بقلم الدكتور مروان أحمد بحري الجهلاء.. حينما يتحدث الجهل ويصمت العقل مقدمة: في بحر الحياة المتلاطم بالأمواج، تختلف مراكب الصحبة، وتتباين جودة الرفاق. ومن حكمة الأقدمين التي صقلتها تجارب الحياة، تلك الكلمات النابية التي تشبه لظى النار في البرد القارس، تنبه الغافل، وتوقظ النائم: "عاشر حماراً لا تعاشر جاهلاً.. شرّانِ خير الشرِّ شرٌّ ساكتُ". ليست هذه مجرد شتيمة أو سخرية، بل هي تشريح دقيق لطبيعة العلاقات الإنسانية، وتحذير من أخطر أمراض المجتمعات: صحبة الجاهل. الشرارة الأولى: لماذا الحمار أفضل من الجاهل؟ قد يبدو العنوان صادماً للوهلة الأولى، فكيف يُفضَّلُ الحيوان على الإنسان؟ ولكن التأمل العميق يكشف لنا الحكمة البالغة: · الحمار صادق في حمارته: الحمار لا يتصنع، ولا يدعي ما ليس فيه. هو حمار تعرفه من أول نظرة، فلا تخدعه مظاهره، ولا تغريك وعوده. تعرف حدود طاقته، وتدرك ضعف إدراكه، فتتعامل معه على هذا الأساس. إنه خطر واضح، يمكن قياسه واحتواؤه. · الجاهل خائن في جهله: أما الجاهل، فهو "حمار عقل ناطق". إنه يخفي حمارته الفكرية تحت قناع الكلام والجدال. يظن نفسه عالماً، فيتطاول على ما لا يعلم، ويُفسد ما لا يُحسن. جهله ليس سلبياً، بل هو جاهل نشط، يخترق المجالس، ويبث سمومه، ويُضلّل العقول بقوة صوته وثقة الجاهل الأعمى. إنه خطر خفي، متحرك، ومُدمّر. الشرارة الثانية: شرّان.. وحكمة الاختيار الأصعب "شرّانِ خير الشرِّ شرٌّ ساكتُ". هذه الجملة تحمل فلسفة عميقة في إدارة الأزمات واختيار الأهونَين: · الشر الساكت (الحمار): هو الشر الواضح، الصامت، الذي لا يستطيع الكلام لإقناعك ببطلانه، أو لخداعك بخطئه. هو شر يمكن تجنبه، أو السيطرة عليه، أو حتى تحمل ضرره لأنه محدود ومعلوم. · شر الناطق (الجاهل): هو الشر الذي يملك سلاح الكلام. إنه لا يكتفي بإلحاق الضرر، بل يجادلك ليُقنعك أن هذا الضرر نفع، وأن الخطأ صواب، وأن الظلام نور. إنه يلوث العقول قبل الأفعال، ويُفسد المنطق قبل الواقع. شرّه يتضاعف لأنه يُقنعك أنك أنت المخطئ. الشرارة الثالثة: تشريح "حمار العقل الناطق" لماذا يصل خطر الجاهل إلى هذه الدرجة؟ .1 الجهل مع الغرور: الجاهل لا يشعر بجهله، بل يرى نفسه نبراساً يهتدي به. هذه الثقة الزائفة تجعله غير قابل للإصلاح أو التعلّم. .2 إضاعة الوقت والطاقة: محاورة الجاهل معركة خاسرة. إنها كمن يحفر في الماء، سيستنزف طاقتك الفكرية والعصبية دون أن يصل بك إلى شطّ السلامة. .3 التأثير السلبي العدوى: الجهل مرض معدي. الجلوس مع الجاهل، والاستماع لترّهاته، قد يبدأ في تشويه حدّة تفكيرك، أو يزرع في نفسك بذور الشك في مسلّماتك العقلانية. إنه يخفض المعيار الفكري للمجموعة كلها. .4 الإفساد في الأرض: أكثر الفساد في التاريخ جاء من جهلاء ذوي لسان طليق. هم من يثيرون الفتن، وينشرون الشائعات، ويحاربون التقدم باسم "التقليد" و "محاربة الجديد". الشرارة الرابعة: دروس عملية للنجاة كيف نطبق هذه الحكمة في حياتنا العملية؟ · انتقاء الرفقة: كن حذراً في اختيار من تفتح لهم عقلك وقلبك. اختر من ينير طريقك بعلمه وأدبه، لا من يطمسه بجهله وثرثرته. · تعلم فن الصمت: لا تستهين بقوة الصمت أمام الجاهل. لا تدخل في نقاشات عبثية تدرك من البداية أنها غير مثمرة. تذكر أن "خير الكلام ما قل ودل". · التمييز بين الجاهل والمخطئ: ليس كل من أخطأ جاهلاً. الجاهل هو من يتمسك بخطئه ويعتقد أنه الحق. أما من يخطئ ويبحث عن الصواب، فهذا طالب علم، وصحبته خير. · استثمر في نفسك: احرص على أن لا تكون أنت ذلك الجاهل في أعين الآخرين. جدد معرفتك، ووسع مداركك، وكن نبراساً ينير لا ظلاماً يطمس. خاتمة: كلمات الشاعر ليست دعوة للتعالي على الآخرين، بل هي خريطة طريق للنجاة الفكرية والنفسية. إنها تذكرنا أن بعض الوحدة خير من صحبة تسرق منا طمأنينة القلب وصفاء العقل. فكما نحرص على طعامنا وشرابنا كي لا يدخل إلى أجسادنا ما يضرها، علينا أن نحرص أشد الحرص على "غذاء العقل والروح" الذي نأخذه من جلسائنا. فكن حكيماً في اختيار من تعاشر، واجعل صحبتك دواءً لعقلك، لا داءً له. فعاقل صامت، خير من جاهل ناطق. بقلم الدكتور مروان بحري االدكتور مروان بحري مع تحيات كلية العلوم الاجتماعية Generations and Technology University