"الطيبة والسذاجة في الميزان: كيف تقدم الوسطية الإسلامية حلاً لإشكالية العصر؟" بقلم الدكتور مروان أحمد بحري Mervan Bahri في ورقة بحثية سابقة تحت عنوان "الطيبة والسذاجة في السياق الاجتماعي: تحليل نقدي في ضوء ثنائية المعية والضدية"، تمت مناقشة الإشكالية العميقة للطيبة عندما تتحول إلى سذاجة، وكيف أن هذا التحول يولد أنماطاً من الكسل والإهمال الذي يهدد البناء المجتمعي. وتم اقتراح ثنائية "المعية والضدية" كإطار لتحقيق وعي متوازن. إن هذه القراءة التحليلية، على عمقها، تدفعنا إلى التساؤل: ما هو الإطار الحاكم الذي يحدد هذا التوازن المنشود؟ هنا تبرز الوسطية الإسلامية كإجابة جوهرية. فالوسطية، التي هي من الخصائص الجوهرية للأمة الإسلامية كما في قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: ١٤٣]، ليست مجرد موقف سلبي بين طرفين، بل هي فضيلة إيجابية نشطة تبحث عن التوازن الأمثل في كل السلوكيات. في إشكالية الطيبة والسذاجة، يمكن تطبيق هذا المفهوم كما يلي: · الطيبة الساذجة: تمثل طرف الإفراط. فهي انسياق عاطفي غير محكوم بالحكمة أو التقدير الواقعي، مما يتعارض مع التوجيه النبوي: «لا ضرر وَلا ضِرَار» (أخرجه ابن ماجه)، والذي يشمل عدم إضرار المرء بنفسه عبر سذاجته. · القسوة واليأس من الإصلاح: تمثل طرف التفريط. وهو انقطاع للرغبة في الخير وانسحاب من واجب النصيحة والأمر بالمعروف، مخالفاً لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ} [المائدة: ٢]. الموقف الوسيط الذي تجسده الوسطية الإسلامية هو "طيبة حكيمة" أو "طيبة مسؤولة". إنها تجمع بين: .1 قلب رحيم (جوهر الطيبة والمعية): وهو الاستعداد للخير والتعاطف والعطاء. وهذا يمثل الجانب العاطفي الإيجابي. .2 عقل ناقد (جوهر الضدية الواعية): وهو استخدام الحكمة والعقل لتمييز الصالح من الطالح، ووضع الحدود، ومقاومة الاستغلال. وهذا يمثل الجانب العقلي الوقائي. هذا التوازن بين القلب والعقل هو ما أمر به القرآن في آيات عديدة تجمع بين الإيمان والعمل الصالح والعقل، كما في مدح أولي الألباب. وبالتالي، فإن الوسطية الإسلامية لا تلغي النموذج التحليلي القائم على "المعية والضدية"، بل تؤطره وتغنيه وتزوده ببوصلة أخلاقية ومعيار واضح يحدد متى تكون "المعية" فضيلة ومتى تكون إفراطاً، ومتى تكون "الضدية" ضرورة ومتى تكون تفريطاً. فهي الإطار الشامل الذي يحول الطيبة من سذاجة إلى قوة، والنقد من سلبية إلى بناء، لينتج في النهاية ذلك الفرد والمجتمع المتوازن القادر على النهوض. الدكتور مروان أحمد بحري مع تحيات كلية العلوم الاجتماعية Generations and Technology University