المواقفُ.. محكُ العظمة وميزانُ الرجال بقلم: الدكتور مروان احمد بحري

المواقفُ.. محكُ العظمة وميزانُ الرجال بقلم: الدكتور مروان احمد بحري الدكتور مروان بحري كثيرون هم من يملؤون الدنيا ضجيجاً بالكلام، يتبارون في حلقات النقاش، ويتفاخرون في مجالس السمر، يختلقون القصص وينسبون إلى أنفسهم من الصفات ما يضعهم في مصاف الأبطال. ولكن، أين هؤلاء جميعاً حين تدق ساعة الحقيقة؟ أين تصرخ المواقف طالبةً رجالاً لا أقوالاً؟ قالت العرب: لا يرفع سعر الخيول إلا السباق، ولا يرفع قدر الرجال إلا المواقف. إنها ليست مجرد كلمات ننقشها للزينة، بل هي دستورٌ كامل لفلسفة الحياة، وقانونٌ صارم لا يعرف المحاباة. الخيل والخيلاء.. انظر إلى الحصان الأصيل، قد يبدو لك في الإسطبل جميلاً مهيباً، عضلاته مفتولة، وعرفه متأرجح، ولكنك لا تستطيع أن تقدر قيمته الحقيقية، ولا أن تتبين أصالته من دونه. إنه السباق! هناك، على المضمار، حيث يختلط الغبار بعرق الجباه، وتصطف المنافسات، تظهر الحقيقة. هناك يثبت هذا الفرس أنه خيرٌ من ألف، ويظهر ذاك أنه مجرد ظلٍ لوهم. والرجال والرجولة.. كذلك الرجال.. لا تختبر رجولة الرجل بمظهره أو بملبسه أو بثرائه أو حتى ببلاغته. كل هذه قد تكون قشوراً تزول عند أول اختبار حقيقي. الرجال الحقيقيون يصنعون في صمت، كالشجرة، لا ترى عظمة جذورها المتشبثة بالأرض إلا حين تهب العواصف. الموقف هو المحك.. هو السباق الحقيقي للإنسان. · حين تمسي الأخلاق حملاً ثقيلاً على أصحابها، ويصبح الصدق مخاطرة، والوفاء تهديداً للمصلحة.. هناك يظهر الرجال. · حين تضيق السبل، وتنكشف الأقنعة، ويحتار الكثيرون بين الانبطاح والوقوف.. هناك يُعرف من يحمل رأساً لا ينحني إلا لله. · حين تطلب منك الحياة قراراً مصيرياً، إما أن تخذل صديقاً لترضي حشداً، أو أن تبيع مبدأً لتربح صفقة.. هناك يُختبر معدنك. إن التاريخ لم يذكر الأغنياء والأقوياء فقط، بل ذكر أولئك الذين وقفوا مواقفَ صنعت فرقاً. ذكر سيف الله المسلول خالد بن الوليد في معاركه، لا في ثرائه. وذكر عمر بن الخطاب في عدله وتواضعه، لا في سلطانه. وذكر الإمام أحمد في محنته، حين وقف وحيداً أمام فتنة القول بخلق القرآن، فرفع الموقف قدره إلى عنان السماء. فأيها الإنسان.. لا تحسب أن قيمة المرء تُقاس بما يجمع، بل بما يبذل. لا بما يملك، بل بما يعطي. لا بما يقول، بل بما يفعل حين تشتد الحاجة إلى الفعل. لا تطلب رفع القدر بغير أهله، فليس كل من هبَّ ودبَّ يصنع موقفاً. اصقل نفسك، زودها بالصبر، وعلمها الثبات، وارفع من سقف مبادئك. لأن الموقف آتٍ لا محالة، وسيكون الفيصل بين من كان رجلاً بحق، ومن كان مجرد صورة تائهة في زحام الحياة. ختاماً.. ليكن شعارك دوماً: لا تخف من المواقف، بل استعد لها. فالحياة سباق طويل، وأنت الفارس الذي لا يعرف قيمته الحقيقية إلا حين يخرج إلى مضمارها، ليثبت للجميع، ولنفسه أولاً، أن سعره لا يساوي إلا ما يستحقه من قدر. الخيل تعرف في السباق، والرجال تعرف في المواقف.. فكن من أصحاب المواقف لا من أصحاب المظاهر. مع تحيات كلية العلوم الإجتماعية Generations and Technology University