الأحكام الفقهية للفلوس والعملة الورقية في المذاهب السنية الأربعة (دراسة تحليلية مقارنة)

الأحكام الفقهية للفلوس والعملة الورقية في المذاهب السنية الأربعة (دراسة تحليلية مقارنة) بقلم الأستاذ الدكتور عبد الله خليل التميمي تتناول هذه الدراسة التحول التاريخي من التعامل بالنقود المعدنية (الذهب والفضة) إلى العملة الورقية، وتحلل الأحكام الفقهية المتعلقة بالفلوس والعملات الورقية في المذاهب السنية الأربعة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي)، مع التركيز على مسائل الزكاة والربا، وتنتهي بتحذير من المخاطر الاقتصادية والشرعية للنظام النقدي المعاصر. 1.مقدمة: الإطار التاريخي والمشكلة البحثية شهد القرن الماضي تحولاً جذرياً في النظام النقدي العالمي، حيث تم التخلي عن المعيار الذهبي والفضي وفرض العملات الورقية غير المقومة بأصول حقيقية. هذا التحول مثّل تحديًا فقهيًا كبيرًا، خاصة فيما يتعلق بأحكام الزكاة والربا والمعاملات المالية. 2. الفصل الأول: النقود والفلوس - التعريف والأحكام العامة أ- تعريف النقود والفلوس: · النقود (الأثمان): هما الذهب والفضة فقط، سواءً كانت مسكوكة أو غير مسكوكة. وهما الأثمان المعيارية في الشريعة الإسلامية. · الفلوس: قطع معدنية (عادة من النحاس أو البرونز) تُسك لتسهيل المعاملات الصغيرة. قيمتها ليست ذاتية بل نابعة من القيمة المسكوكة (القيمة الاسمية) والتعامل بها. ب- الإجماع على حكم الفلوس: أجمع فقهاء المذاهب الأربعة على أن: · الفلوس ليست نقودًا معيارية، وإنما عروض تجارية (سلع). · لا تدخل الفلوس في باب ربا الفضل (الربا في المطعوم أو المكيل أو الموزون أو النقدين)، فيجوز بيعها متفاضلاً (مقابل عدد أكبر من فلوس أخرى) وبالأجل، بشرط ألا تكون من نفس الجنس (نوع المعدن والضرب). ج- الفلوس وربا النسيئة: · يحرم ربا النسيئة (القرض الذي يجر نفعًا) في الفلوس كما في كل شيء. فإقراض فلس لاسترداد فلسين محرم، لأنه قرض جر نفعًا وهو ربا. د- زكاة الفلوس: · لا زكاة في الفلوس إذا كانت للاستهلاك الشخصي (كالنفقة اليومية). · تجب زكاتها إذا كانت عروض تجارة، فتُقوّم قيمتها ويُخرج عنها ربع العشر (2.5%) إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول. 3. الفصل الثاني: العملة الورقية - التطور التاريخي والموقف الفقهي أ- المراحل التاريخية لنشأة العملة الورقية: 1. المرحلة الأولى (صكوك الذهب والفضة): كانت شهادات (إيصالات) بقيمة محددة من الذهب أو الفضة يمكن استبدالها بعينها. 2. المرحلة الثانية (صكوك الفلوس): أصبحت العملات الورقية تمثل ديونًا من الفلوس المعدنية. 3. المرحلة الثالثة (العملة الورقية الإلزامية): العملات التي لا تغطيها أي أصول (ذهب أو فضة أو فلوس)، وقيمتها مستقاة من القوة الإلزامية (فيات) والثقة فيها فقط. ب- الموقف الفقهي من العملة الورقية: · الرأي الأول (قياسها على الفلوس): وهو قول للمالكية وبعض المعاصرين. بناءً على ذلك: · حكم الربا: لا تدخل في ربا الفضل، فيجوز بيعها متفاضلاً (دولار بعدة ريالات) وبالأجل إذا اختلفت العملات (الجنس). · حكم الزكاة: تجب زكاتها إذا بلغت قيمتها نصابًا (قيمة 85 جرامًا من الذهب تقريبًا) وكانت معدّة للتجارة أو للادخار لطلب النماء. أما النقود المعدة للإنفاق الشخصي (شراء بيت، سيارة، نفقة) فلا زكاة فيها. · الرأي الثاني (رفض اعتبارها نقدًا أو فلوسًا): فالعملة الورقية لا قيمة ذاتية لها كالفلوس المعدنية، وتداولها في الأصل قائم على الغرر والربا (بيع الدين). ج- زكاة العملة الورقية: · الخلاف مبني على الخلاف السابق في تكييفها. والراجح عند أكثر المعاصرين هو وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها نصابًا وكانت فائضة عن الحاجات الأصلية وحال عليها الحول، قياسًا على عروض التجارة أو على الذهب والفضة نظرًا لوظيفتها النقدية. 4. الفصل الثالث: إشكالات معاصرة وتحذيرات أ- انتقاد بعض الفتاوى: ثمة فتاوى تنسب لبعض الفرق زعمت: · أن إقراض الفلوس بزيادة (ربا النسيئة) جائز! وهذا مخالف للإجماع على تحريم ربا القروض. · أن الفلوس معفاة من الزكاة مطلقًا! وهذا مخالف للإجماع على وجوب زكاة عروض التجارة. ب- الآثار الاقتصادية المدمرة: النظام النقدي المعاصر هو أداة لاستنزاف ثروات الأمم لصالح الدول الغربية من خلال: 1. ربط العملات المحلية بالعملات الأجنبية (مثل الدولار). 2. إجبار الدول على دفع قيمة وارداتها بالعملات الصعبة. 3. التضخم المستمر وانخفاض قيمة العملات المحلية، مما يؤدي إلى تبديد ثروات الناس ومدخراتهم. 5. الخاتمة والنتائج 1. الإجماع منعقد على أن النقود الحقيقية هي الذهب والفضة، وأن الفلوس عروض تجارية. 2. العملة الورقية مسألة اجتهادية معاصرة. الراجح قياسها على الفلوس في كثير من أحكامها (باستثناء ربا النسيئة المحرم فيها). 3. تجب الزكاة في العملات الورقية إذا كانت معدّة للنماء (تجارة أو ادخار استثماري) وبلغت قيمتها نصابًا. 4. النظام النقدي الربوي العالمي مصيبة كبرى ووسيلة للاستعمار الاقتصادي، ويجب على المسلمين العمل لإيجاد بديل إسلامي قائم على النقد الحقيقي. Generations and Technology University