قراءة تحليلية نقدية في كتاب *كارل بروكلمان في الميزان* للدكتور شوقي أبو خليل (3). بقلم الدكتور محمد سعيد أركي *تشريح المنهج الاستشراقي وتفنيد الافتراءات على التاريخ الإسلامي.* تهدف هذه القراءة إلى تحليل ونقد المنهج التاريخي للمستشرق الألماني كارل بروكلمان(1868-1956) في كتابة التاريخ الإسلامي، كما يتجلى في مؤلفه الرئيس "تاريخ الشعوب الإسلامية"، وذلك من خلال القراءة النقدية التي قدمها شوقي أبو خليل في كتابه "كارل بروكلمان في الميزان"، حيث بحث في الأسس المنهجية المتحيزة التي حكمت قراءة بروكلمان، ثم تُفنّيد الافتراءات الموجهة إلى مراحل التاريخ الإسلامي كافةً (العصر النبوي، الراشدي، الأموي، العباسي، والعثماني)، وكذلك إلى العقيدة الإسلامية والتشريع. إن قراءة بروكلمان، رغم قيمتها الوصفية أحياناً، كانت أسيرة المركزية الأوروبية والنظرة المادية، وساهمت في تشويه الصورة الشاملة للحضارة الإسلامية. *مقدمة* : يُعد ّكارل بروكلمان أحد عمالقة الاستشراق الألماني، ولا تزال موسوعته "تاريخ الأدب العربي" وكتابه "تاريخ الشعوب الإسلامية" مراجعَ أساسية. ومع ذلك، فإن المنهج الذي اتبعه في تفسير التاريخ الإسلامي قد شابه تحيزٌ منهجي عميق. يشرح هذا المنهج شوقي أبو خليل من خلال عمل نقدي رصين هو "كارل بروكلمان في الميزان"، مُسلطاً الضوء على مواطن التحيز والافتراء في معالجته للعقيدة والتاريخ والتشريع الإسلامي عبر عصوره المختلفة. ١. الإطار المنهجي المتحيز: الأسس الفكرية لقراءة بروكلمان. اتسم منهج بروكلمان بسمات جعلته يقدم صورة مشوهة عن الإسلام من حيث المركزية الأوروبية والحكم المسبق، فقد نظر بروكلمان إلى التاريخ الإسلامي من خارج سياقه الحضاري، حاكماً إياه بمعايير الفكر الأوروبي الحديث، وقد انعكس ذلك على توصيفه للفتوحات الإسلامية بأنها "غزوات" بدوافع مادية ، متجاهلاً البعد العقائدي التحرري. · *النظرة المادية والاختزالية:* أخضع بروكلمان الظواهر التاريخية لتفسيرات مادية صرفة، فعزّز انتصارات المسلمين إلى ضعف الإمبراطوريات المجاورة ، منكراً دور العقيدة كقوة دافعة محورية. · *الانتقائية في التعامل مع المصادر:* على الرغم من إتقانه العربية، إلا أنه اتُّهم بتفضيل الروايات التي تخدم روايته المسبقة - والتي كانت غالباً مستمدة من باحثين غربيين مثل يوليوس فلهاوزن - وتجاهل الروايات الموثقة في المصادر العربية الإسلامية الأساسية التي تتعارض مع تحيزاته. ٢. افتراءات على العقيدة الإسلامية وأصول التشريع طالت كتابات بروكلمان جوهر العقيدة الإسلامية من خلال: · *إنكار الوحي والنبوة:* قدّم ظهور الإسلام كنتيجة لتأملات شخصية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مدعياً أن فكرة النبوة "نضجت في نفسه"، في محاولة لنزع الصفة الإلهية عن الوحي. · *نظرية الاقتباس المزعومة:* ذهب إلى أن النبي اقتبس من معتقدات سابقة، فادعى أن: · قصص الأنبياء مأخوذة من "الأساطير اليهودية" . · الاعتقاد بالآخرة يعود إلى مصادر "فارسية وبابلية" . · فريضة الصيام قد تكون مقتبسة من "الفرق الغنوسية أو المانيين". هذه الادعاءات تتجاهل وحدة المصدر الإلهي للشرائع وتسقط منطق "الاقتباس" على ظاهرة الوحي. · إحياء الروايات الموضوعة: أعاد إحياء رواية " *الغرانيق* " الضعيفة جداً، مع علمه بضعفها، في محاولة لتشويه ثبات النبي العقائدي. ٣. *تشويه التاريخ السياسي* : من الراشدين إلى العثمانيين أ. *العصر الراشدي* : تفكيك دوافع الفتوحات وتشويه القيادة · تشويه دوافع الفتوحات: صورها كغارات لـ"غزاة غانمين مخربين " ، نافياً البعد التحرري والدعوي، ومرجعاً إياها لضعف الخصم . · *التقليل من الشأن العسكري:* نسب انتصارات اليرموك والقادسية إلى عوامل ثانوية كتخاذل حلفاء العدو ، متجاهلاً براعة القيادة الإسلامية. · *نظام الجزية* : إغفال السياق التشريعي: قدم الجزية كضريبة قمعية ، متجاهلاً قيمتها الزهيدة، وإعفاء الفقراء منها، ومقابلها المتمثل في الحماية والخدمات. ب. *العصر الأموي* : بين تشويه الشخصية وإنكار الإنجاز الحضاري · تشويه صورة الخلفاء: نقل دون تمحيص روايات عن انغماس يزيد بن معاوية وابنه يزيد الثاني في اللهو، معتمداً على روايات معادية. · الافتراء على دافع بناء قبة الصخرة: ادعى أن عبد الملك بن مروان بناها لتحويل الحج عن الكعبة ، متجاهلاً الدوافع العقائدية والسياسية لإقامة معلم إسلامي في القدس. · *الجهل بالإصلاح النقدي* : زعم أن العملة البيزنطية كانت الوحيدة المتداولة ، متناسياً إنجاز عبد الملك في سك أول عملة إسلامية خالصة. ج. *العصر العباسي:* صورة الاستبداد وإغفال النهضة الحضارية · تعميم صفة "الجلالة" والاستبداد: صور الخلفاء العباسيين، باستثناء ندرة مثل المنصور والرشيد، على أنهم حكام مستبدون يحيط بهم الجلاوزة ، متجاهلاً السياقات التاريخية لضرورة قوة الحكم لإدارة إمبراطورية شاسعة. · إغفال النهضة العلمية والحضارية: ركز بروكلمان على التاريخ السياسي والعسكري، مهملاً إلى حد كبير الإسهامات العلمية والفكرية الهائلة التي ازدهرت في العصر العباسي، مما يشوّه صورة العصر الذهبي للإسلام. د. اتسمت معالجة بروكلمان للدولة العثمانية بنفس النظرة الاستشراقية المتحيزة، والتي يمكن تفصيلها على النحو التالي: أولا: الافتراء على (المصطلحات) وانحياز صريح للرواية الاستعمارية: · الخطأ المصطلحي والانحياز: لم يصف بروكلمان الغزو العثماني للجزائر بـ"الفتح"، بل هذا كان وصفه للاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830م. وهذا من أشد الافتراءات دلالة على تحيزه. فقد وصف الحملة الفرنسية على الجزائر بأنها "فتح" ، بينما وصف مقاومة الشعب الجزائري بقيادة الأمير عبد القادر بأنها "تمرد ثاني". هذا الانزياح المصطلحي ليس بريئاً، بل يعكس تبني كامل للرواية الاستعمارية التي تقدم نفسها كمُحضِّرة ومُتحضِّرة، بينما تُشَوّه مقاومة الشعوب وتُوصف بـ"التّمرد" و"العصيان". ثانيا: النظرة الازدرائية للإدارة والحكم العثماني: · تشويه صورة السلاطين: قدم صورة نمطية للحكام العثمانيين في عهد الانحطاط، فوصف السلطان عبد العزيز بأنه "لا يتصل إلا بالدراويش ومشايخ القرآن"، وزعم أن هؤلاء "حشوا دماغه بأحلام خيالية عن عظمة السلطان الدينية. هذا الوصف يتجاهل التعقيدات السياسية والاقتصادية التي كانت تواجه الدولة، ويختزل أسباب الضعف في أسباب دينية وثقافية متخيلة، في إطار ازدراء واضح للبيئة العثمانية الإسلامية. · تقليل شأن الإنجازات العسكرية والحضارية: على غرار منهجه مع العصور السابقة. قلل بروكلمان من شأن الفتح العثماني للقسطنطينية (إسطنبول) وأثره الحضاري، معتبراً إياه مجرد امتداد للغزوات السابقة، دون إبراز التحول الجيوسياسي والحضاري الذي مثّلته هذه الواقعة. كما أغفل الإسهامات المعمارية والعلمية والإدارية للدولة العثمانية خلال عصور قوتها. ثالثا: إغفال فلسفة التسامح العثماني (نظام الملل): · تجاهل بروكلمان بشكل ملحوظ نظام "الملل" العثماني، الذي كان إطاراً قانونياً فريداً سمح لأهل الذمة من مسيحيين ويهود بإدارة شؤونهم الدينية والاجتماعية تحت حماية الدولة. هذا الإغفال يساهم في تقديم صورة عن الدولة العثمانية على أنها دولة استبدادية محضة، متجاهلاً آليات التسامح والتعايش التي طبعتها لقرون، وهي نفس الآليات التي انتقد عدم وجودها في التشريع الإسلامي بشكل عام! رابعا: تبني خطاب "الرجل المريض" الأوروبي: · بشكل عام، تنطلق قراءة بروكلمان للعصر العثماني المتأخر من الخطاب السياسي الأوروبي السائد في القرن التاسع عشر والمتمثل في تسمية الدولة العثمانية بـ"الرجل المريض". وقد قدّم سرديته عن هذا العصر من منظور التدهور الحتمي والانتظار لوراثة التركة (المسألة الشرقية)، دون تحليل موضوعي للأسباب الداخلية والخارجية المعقدة التي أدت إلى ضعف الدولة، مع إلقاء اللوم في المقام الأول على "التخلف" الإسلامي والعثماني. د. الهجوم على التشريع الإسلامي والنظم الاجتماعية قدم بروكلمان التشريع الإسلامي في صورة مشوهة تنم عن جهل بفلسفته: · *تشريع الطلاق:* وصفه بأنه "أمر ميسور جداً" ، محملاً إياه إيحاءً سلبياً بالاستهانة بقدسية الزواج، متجاهلاً أنه "أبغض الحلال" وأنه وُضع كحل أخير. · تشريع الحدود: وصفه بأنه "يقرب من البدائية" ، متجاهلاً فلسفة الردع وتحقيق الأمن المجتمعي. · *موقف الإسلام من الرق* : ادعى أن الإسلام فقط "لطف من حدّة هذا النظام" ، متناسياً المنهجية الثورية للإسلام في تضييق منابعه وتوسيع مصارفه التي قضت عليه فعلياً. · *افتراء العداء لغير المسلم* : زعم أن على المسلم "أن يعادي غير المسلمين حيث وجدهم"، في افتراء صريح يناقض نصوص القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي الطويل في التسامح. *خاتمة* : تداعيات القراءة البروكلمانية وضرورة التجاوز لا يمكن فصل القراءة التاريخية لبروكلمان عن المشروع الاستشراقي الأوسع،الذي خدم -عن قصد أو غير قصد- التصورات الاستعمارية عن الشرق. لقد ساهمت سلطته الأكاديمية في ترسيخ صورة نمطية للإسلام كدين "عنيف" و"مستبد" و"مقتبس"، وهو ما يحتاج إلى تفكيك منهجي. إن تجاوز هذا الإرث يتطلب: ١. نقد المنهج: تفكيك الأسس المتحيزة للاستشراق الكلاسيكي. ٢. إعادة القراءة من الداخل: قراءة التاريخ الإسلامي من خلال مصادره الأساسية، بفهم سياقه الحضاري الخاص، وتطوير خطاب أكاديمي مستقل. ٣. الاعتراف بالإنجاز مع نقد التحيز: الإقرار بالفضل التقني لبروكلمان في مجالات مثل الفهرسة، مع رفض تحيزاته التفسيرية الجوهرية. إن نقد أعمال بروكلمان ليس غاية في ذاتها، بل هي أنموذج لفهم آليات تشكيل المعرفة عن "الآخر" وأهمية امتلاك الأمة لأدواتها النقدية لقراءة تراثها وتقديمه للعالم بشكل متوازن موضوعي. بقلم الدكتور محمد سعيد أركي مع تحيات قسم التاريخ والفكر الإسلامي