**الاستشراق الألماني بين النزعة النقدية والوظيفة الاستعمارية: " يوهان يعقوب ريسكه وكارل بروكلمان أنموذجاً " في ضوء نقد شوقي أبو خليل.** الملخص: تهدف هذه المقالة إلى تحليل العوامل الكامنة وراء الاختلاف الجذري في التقييم الأكاديمي والمؤسسي بين مستشرقين ألمانيين بارزين هما يوهان يعقوب ريسكه (1716-1774) وكارل بروكلمان (1868-1956)، من خلال المنهج النقدي الذي قدمه الدكتور شوقي أبو خليل في كتابه "كارل بروكلمان في الميزان". تتبنى الدراسة منهجية التحليل النقدي للخطاب الاستشراقي، مع التركيز على السياق التاريخي والمؤسسي الذي شكلت فيه العلاقة بين المعرفة والسلطة عاملاً حاسماً في تحديد قيمة العمل الأكاديمي ومكانته. وتكشف النتائج أن معايير التقييم الأكاديمي لم تكن محايدة، بل كانت خاضعة لاعتبارات أيديولوجية ومصالح استعمارية، مما يدفع إلى إعادة النظر في أسس تقييم التراث الاستشراقي. الكلمات المفتاحية : #الاستشراق_الألماني، #يوهان يعقوب #ريسكه، #كارل #بروكلمان، #شوقي #أبوخليل، #النقد #العربي. مقدمة: شكل الاستشراق الألماني ظاهرة فريدة في المشهد الأكاديمي الأوروبي تميزت بالعمق العلمي والمنهجية الدقيقة، لكنها لم تكن بمنأى عن التأثر بالسياق الأيديولوجي السائد في أوروبا، حيث تبرز في هذا الإطار شخصيتان متعارضتان: يوهان يعقوب ريسكه الذي مثل نزعة نقدية حاولت فهم الإسلام من داخله، وكارل بروكلمان الذي مثل تياراً وظف المعرفة لخدمة الرؤية الاستعمارية. من خلال دراسة هذين النموذجين ومن خلال المنهج النقدي لأبي خليل؛ يمكن الكشف عن الآليات الخفية التي حكمت تقييم الأعمال الاستشراقية وتهميش بعضها. المحور الأول : السياق التاريخي والمؤسسي للاستشراق الألماني شهدت الدراسات الشرقية في ألمانيا تطوراً ملحوظاً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث تأسست كراسي أكاديمية متخصصة في الجامعات الألمانية الكبرى، لكن هذا التطور لم يكن محايداً، بل كان مرتبطاً بشكل عضوي بالمشروع الاستعماري الأوروبي؛ فقد مثلت المعرفة الاستشراقية أداةً لخدمة المصالح الاستعمارية الأوروبية في العالم الإسلامي، حيث وفرت الأساس (العلمي) لتبرير السيطرة والهيمنة. المحور الثاني : تحليل مقارن للمنهجية والرؤية ١- يوهان يعقوب ريسكه: (الاستشراق النقدي) تميز ريسكه بمنهجية نقدية حاولت فهم الإسلام في سياقه الخاص، مبتعداً عن الصورة النمطية التي روّجتها الكنيسة، فقد رأى في انتشار الإسلام "برهاناً على تدبير قوة إلهية قديرة"، وفقاً لما ينقله أبو خليل، هذا الموقف الموضوعي كلفه الكثير؛ حيث واجه حملة مضادة من اللاهوتيين الذين اتهموه بالزندقة والتفكير الحر، فمن النصوص الدالة على منهج ريسكه قوله: "إن ظهور محمد وانتصار دينه هما من أحداث التاريخ التي لا يستطيع العقل الإنساني إدراك مداها، ويرى في ذلك برهاناً على تدبير قوة إلهية قديرة". لقد كان متهماً عند اللاهوتيين بأنه حر التفكير، ولم يسايرهم في ادعائهم أن محمداً كان نبياً زائفاً وغشاشاً، وأن ديانته خرافات مضحكة، فيقول بهذا السياق: "إن الأسلوب القرآني الفريد يحمل بلاغة لا تضاهى، وهو ما يجعل الترجمة تفقده جوهره المعجزة". ٢- كارل بروكلمان: (الاستشراق الوظيفي) في المقابل مثل بروكلمان تياراً وظف المعرفة لخدمة الرؤية الاستعمارية، فقد قدم صورة مشوهة للتاريخ الإسلامي، وصف فيها الغزوات الإسلامية بـ"التخريب" وجهاد المسلمين بـ"القرصنة"، واعتبر الغزو الفرنسي للجزائر "فتحاً". هذا الخطاب الذي يخدم المصالح الاستعمارية حظي بدعم مؤسسي واسع، فمن نصوص بروكلمان الدالة على منهجه قوله: "وابتداء من الألف الثالث قبل الميلاد، شرعت جماعات من شعوب الجزيرة العربية تندفع نحو الشمال... وإذا بالكنعانيين واليهود والآراميين يهبطون سورية وفلسطين". وقوله: "وفي وسط مكة تقوم الكعبة... يحتضن في إحداها الحجر الأسود، ولعله أقدم وثن عبد في تلك الديار". "-وكان على أبي لهب أن يحل محل أخيه أبي طالب في حماية النبي، على الرغم من خصومته له، وعلى الرغم من أن النبي لعنه في إحدى السور" !!. المحور الثالث : المقارنة التحليلية بين المنهجين: فيما يتعلق بالموقف من الشخصية المحمدية: اتبع ريسكه منهجاً منصفاً حيث رأى في ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم برهاناً على تدبير إلهي قدير، بينما اتخذ بروكلمان موقفاً تشكيكياً حاول فيه تفسير الدعوة الإسلامية من خلال دوافع سياسية ومصلحية. أما في التعامل مع القرآن الكريم؛ فقد قدّر ريسكه البلاغة القرآنية الفريدة وأقر بأن الترجمة تفقد النص جوهره المعجز، في حين تجاهل بروكلمان مسألة الإعجاز البلاغي واختزل النص القرآني في سياقه التاريخي فقط. ومن حيث المنهجية البحثية: انطلق ريسكه من رؤية داخلية حاولت فهم الإسلام من خلال سياقه الحضاري الخاص، بينما طبق بروكلمان منظوراً خارجياً استعلائياً حكم من خلاله على الظواهر الإسلامية بمعايير غربية. وفي تقييم التاريخ الإسلامي: أنصف ريسكه الحضارة الإسلامية واعتبر فتوحاتها جزءاً من الظاهرة التاريخية الطبيعية، على عكس بروكلمان الذي وصف الغزوات الإسلامية بـ"التخريب" و"القرصنة" في إطار تشويه متعمد. وبخصوص التوثيق التاريخي: اعتمد ريسكه على المصادر الأصلية بشكل دقيق ومحايد، فيما انتهج بروكلمان منهجاً انتقائياً متحيزاً انتقى من المصادر ما يخدم فقط الرواية الاستعمارية. وفي المعاملة المؤسسية: تعرض ريسكه للتهميش والإقصاء من قبل المؤسسات الأكاديمية الألمانية، بينما حظي بروكلمان بدعم مؤسسي واسع وشغل مناصب أكاديمية مرموقة. ومن ناحية القبول الأكاديمي: رفضت الأوساط الأكاديمية أعمال ريسكه واضطر لنشرها على نفقته الخاصة، فيما حظيت أعمال بروكلمان بقبول واسع ونشرت عبر دور النشر المرموقة. وفي الإرث العلمي: تعرضت أعمال ريسكه للإهمال المتعمد في الأوساط الأكاديمية، بينما أصبحت أعمال بروكلمان مراجع أساسية في حقل الدراسات الشرقية. المحور الرابع : قراءة في المشروع النقدي لشوقي أبو خليل قدم أبو خليل في كتابه"كارل بروكلمان في الميزان" نموذجاً رائداً للنقد العربي للاستشراق. تميز منهجه بالحفر العميق في النصوص الاستشراقية لكشف تناقضاتها الداخلية، والكشف عن الآليات الأيديولوجية الخفية التي تحكمت في انتقاء المصادر وتفسير الوقائع التاريخية. الخاتمة : تكشف الدراسة أن معايير التقييم الأكاديمي في حقل الاستشراق لم تكن محايدة أو موضوعية، بل كانت خاضعة لاعتبارات أيديولوجية ومصالح استعمارية، كما تبرز أهمية المشروع النقدي العربي في تفكيك أسطورة الموضوعية الاستشراقية وبناء رواية بديلة قائمة على المنهجية العلمية الرصينة والانتماء الحضاري. بقلم الدكتور محمد سعيد أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية التاريخ والفكر الإسلامي جامعة أجيال وتكنولوجيا الأمريكية Generations and Technology University