اعتراف العمالقة الثلاثة: بريطانيا وكندا وأستراليا يعيدون رسم خريطة الشرعية الدولية بقلم الدكتور محمد نضال خلوف Nedal Khalouf مقدمة: قرار في توقيت مصيري في خطوة هي الأكثر جرأة منذ عقود، اجتمعت إرادة ثلاث دول غربية كبرى – بريطانيا، كندا، أستراليا – لكتابة فصل جديد في ملف الصراع العربي الإسرائيلي. في 21 سبتمبر 2025، أعلنت هذه الدول اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، في توقيت محوري يشهد تصاعدًا للضغط الدولي غير المسبوق إثر حرب غزة، ويُعيد إشعال أمل إحياء حل الدولتين. هذا القرار يتجاوز كونه خطوة دبلوماسية رمزية؛ إنه زلزال سياسي وقانوني يهز أركان الوضع القائم، ويفتح الباب على مصراعيه لإعادة تعريف مفهوم الشرعية الدولية وحدودها. أولاً: الأسس القانونية.. لماذا تعتبر فلسطين دولة؟ لكي يكون الاعتراف ذا معنى، يجب أن يستند إلى أساس متين في القانون الدولي. وتستند شرعية الدولة الفلسطينية إلى ركنين أساسيين: .1 معايير دولة بالفعل (بحكم الواقع): وفقًا لاتفاقية مونتيفيديو (1933)، يجب أن تتوفر الدولة على: · شعب دائم: الشعب الفلسطيني، بمكانته وكيانه الواضح. · إقليم محدد: الضفة الغربية، قطاع غزة، والقدس الشرقية (وإن كان تحت الاحتلال). · حكومة فاعلة: السلطة الفلسطينية التي تمارس سلطات حكم واضحة، وإن كانت مقيدة. · القدرة على إقامة العلاقات: فلسطين عضو مراقب في الأمم المتحدة ومعترف بها من أكثر من 140 دولة، وهي تبرم اتفاقيات دولية. .2 معايير دولة بحق (بحكم القانون): هنا يأتي دور الاعتراف الدولي. اعتراف دول بهذا الثقل السياسي (بريطانيا عضو دائم في مجلس الأمن، وكندا وأستراليا من دول مجموعة السبع والكومنولث) يعزز الشرعية القانونية لفلسطين ويحولها من "كيان" إلى "دولة" في التعاملات الدولية، مما يفرض التزامات على المجتمع الدولي باحترام سيادتها. ثانيًا: الآثار المترتبة.. من الرمزية إلى الالتزام القانوني الملموس الاعتراف ليس شهادة مجانية، بل هو عقد يخلق حقوقًا ويلزم بواجبات: · إلزامية القانون الدولي الإنساني: يصبح من واجب الدول المعترفة بشكل مباشر: · محاسبة إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، على انتهاكاتها لاتفاقيات جنيف. · الامتناع عن تقديم أي دبلوماسي أو عسكري أو مالي يمكن أن يُستخدم في استمرار الاحتلال أو توسيع المستوطنات. · دعم التحقيقات الدولية في جرائم الحرب المحتملة. · تمهيد الطريق للمساءلة القانونية: يقوّي هذا الاعتراف الموقف القانوني لفلسطين أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، ويسهل ملاحقة قادة الاحتلال بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. · علاقات دولية كاملة: يفتح الباب لإبرام اتفاقيات تعاون ثنائي في مجالات التجارة والأمن والثقافة والمساعدات الإنمائية، مما يعزز وجود دولة فلسطين على الساحة الدولية كشريك كامل العضوية. ثالثًا: التحديات والعقبات.. الطريق ما زال طويلاً رغم كل ما سبق، فإن الاعتراف ليس عصاً سحرية تحل كل المشاكل. العقبات الحقيقية لا تزال قائمة: .1 الاحتلال على الأرض: الحقيقة المرة هي أن الجنود والمستوطنات الإسرائيلية ما زالت مسيطرة على الأرض. الاعتراف لا يزيلها بين ليلة وضحاها. التحدي هو تحويل الشرعية الدبلوماسية إلى سيادة فعلية على الأرض. .2 المعيقات السياسية: من المتوقع أن ترد إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة بإجراءات عقابية دبلوماسية واقتصادية لمحاولة عزل هذه الدول وإفشال قرارها. .3 تعقيدات الوضع الداخلي: الوضع الفلسطيني الداخلي المنقسم ( بين الضفة وغزة) يشكل تحديًا عمليًا أمام تمثيل موحد لدولة واحدة على الساحة الدولية. رابعًا: لماذا الآن؟ القراءة بين السطور هذا التوقيت لم يكن عبثيًا، بل يحمل رسائل عميقة: · ضغط الرأي العام: الضغط الشعبي الهائل في دول الغرب، المصدوم من الحرب على غزة، دفع حكوماته لاتخاذ إجراء ملموس. · إنقاذ حل الدولتين: محاولة أخيرة لإنقاذ حل الدولتين من الاندثار الكامل تحت وطأة الاستيطان وضم الأراضي. · إعادة ترتيب البيت الغربي: إرسال رسالة داخلية بأن سياسة "الاحتواء" و "عملية السلام التي لا تتحرك" قد فشلت، وأن هناك حاجة لنهج جديد أكثر حسماً. خاتمة: من الاعتراف إلى التحرير اعتراف بريطانيا وكندا وأستراليا هو نقطة تحول تاريخية. إنه انتصار لإرادة القانون على منطق القوة، وللشرعية الدولية على الاحتلال. هو خطوة ضرورية على الطريق الطويل، لكنها ليست النهاية. هو بداية لمرحلة جديدة من النضال السياسي والقانوني والدبلوماسي، حيث يجب تحويل هذه الشرعية الورقية إلى واقع ملموس يعيش فيه الفلسطينيون أحرارًا في دولة مستقلة وعاصمتها القدس. المعركة القادمة هي معركة تنفيذ وإرادة سياسية، والوقت وحده كفيل بإثبات ما إذا كان هذا القرار شهادة ميلاد حقيقية للسلام، أو مجرد صفحة جديدة في كتاب الصراع الطويل. السادة القرّاء : هل تعتقدون أن مثل هذه الخطوات الدبلوماسية كفيلة بتحقيق السلام أم أنها مجرد إجراءات رمزية؟ شاركوني رأيكم. الدكتور محمد نضال هادي خلوف Generations and Technology University