الغزو الفكري ومكانة العلماء: الدكتور مازن مطبقاني

الغزو الفكري ومكانة العلماء حظي العلماء في التاريخ الإسلامي بمكانة مرموقة جداً، وذلك لأن الإسلام هو دين العلم، حيث كانت أول كلمة نزلت من الذكر الحكيم كلمة "اقرأ" وجاءت آيات كثيرة تحث على العلم وتبين مكانة العلماء. وكان السيرة النبوية هي التطبيع العملي في تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين وحثه على طلب العلم. وثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقرّب القراء ويجعلهم أعضاء شوراه. وليس هذا فحسب فقد كان للعلماء هيبة لدى عامة الناس، ويقول في ذلك الأستاذ محمد قطب-رحمه الله- في كتابه القيم واقعنا المعاصر: "لقد كان علماء الدين دائماً في تاريخ هذه الأمة هم قادتها وموجهيها، وهم ملجأها كذلك إذا حزبهم أمر، وملاذها عن الفزع...تتجه إليهم لتتلقى علم الدين منهم، وتتجه إليهم ليشيروا عليها في أمورها العامة، وتتجه إليهم إذا وقع ظلم من الحكام والولاة ليسعوا إلى رفع الظلم عنهم لتذكير أولئك الحكام والولاة بربهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر" وظل هذا هو موقف العلماء من الأمة ومكانتهم فيها حتى بدأ الغزو الصليبي للأمة الإسلامية ابتداءً من حملة نابليون على مصر. ولم تكن هذه الحملة مجرد جيش وقوة، ولكن صحبها وتبعها المكر والتخطيط والدراسة. فقد صحب نابليون معه جيشاً من المستشرقين "حملة هموم الشمال المسيحي" فخططوا ودبروا إقصاء العلماء عن مكانتهم. وكان من هذا التخطيط ما ذكره محمود شاكر (رحمه الله) في كتابه رسالة في الطريق إلى ثقافتنا أن مستشار نابليون (فانتور) "المستشرق الداهية" المحنك المتستر الخفي الوطء، وأوهمه أن تدجين المشايخ الكبار ومن رجال الأزهر في "الديوان" كاف لكسب ثقة جماهير دار الإسلام في مصر حتى تستكين له وتخضع..." ولئن لم ينجح نابليون في إقصاء العلماء تماماً، لكنه وضع بذرة التخطيط لإقصاء العلماء عن قيادة الأمة. وقد كان العلماء هم الذين قادوا حركات التحرر ضد الاحتلال الغربي لديار المسلمين. ويضيق بنا المجال لو تحدثنا ن حركات التحرر وقيادة العلماء لها. ومع ذلك فلنذكر بعض الأمثلة؛ ففي الجزائر وبعد قرن من الاحتلال واعتقاد فرنسا أنها قضت على الإسلام قضاءً نهائياً ظهر الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله وثلة من العلماء الأعلام فكانت البداية الحقيقية لحرة التحرر في الجزائر. وكانت المخابرات الفرنسية تكتب التقارير عن الحركة الوطنية فتبدأ بالعلماء، وتكتب هذه التقارير دائماً أن العلماء هم أخطر عناصر الحركة الوطنية، ومن العلماء الذين قادوا حركات التحرر في فلسطين عز الدين القسام. وفي مصر الشيخ حسن البنا وعبد القادر عودة وفي إندونيسيا محمد ناصر وغيرهم. واقتضى التخطيط الماكر لإقصاء العلماء عن مكانتهم إيجاد زعامات بديلة زعماء علمانيين ينادون بالتحرر والاستقلال ولكنهم في تكوينهم قد خضعوا لعمليات غسيل دماغ بحيث لا يقفون في وجه الاحتلال انطلاقاً من الإسلام، ويقول محمد قطب في هذا المجال:"...برز في الساحة زعماء علمانيون صاغهم الاستعمار والغزو الفكري يطالبون بحقوق الجماهير، يطالبون ...باختصار يقومون بمهمة القيادة التي تقاعس عنها علماء الدين" (أو أُبعدوا عنها) وثمة نقطة خطيرة وهي ما يسمى "سرقة الثورات" فقد وقف العلماء في وجه الاحتلال الأجنبي وقادوا الأمة في حركة الجهاد، وقدموا التضحيات بالنفس والنفيس. ولكن لما حان وقت قطاف الثمرة سلّم المحتل الأجنبي البلاد إلى خلفائه ممن ربّاهم على عينة؛ إلى المناضلين وليس إلى المجاهدين فكانوا أشد على بني قومهم من المحتل الأجنبي، وكانوا كما قيل "رحل المستعمر الأبيض وجاء المستعمر الأسمر" فاستمر اضطهاد العلماء وإقصائهم عن القيادة، وإن كان الحكام الجدد لم يستغنوا عن العلماء تماما، لكن العلماء الذين استعانوا بطائفة منهم تُفتي لهم بما يشاؤون؛ رضيت بالحياة الدنيا وزينتها ومناصبها. إن إقصاء العلماء من قيادة الأمة لهو أخطر أعمال الغزو الفكري. لقد كاد المستعمرون للعلماء في السر والعنهم ولكنهم لم يبلغوا عشر معشار ما فعله خلفاؤهم العلمانيون من تحطيم لمكانة العلماء؛ فقد جنّدوا أبواقهم ووسائل إعلامهم المختلفة لمحاربة الإسلام المسلمين وبخاصة القيادات العلمية. فقد اخترعوا شخصيات كاريكاتيرية في السينما والتلفاز والصحافة للاستهزاء بالعلماء. وهذه الأمة لن تعود إلى سابق مجدها وعزها ما لم يعود العلماء إلى مكانتهم الطبيعية في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية.