نضمام إسبانيا إلى "مجموعة لاهاي": تحول استراتيجي في هندسة المساءلة الدولية بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف أستاذ مساعد في القانون الدولي الإنساني Nedal Khalouf مقدمة: في خطوة هي الأكثر جرأة من دولة أوروبية كبرى منذ بداية الحرب على غزة، أعلنت مملكة إسبانيا انضمامها الرسمي إلى "مجموعة لاهاي"، التحالف الدولي الذي يقوده الجنوب إفريقي-الكولومبي والمخصص لدعم الدعوى القضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية. هذا القرار ليس مجرد بيان سياسي عابر، بل هو تحول استراتيجي يعكس إعادة تشكيل لتحالفات دولية ويشكل اختباراً حياً لفاعلية آليات القانون الدولي في مواجهة القوى العظمى. يمثل هذا الانضمام نقطة ارتكاز قد تُحدث شرخاً في الجدار الأوروبي-الأمريكي الموحد تقليدياً لدعم إسرائيل. المحور الأول: الأسس القانونية المتعددة للتحرك الدولي .1 اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (1948): · المادة التاسعة: تشكل العمود الفقري لدعوى جنوب إفريقيا، حيث تمنح محكمة العدل الدولية الاختصاص للنظر في أي نزاع بين الدول حول "تفسير أو تطبيق أو تنفيذ" الاتفاقية. · التدابير المؤقتة: في قرار تاريخي في 26 يناير 2024، أمرت المحكمة إسرائيل بــ "اتخاذ جميع التدابير في سلطتها" لمنع أفعال الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة. هذا القرار ملزم قانوناً، ويشكل عدم امتثال إسرائيل له انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، ويعزز موقف الجنابة قانونياً. .2 القانون الإنساني الدولي (قانون النزاعات المسلحة): · انتهاك مبادئ التمييز والتناسب: تتجاوز انتهاكات إسرائيل شبهة الإبادة الجماعية إلى انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف الأربع (1949) وبروتوكولاتها الإضافية. يتجلى ذلك في الهجمات غير المميزة التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية المدنية (مستشفيات، مدارس، ملاجئ) والحصار الشامل الذي يمنع وصول الغذاء والماء والدواء، مما يشكل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور. .3 قانون حقوق الإنسان الدولي: · العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: تنتظر إسرائيل كقوة احتلال بضمان حقوق الفلسطينيين الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة والكرامة وحرية الحركة، وهي حقوق تنتهك بشكل منهجي عبر السياسات والإجراءات العسكرية. المحور الثاني: "مجموعة لاهاي" كمنصة قانونية-سياسية هجينة لم تعد المجموعة مجرد داعم للدعوى القضائية، بل تحولت إلى كيان هجين يجمع بين الأدوات القانونية والضغط السياسي والاقتصادي: · التضامن القضائي: تقديم "إعلانات تدخل" جماعية لدعم حجج جنوب إفريقيا في المراحل القادمة من الدعوى، مما يضاعف من ثقلها القانوني والأخلاقي. · الضغط الاقتصادي والدبلوماسي المنسق: تدرس الدول الأعضاء، كل حسب قدرتها، فرض حظر على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل (كما فعلت إسبانيا سابقاً) وتعليق بعض اتفاقيات التبادل التجاري، وصولاً إلى مراجعة علاقاتها الدبلوماسية. هذا يخلق "تكلفة" ملموسة للاحتلال. · تعزيز شرعية المقاطعة: يمنح التحالف غطاءً قانونياً وسياسياً لحركة المقاطعة ولمواقف الدول التي تسعى لعزل إسرائيل دبلوماسياً، بتحويلها من موقف "متطرف" إلى موقف يستند إلى التزام بالقانون الدولي. المحور الثالث: انضمام إسبانيا – تداعيات متعددة المستويات .1 تفكيك الجبهة الأوروبية الموحدة: تقليدياً، كان موقف الاتحاد الأوروبي من القضية الفلسطينية يتسم بالتردد والانقسام. انضمام إسبانيا، وهي دولة مؤسسة في الاتحاد، يخلق قطباً جديداً داخل الكتلة، متحدياً الهيمنة التقليدية لألمانيا وفرنسا اللتين تتخذان موقفاً أكثر تحفظاً. هذا يفتح الباب لدول أخرى مثل بلجيكا وأيرلندا والبرتغال للميل نحو هذا التحالف. .2 الشرعنة الدولية المتزايدة: عندما تنضم دولة أوروبية كبرى إلى تحالف تقوده دول من الجنوب العالمي (جنوب إفريقيا، كولومبيا)، فإنها تمنح الموقف شرعية عالمية أوسع، وتنزع عنه صفة "الصراع العربي-الإسرائيلي" لتضعه في إطار "الصراع من أجل احترام القانون الدولي". .3الضغط على الحليف الأمريكي: تضع واشنطن في مأزق دبلوماسي وأخلاقي. فبينما تستخدم الفيتو لحماية إسرائيل في مجلس الأمن، يظهر أن حلفاءها التقليديين في أوروبا يبتعدون عن هذا الخط تحت مظلة القانون. هذا يزيد من عزلتها الدولية ويُظهر دعمها الأعمى لإسرائيل وكأنه خارج الإجماع الدولي المتشكل. المحور الرابع: التحديات وعقبات التنفيذ – معضلة النظام الدولي · إشكالية الفيتو: يبقى العائق الأكبر أمام تنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية هو حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، الذي تستخدمه الولايات المتحدة بشكل منهجي لحماية إسرائيل من أي عقوبات دولية ملزمة. · اللحاق بالواقع الميداني: البطء الإجرائي في المحاكم الدولية (شهور أو سنوات) لا يتماشى مع سرعة وضراوة الأحداث على الأرض في غزة، مما يخلق فجوة بين العدالة والواقع. · محدودية آليات التنفيذ: لا تمتلك محكمة العدل الدولية قوة شرطة لتنفيذ قراراتها. قوتها تكمن في قوة الإلزام الأخلاقي والسياسي لقراراتها. هنا يصبح دور "مجموعة لاهاي" حاسماً في تحويل هذا الإلزام الأخلاقي إلى ضغط سياسي وعملي لا يمكن تجاهله. المحور الخامس: الآفاق المستقبلية – نحو نظام دولي متعدد الأقطاب انضمام إسبانيا إلى "مجموعة لاهاي" هو مؤشر قوي على تحول أعمق في هيكل النظام الدولي: · صعود الجنوب العالمي: يُظهر التحالف قدرة دول "الجنوب العالمي" على قيادة ملفات قانونية وسياسية كبرى وتحدي الهيمنة التقليدية للشمال، مستندة إلى أرضية أخلاق عالية وقواعد القانون الدولي. · تقويض الاحتكار الغربي للرواية: لم تعد الرواية الإسرائيلية-الأمريكية هي المهيمنة في الإعلام والدوائر السياسية. وجود تحالف قانوني دولي بهذا الحجم يخلق رواية مضادة قوية ومؤثرة. · سابقة للمستقبل: قد يشكل هذا التحالف نموذجاً للتعامل الدولي مع النزاعات الأخرى، حيث تلجأ الدول إلى التحالفات القضائية كبديل عن مجلس الأمن المعطل، مما يعيد هندسة المساءلة الدولية. خاتمة: انضمام إسبانيا إلى "مجموعة لاهاي" هو أكثر من مجرد تحول دبلوماسي؛ إنه زلزال سياسي وقانوني. هو إعلان بأن "الاستثناء الإسرائيلي" من القانون الدولي لم يعد مقبولاً، وأن ثمن انتهاك هذا القانون سيرتفع بشكل متصاعد. بينما تبقى معضلة التنفيذ قائمة، إلا أن هذه الخطوة تعمق عزلة إسرائيل قانونياً وأخلاقياً، وتضع أساساً متيناً لمرحلة جديدة من النضال من أجل المساءلة، قد لا تحقق العدالة الفورية، ولكنها تقطع الطريق بشكل حاسم نحو تحقيقها في المدى المنظور. د.نضال خلوف مع تحيات كلية القانون الدولي Generations and Technology University