مقاربات علم نفس، الشخصية عند المحدثين في مسارات علمي الجرح والتعديل والعلل. : الدكتور رأفت شحادة

مقاربات علم نفس، الشخصية عند المحدثين في مسارات علمي الجرح والتعديل والعلل. د. رأفت شهير شحاده -الاستاذ المساعد قسم علم النفس الاجتماعي والاكلينيكي -كلية العلوم الاجتماعية -جامعة اجيال وتكنولوجيا. 💢 علم نفس الشخصية رغم حداثته النوعية التي صقلت مع علم النفس في نهاية القرن التاسع عشر،إلا أنه له جذورة الضاربة بالقدم في جميع الاديان والحضارات،وحضارتها الاسلامية ليست استثناء وقد تنبه علماءنا وتحدثوا الى تلك السمات او بمعنى ادق ملامحها العامة ونستطيع تلخيص تعريف الشخصية كما عرفها Alln,,, في كتابه نظريات الشخصية2013) بأنها باختصار الفروق الفردية على الأبعاد السلوكية وكل بعد فيها يعد سمة من سمات الشخصية وسوف اعتمد هنا على نظرية واحدة من نظريات علم نفس الشخصية وهي : خصائص الشخصية الخمسة الكبرى (أو نموذج (OCEAN) وهي: الانفتاح (Openness) على التجربة، والضمير (Conscientiousness)، والانبساط (Extraversion)، والقبول أو الوفاق (Agreeableness)، والعصابية (Neuroticism) أو الاستقرار العاطفي. 📌من الجميل في علوم الحديث عامة، وعلمي الجرح والتعديل والعلل خاصة انه كان يراجع نفسه اولا بأول لكي يصبح أكثر أنصافا وواقعية ويحقق الهدف الذي وجد من أجله، لذلك على سبيل المثال لا الحصر وبسبب قدم المذهب الحنفي من حيث النشأة ، برز لهم قواعدا في علم المصطلح وقبول ورد الأحاديث تختلف قليلا عن قواعد علم الحديث الشافعي الحنبلي والذي عرف لاحقا بطريقة المحدثين، كون أن مذهب الاحناف ظهر قبل نضوج علم مصطلح الحديث وتبني قواعد مدرسة الكوفة الحديثية. كذلك لو راجعنا بعض أحكام أهل الحديث لدى بعض الحنابلة عند المتقدمين لوجدنا فيها شدة على بعض رجال الاحناف تم التراجع عنها عند المتأخرين. ومن الأمور اللطيفة أن قسوة الحنابلة المتقدمين قابلها موضوعية ومرونة الحنابلة المتأخرين كأمثال الإمام الذهبي وابن عبد الهادي. وابن رجب وغيرهم، لذلك خالفت استاذي في الحديث الدكتور المليباري الذي لا يأخذ الا بأقوال نقاد عصر الرواية فقط في الحكم على الرواة، لأننا بذلك سوف نجني على من أنصفهم المتأخرون الذين ابتليواا بصراع الأقران والفتن المذهبية ذات الطابع السياسي التي نجمت عنها مذبحة في نقد الرجال. وقد كتب شيخنا عبد الفتاح أبو غدة رسالة لطيفة فيها بعنوان :(مسألة خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل) أبرز فيها أثر التعصب السياسي والمذهبي علي قبول ورد اسناد البعض. وهذه من التحيزات التي تؤثر علي علم ما، ولكن علماء الحديث سريعا ما كانوا يراجعون تلك المسارات بعد انتهاء تلك الارهاصات والغاء التحيزات في إصدار الأحكام، حيث أننا تتعامل مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يعقل أن يتم التضحية بمصدر مهم كالحديث والسنة من أجل خلاف مذهبي أو سياسي. 📌ومن العوامل الشخصية التي أثرت في شخصية الناقد وتنبه لها علماء الإسناد لاحقا: ⭕ كلام الأقران : وخلاصته أن يتفرد الناقد في جرحه لغيره بدافع المنافسة التي تكون بين الأقران. مع ملاحظة أن الناقد لا يكون عندها قاصدا الطعن لذاته وإنما لا اراديا يحدث ذلك أو كما وصفها ابن الصلاح (تعمى عنها بحجاب السخط لا أن ذلك يقع من مثله متعمدا...) . وابن عبد البر في كتابه جامع العلم وفضله، فقد. خصص بابا لذلك سماه : حكم قول العلماء بعضهم في بعض)، وتعد كتاب الإمام الذهبي من الفلاتر التي صنفت تلك الأحكام وبينت أسبابها وبدأت ضحاياها. فمثلا كان داء الجسد بارزا حول رياسة العلم ومثاله من تلقاه البخاري من الإمام الذهلي . كذلك كانت المنافسة الشديدة مدعاة لنقد كلام الأقران، ولا شك أن التنافس أمر طيب ولكن الانتقاص من الآخر بهدف المنافسة هذا هو الجانب السلبي فيه، ومثاله ما جرى بين الإمام مالك وأبي ذؤيب، وكذلك محمد بن أبي شيبة والمطين. كذلك فإن العداوة والمنافرة وجد للأسف بين بعض رواة الحديث ومثاله ما حدث بين الكرابيسي وأحمد بن حنبل بعد أن كان صديقين عقودا كثيرة، والعداوة بين ابن منده وأبو نعيم الأصبهاني ⭕اصطراب ما بعد الصدمة أحيانا الابتلاء أو السجن أو موت قريب أو غيرها ، تجعل الإنسان يتصرف بطريقة متشددة خاصة إذا كانت من أجل هدف أو عقيدة أو منهج، فمثلا البعض ذكر أن بعض الحنابلة بيضوا(مسحوا) بعض روايات ابن معين والمديني بسبب هذه المحنة حتى أن بعض الروايات -المختلف في صحتها- أن الإمام أحمد لا يرى الكتابة عن يحي بن معين (تهذيب التهذيب) حتى أن أبا داود وقع في يحي بن معين وحين قيل له تقع في مثل يحي بن معين؟ فقال :(من جر ذيول الناس جروا ذيله !) ⭕سيكلوجيا انفعال الغضب : ومن العلماء الذين اشتهر عنهم الغضب :عبدالرحمن بن مهدي الذي كان ينهي مجلس الحديث، إذا وجد قلما أو تحدث أحدهم فيه، وكذلك وكيع بن الجراح الذي كان مجلسه يشبه مجلس الصلاة ولعل من حالات الغضب القاسية حين وصف الإمام مالك محمد بن اسحاق بأنه (دجال من الدجاجلة) ، طبعا البعض برر الأمر لأسباب عدة، ولكن ما يهمنا هنا سلوك الغضب وإصدار الأحكام وليس لا سمح الله النيل من قامة عظيمة في مقام الإمام مالك رضي الله عنه. ⭕ سلوك التحامل وسبب ذلك سبب شخصي أو مذهبي أو عادات وتقاليد، ، فكلنا حفظ المثال على الراوي الذي رد أحدهم حديثه لأنه كان يركب البرذويل -خيل سباق 🏇 والذي كان يعد من خوارم المروءة، كذلك وقوع بعض المحدثين في الحافظ أحمد بن صالح المصري رغم جلالته في العلم، كذلك ما نال الإمام أبو حنيفة في كتاب السنة ونال أيضا أصحابه، ممن عاصره أو ممن جاء بعده -مثال كتاب السنة لأبن أحمد بن حنبل . وغيره ممن بعض اصحاب السنن. ⭕ سلوك الزعارة، ومعناه في اللغة الشراسة وسوء الخلق -إذا شددت الراء-، وسرعة الغضب والمبالغة في اللوم والتوبيخ، وتكليح الوجه، وقد استخدمه علماء الجرح والتعديل للدلالة علي سلوكيات الراوي وليس بغرض الطعن في عدالة الرواة، والجميل أن الإمام الذهبي على زعارة الشيخ والتلاميذ سويا كأبي ذر السراة وتلميذه ابي عمران الفاسي في سير أعلام النبلاء وقد قامت الباحثة عفاف العتيبي في بحثها (وصف الراوي بالزعارةودلاللته في الجرح والتعديل)، بحصر سبعة وعشرين راويا الحديث وصفوا بالزعارة ومع أنه غير محمود إلا أنه -بحسب ما توصلت إليه الباحثة-ليس مما يقدح في العدالة. فمثلا أحمد بن علي السليماني وصفه الذهبي بالزعارة والغلظة وأتبعها ب"سماحه الله" ومع ذلك ذكره فيمنويعتد بقوله في الجرح والتعديل في كتابه الروض الباسم. وأحمد. بن مظفر النابلسي قال الذهبي :(له حظ من زعارة ونفوذ من الناس والله يسامحه فعليه مأخذ في ذلك، لكنه مثبت متقن) وفي موضع ٱخر (في خلقه زعارة وفي، طباعه نفور عن المحدثين وغيرهم). ومنهم محمد. بن عبدالله الضبي ، بدر الدين الحراني وغيرهم.... ومع ذلك كل من وصف بالزعارة كانوا من أهل الفضل والثقة ويقبل حديثهم، وبالطبع لأن تلك سمة شخصية حسب دراسات الشخصية وليس انحرافا أخلاقيا مما يدخل في قدح عدالة الراوي وتجريحه ⭕سلوك الوعي بالذات : وهذا السلوك إما أن يكون شعورا بالفخر أو ربما الغيرة والحسد الخزي، هدفه الحفاظ علي السلوك الأسمى ولعل مقولة الإمام البخاري رحمه في سبب تأليفه لجامعه الصحيح ومدى افتخاره به، وقس عليه باقي المحدثين والذي نلمحه جليا إما في مقدمة كتبهم أو آخر الكتاب بعد الانتهاء منه لأكبر دليلا علي صدق نوايهم وفرحهم وفخرهم في خدمة دينهم، واعتزازهم بآنفسهم لأنهم هم من قامو بهذا العمل. ⭕ رواية من هم دون سن الرشد. أو البلوغ ، أما بما يتعلق بتحمل الرواية لللحديث من الصبيان او روايتهم لها مختلف فيها فمنهم من أجازها مثل ابن الصلاح وابن كثير. ومنهم من منعها أمثال عبدالله بن المبارك وابو منصور محمد بن المنذر، أما النووي اجاز التحمل قبل البلوغ ولكن الرواية بعد البلوغ، لا بل الرامهرمزي قال:لو كان السماع لا يصح الا بعد العشرين لاسقطت رواية الكثير. واختلفوا في سن التحمل فمنهم من جعله خمس سنوات ، والبعض فوق الخمس ، واهل البصرة عشر سنوات، ولكن اغلب العلماء اشترطوا التمييز والضبط. ⭕ اشكالية العمل بالقضاء ورفض البعض قبول روايتهم. فهنالك بعض المحدثين طعن في بعض الرواة بسبب توليهم للقضاء ، فقد قدح في بعضهم، ولكن ذلك لا يعني القدح بهم، وانما ربما بسبب انشغالهم بالقضاء علي حساب العلم، والانهاك العقلي لمن يعمل في القضاء وبالتالي قلة ضبطه وحفظه، وربما أيضا لأن نزاهته وأمانته تقل وتضعف لذلك تباينت احكام النقاد في منطقة تولي القضاء ⭕ التقرب الي السلطان وأثر ذلك في نفس بعض النقاد وقد اختلف الرواة في ذلك فمنهم من رأى بأنه لا بأس في ذلك، والبعض جعل البعد عن السلطان أصلا ينبغي العمل به ومن الرواة الذين تكلم بهم بسبب قربهم من السلطان عبدالرحمن بن ابي ليلى، وعكرمة ابو عبدالله مولى ابن عباس وحميد بن هلال ابن هبيرة ومحمد بن مسلم الزهري وعبدالله بن ذكوان وعاصم بن سليمان الاحول وخالد الحداء وابن عليه، ولكن لم يكن رفض حديثهم موضع اتفاق، فقد روى عن بعضهم عظماء المحدثين كالبخاري واحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم لاختلاف هذا الامر وتشدد البعض من عدمه. ⭕ التعصب الاجتماعي، ومثاله التحامل على اهل الكوفة -رغم أن ثلث الحديث مداراته عليهم - واتهامهم بالجهل والوضع ومعهم اهل الشام الذين وصلوا بالجهل في الحديث او أمويتهم القادحة... وهذا ما تصدى له البعض في الدفاع عنهم. 💢وقد وجد الدكتور أشرف خليفة في بحثه (أثر سمات الشخصية للمحدث على أرائه الحديثية، بأن الشخصية العصابية كان يمثلها الراوي قتادة بن دعامة الدوسي،حيث سمة الغضب كانت بارزة في شخصيته،لدرجة أن شعبة ما عاد يسأل قتادة عن أمر، والشخصية الانبساطية ومثلها الواقدي والذي انعكس عليه في سمة الاستثارة الاغراب الحديثي ، لذلك دافع عنه الامام الذهبي ودعا الى عدم ترك حديثه الا بعد تمحيص روايته ، والشخصية المقبولية ويظهر تطبيقها على عبدالله بن المبارك واتسامه بسمة الرحمة والعطف وكان متساهلا نوعا ما، والشخصية يقظة الضمير يمثلها شعبة بن الحجاج وكان شخصية تفتيشية تبحث عن العلم ويعد من رواد علم الجرح والتعديل، والشخصية الخامسة وهي المتعلقة والإصرار على الخطأ، يمثلها على بن عاصم، ومن الشخصيات المتشددة كانت كانت شخصية يحي بن سعيد القطان، ولذلك بالغ في تجريح جماعة منهم محمد بن إسحاق، وعكرمة بن عمار 💢وبعض المحدثين في صنعته أراد تهذيب التعصب وتعديل سلوكه، فلذلك صنف الإمام النسائي كتاب (الخصائص) في فضائل الإمام علي، ولم يكتب كتابا في الشيخين ابو بكر وعمر، فكان جواب النسائي أن سمة الرفض كانت سمات أهل الشام، فأراد أن يعدل هذا السلوك لديهم، فقال :(رجوت أن يهديهم الله) ✍️الخلاصة : لا بد أن نذكر أن علماء الحديث وخاصة المتأخرين منهم تصدوا لمثل هذه الظواهر، وقاموا بتصحيح المسار واعادة السياق الموضوعي الى نصايه، ومن الغريب أن تشدد متقدمي الحنابلة، قابله موضوعية متأخريهم كأمثال ابن رجب، وابن عبد الهادي، والذهبي، الكوفي وغيرهم.... وهذه نقطة مضيئة ومهمة في مناهج البحث. وللدكتور عبد السلام ابو سمحة بحثان مهمان في هذا الموضوع صدرا حديثا لبيان تلك المراجعات والضوابط. كذلك لا بد من ذكر بأن هدف المقال كان بيان المسارات التطبيقية لعلماء السنة والحديث في تطبيق مسارات و مقاربات ما يسمى علم نفس، الشخصية بشكل عملي تطبيقي . وفقنا الله واياكم لما فيه خير هذه الأمة الدكتور رأفت شهير شحادة مع تحيات قسم علم النفس Generations and Technology University