحي أم نتاج البيئة؟ : الدكتور محمد سعيد أركي

سلسلة رد شبه المستشرقين (٢). هل القرآن وحي أم نتاج البيئة؟ مقدمة: بعد أن أثبتنا في المقال السابق بالأدلة العقلية والنقلية استحالة أن يكون القرآن من تأليف النبي ﷺ، تبرز حاجة ملحة لمناقشة أبرز الشبهات التي يطرحها المشككون محاولين تعليل هذه الظاهرة الفريدة. فهل كانت البيئة المحيطة مصدراً للقرآن؟ أم هي عبقرية بشرية استثنائية؟ هذا المقال يناقش هذه التساؤلات عبر تحليل علمي ومنطقي لها. الشبهة الأولى: ألم يكن محمد ﷺ على اتصال بالديانات السابقة فاستقى منها؟ الرد العلمي: هذه الفرضية تتهاوى عند التدقيق في عدة حقائق: ١. الاختلاف الجوهري في المضامين: لو قارنّا القصص القرآني عن الأنبياء بنظيره في الكتب السابقة، لوجدنا القرآن يُنَزِّه الرسالات عن الأساطير والتناقضات. فقصة آدم عليه السلام في القرآن خالية من فكرة "الخطيئة الأصلية"، وقصة نوح تخلو من أسطورة السُكْر والعري، وقصة إبراهيم تختلف جذرياً عن رواية التوراة في كيفية نجاته من النار. لو كان النبي ﷺ يأخذ منهم، لانعكست هذه الروايات في القرآن. ٢. السياق والهدف المختلف كلياً: القرآن لم يأتِ بسرد تاريخي مجرد، بل حوّل القصص إلى دروس في التوحيد والأخلاق والعقيدة. فالقصة الواحدة ترد في أكثر من موضع بسياقات مختلفة حسب العبرة المستفادة، مما ينفي فكرة النقل الحرفي. ٣. الغياب التام للمصطلحات الدينية الأجنبية: يخلو القرآن تماماً من أي مصطلح ديني سرياني أو عبري، بل كل مفرداته عربية فصيحة. كيف يستقي من ثقافات أخرى دون أن يتأثر بمصطلحاتها؟ الشبهة الثانية: أليست هذه العبقرية الفذة قادرة على إنتاج مثل هذا النص؟ الرد المنطقي: العبقرية البشرية - رغم عظمتها - لها قوانين وحدود تتعارض مع ظاهرة القرآن: ١. العبقرية لا تظهر فجأة: المسار الطبيعي للعبقرية يظهر عبر تدرج وتطور. فشكسبير مر بمراحل من الكتابة قبل روائعه، وأينشتاين نشر أبحاثاً تحضيرية قبل نظريته النسبية. أما النبي ﷺ فلم يُعرف عنه شعر ولا خطب بليغة قبل البعثة، ثم جاء بالقرآن فجأة في ذروة كماله اللغوي والفكري. ٢. تعدد مجالات الإعجاز يتجاوز العبقرية المتخصصة: العبقرية البشرية عادةً ما تكون في مجال واحد. فالعبقري اللغوي لا يكون فيزيائياً، والمشرع العظيم لا يكون طبيباً. أما القرآن فأعجز في اللغة، والتشريع، والعلوم، والتاريخ، وعلم النفس ... في وقت واحد. ٣. الوحدة الموضوعية رغم تعدد الظروف: نزل القرآن في ظروف متناقضة - حرب وسلام، فرح وحزن، قوة وضعف - ومع ذلك حافظ على نسق متسق وأسلوب متجانس. العبقرية البشرية تتأثر حتماً بالظروف النفسية والزمنية. الشبهة الثالث: ألم يتم تحرير القرآن وتنقيحه بعد وفاة محمد ﷺ؟ الرد التاريخي: هذه الفرية تتعارض مع الحقائق التاريخية الثابتة: ١. الحفظ الجماعي في الصدور: كان هناك المئات من الحفاظ للقرآن في حياة النبي ﷺ. فلو حاول أحد تغيير حرف واحد بعد وفاته، لوجد من يصحح له فوراً. كان القرآن محفوظاً في قلوب المؤمنين قبل أن يُدوّن في المصاحف. ٢. التدوين الفوري في العهد النبوي: كان كتّاب الوحي يدونون الآيات مباشرة عند نزولها على المواد المتوفرة (العسب، الرقاع، الأحجار). لم يكن الأمر متروكاً للذاكرة وحدها. ٣. جمع عثمان: عملية توحيد لا تأليف: جمع عثمان رضي الله عنه كان نسخاً من الأصل الذي جمعه أبو بكر من المكتوب والمحفوظ في الصدور، وأرسل نسخاً منه للأمصار. العملية شهدها كبار الصحابة الحفّاظ وكانت توثيقية بحتة. خاتمة: الحقيقة الساطعة كلما تعمقنا في دراسة الشبهات، ازدادت أدلة الوحي وضوحاً وجلاءً. فالشبهات التي تثار حول مصادر القرآن تثبت - عند التحقيق - عكس مرادها، وتزيدنا يقيناً بأن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون إلا كلام الله تعالى، المنزل على قلب النبي الأمي ﷺ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور د.محمد سعيد أركي مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات والعلوم الإسلامية Generations and Technology University