لاعتراف بدولة فلسطين: بين رمزية الدبلوماسية وضرورة العدالة الدولية :بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف

لاعتراف بدولة فلسطين: بين رمزية الدبلوماسية وضرورة العدالة الدولية بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf أستاذ مساعد في كلية القانون الدولي مقدمة: اعتراف في زمن الدمار في مشهدٍ يحمل مفارقةً صارخة، بينما كانت جرافات الاحتلال تزيل أنقاض المنازل في غزة، كانت قاعات الأمم المتحدة في نيويورك تشهد خلال سبتمبر ٢٠٢٥ موجةً غير مسبوقة من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين. فرنسا، بلجيكا، لوكسمبورغ، بريطانيا، كندا، أستراليا والبرتغال كانت ضمن الدول التي انضمت إلى أكثر من 157 دولة اعترفت بالدولة الفلسطينية، مما يشكل أكثر من 81% من أعضاء الأمم المتحدة. لكن هذا الاعتراف الذي يُطرح كإنجاز دبلوماسي تاريخي، يظل بالنسبة للكثيرين مجرد "ورقة توت لتغطية عورة الغرب"، بينما تستمر معاناة الشعب الفلسطيني تحت نيران الاحتلال والإبادة. فما هي القيمة الحقيقية لهذه الاعترافات في ظل القانون الدولي الإنساني؟ وما الذي يجب أن يليها لتحقيق عدالة حقيقية؟ الجوهر القانوني للاعتراف: بين التكريس الرمزي والحقوق الملزمة يستند الاعتراف بالدولة الفلسطينية في القانون الدولي إلى أسس راسخة، أهمها حق الشعوب في تقرير المصير الذي يُعد قاعدة آمرة (القانون الإلزامي ( في القانون الدولي لا يجوز الإخلال بها. وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الحق للشعب الفلسطيني في قرارها رقم ٣٢٣٦ لعام ١٩٧٤، كما شددت عليه محكمة العدل الدولية في فتواها التاريخية بشأن جدار الفصل العنصري عام ٢٠٠٤. الأسس القانونية للدولة الفلسطينية · اتفاقية مونتيفيديو (١٩٣٣): تؤكد استيفاء فلسطين لأركان الدولة (إقليم محدد، سكان دائمين، حكومة، قدرة على الدخول في علاقات دولية). يمثل المسار القانوني لفلسطين في الأمم المتحدة قصة كفاح طويل من أجل الاعتراف بالهوية الوطنية والحقوق المشروعة. وفيما يلي شرح للمحطات الرئيسية: .1 عام 1974: الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني · كانت هذه أول خطوة دولية كبرى نحو تأكيد الحقوق الوطنية الفلسطينية على الساحة العالمية. اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وتم منحها صفة "مراقب" في الأمم المتحدة. · الأهمية: مثل هذا القرار انتصاراً دبلوماسياً ودعماً سياسياً وقانونياً مهماً، حيث نقل القضية الفلسطينية من كونها قضية "لاجئين" فقط إلى قضية "شعب" له تمثيل سياسي. فتح هذا القرار الباب أمام مشاركة المنظمة في المحافل الدولية ومنحها صوتاً على مستوى العالم. .2 عام 1988: إعلان الاستقلال من الجزائر · في خطوة تاريخية، أعلن المجلس الوطني الفلسطيني (البرلمان الفلسطيني في المنفى آنذاك) في الجزائر العاصمة قيام دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران 1967، مع اعتبار القدس عاصمة لها. جاء الإعلان متزامناً مع قبول منظمة التحرير قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما فيها القرار 242. · الأهمية: على الرغم من أنه كان إعلاناً سياسياً من طرف واحد، إلا أنه شكل نقطة تحول جوهرية في المسار النضالي الفلسطيني، حيث انتقل من هدف "تحرير فلسطين كلها" إلى هدف إقامة "دولة على جزء منها". على أثره، اعترفت عشرات الدول بدولة فلسطين، مما عزز شرعيتها الدولية. .3 عام 2012: القرار 67/19 بمنح فلسطين صفة "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة · بصوت ساحق (138 دولة مقابل 9 مع امتناع 41)، قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة برفع فلسطين من "كيان مراقب" (ممثلاً بمنظمة التحرير) إلى "دولة مراقب غير عضو". · الأهمية: هذه الخطوة ذات أهمية قانونية هائلة. فكلمة "دولة" في القرار تشكل اعترافاً فعلياً بفلسطين كدولة من قبل الجمعية العامة. هذا الترقية في الصفة القانونية مكنت فلسطين من الانضمام إلى عشرات المعاهدات والمنظمات الدولية، وأبرزها منظمة اليونسكو، والأهم من ذلك، الانضمام لاحقاً إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مما فتح الباب لمحاسبة إسرائيل على جرائم الحرب. .4 عام 2024: قرار الجمعية العامة بأغلبية 143 صوتاً بدعم عضوية فلسطين الكاملة · في أيار/مايو 2024، وبعد تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة، صوتت الجمعية العامة لصالح قرار يمنح فلسطين "حقوقاً وامتيازات إضافية" ويدعم بشكل ساحق طلبها للحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة. القرار طالب مجلس الأمن بإعادة النظر في الطلب "بشكل إيجابي". · الأهمية: يؤكد هذا القرار الإرادة الدولية الساحقة والمتزايدة لدعم الحقوق الفلسطينية وتمهيد الطريق أمام العضوية الكاملة. وهو رسالة سياسية وقانونية قوية بإدانة سياسات إسرائيل ورفض استمرار الاحتلال. عملياً، يعزز شرعية فلسطين ويزيد من ضغوط العزلة الدولية على إسرائيل، رغم أن العضوية الكاملة لا تزال معلقة على موافقة مجلس الأمن التي قد تعترضها الولايات المتحدة بحق النقض (الفيتو). الخلاصة: مسار تراكمي نحو تعزيز الشرعية يوضح هذا التسلسل الزمني أن الاعتراف الدولي بدولة فلسطين لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل كان مساراً تراكمياً من النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني. كل خطوة بنت على سابقتها، لتعزيز الشخصية القانونية الدولية لفلسطين وتقويض شرعية الاحتلال الإسرائيلي. ورغم أن هذه الخطوات لم توقف العدوان أو تحقق الدولة المستقلة بعد، إلا أنها شكلت إطاراً قانونياً وسياسياً صلباً لا يمكن تجاهله في أي حل عادل مستقبلي. الآثار القانونية المترتبة على الاعتراف: من الرمزية إلى الفعل الاعتراف الدولي ليس مجرد خطوة دبلوماسية شكلية، بل يحمل آثاراً قانونية وسياسية عميقة تعزز الوجود القانوني لفلسطين على الساحة الدولية. ١. تعزيز الشخصية القانونية الدولية يمنح الاعتراف فلسطين وجوداً قانونياً مستقلاً عن الاحتلال، مما يعني أن حقوقها والتزاماتها كدولة تصبح معترفاً بها بشكل أوسع، حتى مع استمرار القيود المفروضة بسبب الاحتلال. ٢. تمكين الانضمام إلى المنظمات والمعاهدات الدولية يتيح الاعتراف الكامل لفلسطين الانضمام إلى المنظمات الدولية مثل اليونسكو ومنظمة الجمارك العالمية، والانضمام إلى الاتفاقيات الدولية الرئيسية، بما فيها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقيات حقوق الإنسان، مما يعزز قدرتها على محاسبة إسرائيل على انتهاكات القانون الدولي. ٣. ترسيخ حق تقرير المصير يُعتبر الاعتراف المتتالي بدولة فلسطين تجسيداً عملياً للحق غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وهو حق أكدته المواثيق الدولية واعتبرته "قاعدة آمرة" في القانون الدولي. ٤. تقويض مشروعية الاستيطان يقوّض الاعتراف المشروعية القانونية للممارسات الإسرائيلية الرامية إلى فرض واقع استيطاني في الأراضي المحتلة، لكونها تتعارض مع القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة. الفجوة بين الاعتراف والواقع: اختبار الضمير الدولي رغم هذه الآثار القانونية الإيجابية، يظل هناك فجوة هائلة بين الاعتراف الرمزي والواقع الميداني. فكما يقول الكاتب علاء الحسيني: "أخبار 'اعتراف الدول بدولة فلسطين' لا تُدخل السرور إلى قلبي، بل تُشعرني بالمهانة". هذه المشاعر تعكس إحباطاً عميقاً إزاء ازدواجية المعايير الدولية، حيث يتم الاعتراف بدولة فلسطين بينما تُسلح الدول الغربية إسرائيل وتمول حربها ضد الشعب الفلسطيني. التناقض الصارخ في الموقف الدولي · المعايير المزدوجة: كما يلاحظ الصحفي الأمريكي كريس هيدجز، فإن رد المجتمع الدولي على الحرب في غزة يختلف جذرياً عن رد فعله تجاه غزو روسيا لأوكرانيا، حيث فرضت عقوبات صارمة على روسيا بينما تواصل تمويل وإمداد إسرائيل بالسلاح. · الاحتلال مستمر: بحسب البروفسور مونيك شوميليه-جندرو، أستاذة القانون الدولي، فإن الاعتراف بدولة فلسطين "جاء متأخراً وناقصاً" لأن الدول التي اعترفت أخيراً تركت إسرائيل تدمر أسس هذه الدولة بشكل منهجي على مدى عقود. · غياب الآليات التنفيذية: بدون آليات ضغط حقيقية على إسرائيل، يظل الاعتراف مجرد حبر على ورق. وهذا يتطلب فرض عقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية على إسرائيل مماثلة لتلك التي فُرضت على جنوب أفريقيا خلال نظام الفصل العنصري. ما بعد الاعتراف: خريطة طريق نحو العدالة لكي يتحول الاعتراف من مجرد رمز دبلوماسي إلى أداة تغيير حقيقية، لا بد من خطوات عملية وجريئة تستند إلى القانون الدولي الإنساني. ١. تحقيق العضوية الكاملة في الأمم المتحدة يجب مضاعفة الضغط الدبلوماسي لتجاوز حق النقض الأمريكي في مجلس الأمن، من خلال اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لتبني قرار يمنح فلسطين العضوية الكاملة بناءً على مبدأ "الاتحاد من أجل السلام" كما حدث عام ١٩٥٠ أثناء الحرب الكورية. ٢. تفعيل آليات المحاسبة الدولية · المحكمة الجنائية الدولية: دعم كامل لمحاكمة مسؤولي إسرائيل بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. · محكمة العدل الدولية: اللجوء إلى المحكمة للحصول على فتوى تلزم إسرائيل بإنهاء الاحتلال والفصل العنصري. · العقوبات الاقتصادية: فرض عقوبات شاملة على إسرائيل تشمل قطع إمدادات السلاح وتجميد التعاون الاقتصادي والعلمي. ٣. نشر قوات حماية دولية كما تقترح الباحثة الفرنسية شوميليه-جندرو، يجب نشر قوة طوارئ متعددة الجنسيات في غزة والضفة الغربية بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لحماية المدنيين الفلسطينيين حتى يتم إنهاء الاحتلال. ٤. إعادة الإعمار وضمان حق العودة يجب أن تترافق أي جهود لإعادة إعمار غزة مع ضمانات بعدم عودة الاحتلال، واحترام حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم كما ينص عليه القرار ١٩٤. خاتمة: الاعتراف بداية وليس نهاية الاعتراف الدولي بدولة فلسطين يشكل خطوة مهمة في المسار الطويل نحو الحرية والعدالة، لكنه يظل مجرد بداية إذا لم يُترجم إلى إجراءات ملموسة على الأرض. فكما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في مؤتمر نيويورك: "إقامة دولة للفلسطينيين ليس مكافأة بل هي حق". إن تحويل هذا الحق إلى واقع حقيقي يتطلب أكثر من التصفيق في قاعات المؤتمرات؛ يتطلب إرادة سياسية حقيقية لمواجهة الاحتلال ومحاسبته، ووقف دعم الأنظمة التي تُمول آلة الحرب الإسرائيلية. فدماء آلاف الشهداء في غزة تستحق أكثر من "صفقة رخيصة" تسمى اعترافاً ويطالبون بالعدالة المتوافقة مع متطلبات القانون الدولي، الذي ظل لفترة طويلة شاهداً صامتاً على الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني. إن الطريق طويل، لكن الاعتراف المتزايد بدولة فلسطين يؤكد أن الإرادة الدولية آخذة في التغير، وأن نظام الفصل العنصري الإسرائيلي قد بدأ يفقد شرعيته حتى في عيون حلفائه التقليديين. السؤال الآن هو: هل سيكون هذا الاعتراف مجرد ذاكرة دبلوماسية في سجلات الأمم المتحدة، أم سيكون نقطة تحول حقيقية نحو تحرير فلسطين وإنهاء آخر احتلال في القرن الحادي والعشرين؟ الدكتور نضال خلوف مع تحيات كلية القانون الدولي