النبي الأمي والكتاب المعجز: لماذا لا يمكن أن يكون القرآن من تأليف محمد ﷺ؟: بقلم الدكتور محمد سعيد أركي

النبي الأمي والكتاب المعجز: لماذا لا يمكن أن يكون القرآن من تأليف محمد ﷺ؟ رد الشبهات لطالما شكل القرآن الكريم معجزة الإسلام الخالدة، التي حيرت بلغاء العرب وفصحاءهم، وترددت عبر القرون شبهة تزعم أنه من تأليف النبي محمد ﷺ. فهل يعقل أن يكون هذا الكتاب نتاج عبقريّة بشرية؟ هذا المقال يناقش هذه الشبهة عبر محورين رئيسيين: الأدلة العقلية والمنطقية، والأدلة النقلية والتاريخية، ليبرهن على أن القرآن كلام الله تعالى وليس قول بشر. المحور الأول: البراهين العقلية على استحالة التأليف البشري 1. البيئة الأمية والنبي الأمي: المقدمات والنتائج نشأ النبي ﷺ في بيئة أمية لا تعرف علوم الفلسفة أو الطب أو الفلك المنظمة. وكان هو نفسه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يُعرف عنه ميل للأدب أو الشعر. فكيف له أن ينتج فجأة - وفي سن الأربعين - نصاً يحوي: · إشارات علمية دقيقة كمراحل تطور الجنين في الرحم · حقائق كونية عن أصل الكون ونشأته · قوانين اجتماعية ونفسية متقدمة العقل يرفض أن تخلق العبقرية معرفةً من العدم. 2. التحدي بالإعجاز اللغوي: العجز التاريخي للفصحاء لو كان القرآن من صنع بشر، لكان من المنطقي أن يتمكن فطاحلة العرب - الذين برعوا في الشعر والنثر - من معارضته. لكن التاريخ يسجل عجزهم رغم التحدي الصريح: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: 88]. بل اعترفوا ببلاغته الفائقة، كما قال الوليد بن المغيرة: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق". 3. الوحدة الموضوعية والانعدام التام للتناقض نزل القرآن منجماً على مدى 23 عاماً، في ظروف مختلفة من سلم وحرب، فرح وحزن. ومع هذا، يظل النص مترابطاً متماسكاً، خالياً من أي اختلاف: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. هذه السمة مستحيلة على العبقرية البشرية التي تتطور أفكارها ويتغير أسلوبها مع الزمن. 4. الأخبار الغيبية: العلم بالمستقبل تنبأ القرآن بأحداث وقعت لاحقاً، كانتصار الروم على الفرس بعد هزيمتهم: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: 2-4]. وقد تحقق هذا النصر في أقل من عشر سنوات، كما أن "أدنى الأرض" (أي أخفضها) هو حقيقة جغرافية تم اكتشافها حديثاً. العلم بالغيب دليل على المصدر الإلهي. المحور الثاني: الأدلة النقلية والشهادات التاريخية 1. النصوص القرآنية المباشرة القرآن نفسه يرد على هذه الشبهة:﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48]. هذه الآية تؤكد حقيقتين: أمية النبي ﷺ، وعدم اطّلاعه على الكتب السابقة، مما ينفي أي مصدر بشري للقرآن. 2. الشهادات التاريخية من المعاصرين · اعتراف الخصوم: قال عتبة بن ربيعة بعد سماع القرآن: والله لقد سمعت قولاً ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. · إسلام كبار الفصحاء: مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يريد قتل النبي ﷺ فأسلم بعد سماع القرآن. 3. شهادات المستشرقين والعلماء المعاصرين · المستشرق البريطاني هـ. إ. آر. جيب يؤكد في كتابه "Mohammedanism" أن التحدي القرآني يمثل دليلاً استثنائياً، قائلاً: إذا كان القرآن من تأليفه، فلماذا لم يستطع الآخرون الإتيان بمثله؟ · البروفيسور كيث مور، أحد أشهر علماء الأجنة في العالم، يصرح في مؤتمر الإعجاز العلمي بالرياض (1983): من المستحيل أن يكون محمد ﷺ قد علم بالتفاصيل الدقيقة لتطور الجنين في ذلك الزمان. · المستشرق ويليام موير يعترف في كتابه "حياة محمد": "لقد كان القرآن من أول يوم منبعثاً بقوة لا تقاوم" 4. البعد الأخلاقي والشخصي للنبي ﷺ · حياته قبل البعثة: عُرف بالصادق الأمين، ولم يشتهر بالشعر أو الخطابة. · استمرار زهده في الدنيا رغم القدرة على الثراء: لو كان دجالاً لاستغل دعواه للثراء والملك. · رده على اقتراحات المشركين: عندما عرضوا عليه الملك والمال مقابل ترك الدعوة، قال: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته. خاتمة: استحالة العبقرية وضرورة الوحي بعد استعراض هذه الأدلة، يصبح الجواب على السؤال المطروح في العنوان واضحاً وجلياً: لا، لا يمكن أن يكون القرآن من تأليف محمد ﷺ. فالنبي الأمي في بيئته الأمية قدَّم نصاً: · يتحدى أعظم الفصحاء ويعجزهم · يحتوي على علم الغيب والحقائق العلمية · يحافظ على اتساق مطلق عبر 23 عاماً · يغير شخصيات صعبة مثل عمر بن الخطاب في لحظة هذه المجموعة من الخصائص تتجاوز مفهوم العبقرية البشريّة بمفردها، لتدل دلالة قاطعة على مصدره الرباني. فالقرآن ليس كلام محمد ﷺ، ولكنه كلام الله تعالى الذي أنزله على قلب النبي الأمي ليكون هدىً للعالمين. الدكتور محمد سعيد أركي قسم الدراسات الإسلامية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University