امتهان الكرم: عندما يتحول العطاء المجاني إلى واجب مُلْزِم

امتهان الكرم: عندما يتحول العطاء المجاني إلى واجب مُلْزِم من يستجيب لاستفساراتنا برحابة صدر، يستحق على الأقل "شكراً" برحابة صدر. بقلم الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو مقدمة في عالم تحولت فيه كل خدمة إلى فاتورة، يبقى الكرم هو العملة الوحيدة التي لا تحمل سعراً. لكنها، ومع الأسف، العملة الأكثر تعرضاً للتزوير والاستغلال. كيف يتحول العطاء بلا مقابل من منحة طيبة إلى واجب مفترض؟ وكيف يصبح "الرد لوجه الله" سبباً في "امتهان الكرم" وعدم تقدير قيمته؟ النموذج الذي نتمناه: الميكانيكي الذي يرفض أجرته الزائدة القصة تبدأ بلقطة نادرة: ميكانيكي سوري لسيارات قديمة، خبرته عميقة وقلبه أعمق. تتصل به في أي وقت، فيرد على استفساراتك بصدر أوسع من بوابات مرسمه. الأجمل من ذلك، أنه حين تذهب إليه لتصليح عطل بسيط وتكافئ كرمه بزيادة في الأجر، هو من يردك بأدب: "لا داعي، يكفي القدر الذي طلبته". هنا تكمن المعادلة الأخلاقية المثلى: عطاءٌ بلا ثمن، مقابل اعترافٌ بلا ثمن أيضاً. هو لا يرفض المال، بل يرفض أن يكون كرمه ذريعة لأخذ ما لا يستحق. الانزياح الخطير: من "لو سمحت" إلى "من واجبك" المشهد لا يبقى نقياً طويلاً. يتحول الهاتف من جسر للاستشارة إلى أداة للمطالبة. نبرة الشكر والامتنان تختفي، وحل محلها لغة الأوامر والتوقع، وكأن وقت الخبير ملكية عامة، وطاقته مورد لا ينضب. الامتهان هنا ليس في عدم الدفع المادي، بل في عدم الدفع المعنوي: · اختفاء كلمة "شكراً". · انعدام عبارة "اعذرني على الإزعاج". · التكرار والاستفسار في أوقات غير مناسبة دون مراعاة. · القسوة في الطلب إذا لم يُلبَّ في الحال. هذا النوع من الامتهان لا يسرق الوقت فحسب، بل يسرق الرغبة في العطاء ويجفف ينابيع الطيبة في النفوس. لماذا يحدث هذا؟ ثقافة "المجاني" عديم القيمة هذه الظاهرة ليست فردية، بل هي نتاج ثقافة خاطئة تختزل قيمة أي شيء في سعره. المحامي الذي يفرض "كشفية" يحظى بهيبةٍ ما، بينما المهندس أو الشيخ أو الطبيب أو الحرفي الذي يقدم استشارة مجانية يصبح، بمرور الوقت، عرضة للتطفل. "المجاني" في العقل الجمعي يعني "عديم القيمة"، وبالتالي يصبح من حق الجميع المطالبة به في أي وقت وبأي طريقة، دون أدنى اعتبار لمشاعر مقدمه أو خصوصيته. كيف نحمي الكرم؟ حدود صحية للعطاء الحل ليس في قتل روح العطاء، ولكن في بناء أسوار تحميها من الانهيار. ليس من الأنانية أن تحمي وقتك وطاقتك، بل هي مسؤولية. .1 ضع حدوداً زمنية: حدد أوقاتاً واضحة للرد على الاستفسارات. لا ترد فوراً على كل اتصال خارج هذه الأوقات. .2 التذكير المهذب بالقيمة: استخدم عبارات مثل: "أنا سعيد بمساعدتك، هذه الاستشارة أقدمها لك مجاناً كمساعدة، وأقدّر تقديرك لوقتي." .3 لا تخف من قول "لا يمكنني الآن": الرفض المؤدب في وقت الانشغال يحفظ كرامتك ويُعلّم الآخرين تقديرك. .4 الكشفية الفاصلة: فكر بجدية في فرض رسوم رمزية للاستشارات الطويلة أو المتكررة. هذه الرسوم ليست طمعاً في المال، بل هي "فلتر" يمنع المتطفلين ويكرم الجادين. وهو حق شرعي ومشروع. خاتمة: لنحفظ للكرم قيمته الكرم هو أن ترد على الهاتف "لوجه الله". ولكن حفظ كرامة هذا الكرم وصونه من الامتهان هو أيضاً "لوجه الله". لنحافظ على تلك الهدية النادرة التي يقدمها الميكانيكي، والمعلم، والطبيب، والخبير، والشيخ ،بأن نرد على عطائهم ببذل منّا: بذل الشكر، وبذل الاحترام، وبذل الاعتراف بالجميل. فلنكن مثل ذلك الرجل الذي يعرف أن يقول "يكفي أنك ترد على استفساراتي برحابة صدر". لأن الرد برحابة صدر، يستحق على الأقل "شكراً" برحابة صدر. بقلم الدكتور محمد سعيد السلمو مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University