جدلية التواطؤ في الصراعات المعاصرة: تحليل سوسيولوجي لاستمرارية الصراع وغائية الاستعباد

جدلية التواطؤ في الصراعات المعاصرة: تحليل سوسيولوجي لاستمرارية الصراع وغائية الاستعباد بقلم الدكتور مروان أحمد بحري يهدف هذا المقال إلى تفكيك بنية الصراعات في العالم المعاصر، والتي تجاوزت النموذج الثنائي التقليدي (خير مقابل شر)، إلى نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على تبادل المصالح بين أطراف ظاهريًا متعارضين. ينطلق المقال من فرضية مفادها أن العديد من هذه الصراعات تُدار بطريقة تخدم بقاء الأطراف المتحاربة نفسها، حيث يصبح الهدف الحقيقي هو إدامة حالة الصراع ذاته كوسيلة للهيمنة والسيطرة على "القطيع" المجتمعي. يستخدم البحث التحليل السوسيولوجي والنفسي الجماعي لفك شيفرة هذه العلاقة التكافلية بين "العسكر والحرامية" كتمثيل رمزي للقوى المتواطئة. 1. مقدمة: إشكالية البحث لم يعد الصراع في كثير من تجلياته المعاصرة يحمل طابعًا أخلاقيًا واضحًا أو ينقسم إلى طرف "حق" وآخر "باطل" بشكل بديهي. لقد برز نموذج جديد، يصبح فيه الصراع ذاته هو الهدف والوسيلة في آن واحد. تطرح هذه الورقة البحثية فكرة أن العديد من الصراعات الحديثة – السياسية منها والاقتصادية والإيديولوجية – هي في جوهرها "صراع باطل ضد باطل". يتميز هذا النموذج بعلاقة تكافلية غريبة بين الأضداد، حيث يحرص كل طرف على "سلامة" الآخر لضمان استمرار الصراع، الذي يصبح أداة مثلى لاستعباد الجماهير (القطيع) وإلهائها عن الأسئلة الجوهرية. يستخدم المقال مصطلحي "عسكر وحرامية" كاستعارة مجازية لهذه الثنائية المتواطئة. 2. الإطار النظري: من ثنائية الخير والشر إلى ثنائية التكافل والاستمرارية يعتمد هذا البحث على إطار نظري يجمع بين عدة مدارس فكرية: · نظرية الصراع (Conflict Theory): خاصة كما طورها كارل ماركس وماكس فيبر، والتي ترى أن الصراع هو محرك التاريخ، ولكن مع إعادة تفسير حيث يصبح الصراع مُدارًا لخدمة النخب في كلا الطرفين، وليس بالضرورة للوصول إلى حل. · مفهوم "الصنمية" (Reification) لدى لوكاتش: حيث تتحول العلاقات الإنسانية إلى قوى مستقلة وموضوعات مسيطرة. هنا، الصراع نفسه يصبح "مصنمًا"، أي يتحول إلى كيان قائم بذاته تخدم استمراريته مصالح النخب. · سيكولوجيا الجماعة (Group Psychology): كما نظر لها غوستاف لوبون وسيرج موسكوفيتشي، حيث يتم استخدام الصراع الخارجي كأداة لتعزيز التماسك الداخلي للقطيع، وتوجيه غضبه وقلقه نحو عدو مُصنَّع، مما يسهل قيادته. 3. تحليل الثنائية المتواطئة: آليات إدامة الصراع يمكن تفكيك العلاقة بين العسكر (السلطة المنظمة) والحرامية (القوة المضادة المنظمة) عبر الآليات التالية: 1. التغذية الراجعة التبادلية (Mutual Feedback): يحتاج العسكر إلى وجود الحرامية لتبرير زيادة ميزانيته الأمنية، وتوسيع صلاحياته، وتعليق الحريات تحت ذريعة "مكافحة الخطر". وفي المقابل، تحتاج الحرامية إلى قمع العسكر لتقديم نفسها كمحرر ومنقذ للجماهير من هذا القمع، وكسب تعاطفهم. 2. التعريف المشترك للهوية (Shared Identity Formation): هوية كل طرف تُشتق بشكل كامل من وجود الطرف الآخر. وجود العدو هو ما يعطي المعنى لوجود كل منهما. بدون الحرامية، يفقد العسكر مبرر وجوده المطلق، وبدون العسكر، تفقد الحرامية سبب تمردها وشرعيتها الثورية المزعومة. 3. اقتصاد الصراع (War Economy): في كثير من الحالات، يكون هناك اقتصاد خفي موازٍ ينتفع منه الطرفان، من تهريب أسلحة وموارد وتهريب بشري. استمرار الصراع يضمن استمرار تدفق الأموال إلى جيوب قادة كلا المعسكرين. 4. الضحية: "القطيع" المُستَعبَد الجمهور أو الشعب ("القطيع" في الاستعارة المجازية) هو الطرف الأضعف في هذه المعادلة. تُستخدم استراتيجيات محددة لإخضاعه: · استراتيجية الخوف: يروّع "القطيع" بفظائع "الحرامية" ليطالب بحماية "العسكر". · استراتيجية الوعد: يوعَد "القطيع" بـ"الخلاص" على يد "الحرامية" إذا تمت الإطاحة بـ"العسكر". · الإلهاء: ينشغل "القطيع" بالصراع الدرامي بين العملاقين، متناسيًا قضاياه الأساسية من عدالة اجتماعية وحرية وتعليم وصحة، والتي من المفترض أن تكون هي الهدف الأصلي لأي سلطة أو معارضة حقيقية. 5. دراسات حالة: تطبيقات على نموذج "عسكر وحرامية" لا يمكن فهم هذه الظاهرة بشكل مجرد، بل من خلال تطبيقها على سياقات واقعية، مع الإشارة إلى أن هذه التحليلات هي لأغراض أكاديمية وليست إطلاقًا لأحكام قيمية مطلقة. 1. الحرب على الإرهاب: ربما يكون هذا هو التجلي الأوضح للنموذج. فجماعات "الحرامية" المتطرفة (مثل داعش والقاعدة) تحتاج إلى وجود "عسكر" (القوى الغربية وحلفائها) لتبرير خطابها القائم على "صراع الحضارات" و"محاربة الكفار"، وجذب المقاتلين. في المقابل، تحتاج الحكومات الغربية والشرق أوسطية إلى وجود هذه الجماعات لتبرير التدخلات العسكرية في الخارج، وتعزيز الأجندات السياسية الداخلية، وتوسيع الرقابة الأمنية (مثل قانون باتريوت آكت في الولايات المتحدة)، وضمان تدفق ميزانيات الدفاع الهائلة. استمرار التهديد هو ما يضمن استمرار الفائدة لكلا الطرفين على حساب المدنيين ("القطيع") الذين يدفعون الثمن. 2. الصراعات الطائفية في المنطقة العربية: في بعض البلدان التي تعاني من انقسامات طائفية، يتم تغذية الصراع من قبل النخب الحاكمة والنخب المعارضة المتطرفة معًا. "العسكر" الحاكم قد يقدم نفسه كحامٍ لأقلية ضد الأكثرية، أو العكس، بينما "الحرامية" (الميليشيات الطائفية أو الخطاب المتطرف) تقدم نفسها كمدافعة عن مظلومية طائفتها. كلا الطرفين يستفيد من إدامة حالة الخوف والكراهية، مما يحول دون قيام تحالفات وطنية حقيقية بين أبناء "القطيع" نفسه الذين تتشتت هوياتهم لصالح الهوية الطائفية المُستَقطَبة. 3. النظام الاقتصادي العالمي: الثنائية بين الشركات الكبرى والمنافسة "المزيفة": يمكن تطبيق النموذج هنا مجازيًا. فـ"العسكر" يمثله الاحتكارات أو oligopolies (القلة المحتكرة) لشركات كبرى، بينما تمثل "الحرامية" بعض العلامات التجارية "المنافسة" التي تظهر كبديل للجمهور ("القطيع").ولكن في الواقع، غالبًا ما تكون هذه الشركات تعمل بنفس النموذج الاستهلاكي والاستغلالي، وتتواطأ بشكل غير مباشر للحفاظ على السوق كما هو، وإلهاء المستهلك باختيارات وهمية بين منتجات متشابهة جوهرًا، بينما يتم قمع البدائل الحقيقية والجذرية (مثل الاقتصاد التشاركي أو التعاونيات المحلية) التي قد تهدد النظام بأكمله. 6. الدور الإعلامي: إدارة البوصلة وتغذية الاستقطاب الإعلام، بشقيه التقليدي والجديد، ليس مجرد ناقل محايد للصراع، بل هو لاعب رئيسي في إدامته وفقًا للنموذج القائم. · تعزيز الثنائية: يصوّر الإعلام الصراع على أنه معركة بين قطبين فقط، مع إقصاء كامل لأي صوت ثالث أو رأي معقد لا ينتمي لأي من المعسكرين. يتم استخدام لغة تحمل قيمة عاطفية (إرهابيون/شهداء، نظام/ثورة) مما يغلق باب النقاش العقلاني. · اقتصاد الانتباه: الصراع والاستقطاب يبيعان. إنهما يولدان نسب مشاهدات وتفاعلات أعلى بكثير من الخطاب المعتدل أو التحليلي. لذلك، تركز الخوارزميات على المنصات ووسائل الإعلام على الترويج للمحتوى المثير والاستقطاب لتحقيق الربح المادي، حتى لو كان على حساب الحقيقة والاستقرار الاجتماعي. · صناعة العدو (Manufacturing Consent): كما أشار إليه نعوم تشومسكي، يتم استخدام الإعلام لتركيز غضب الجمهور على عدو مُختار (سواء كان العدو هو "الحرامية" أو "العسكر" حسب التوجه)، وبذلك الحصول على "موافقة" الرأي العام على سياسات قد لا تكون في مصلحته الحقيقية. · غرف الصدى (Echo Chambers): على وسائل التواصل الاجتماعي، يتم حبس الجمهور ("القطيع") في غرف صدى حيث لا يسمع سوى التكرار المستمر لرأي واحد، مما يعزز اقتناعه بصحة موقفه ويُعميه عن أي حجج معارضة، مما يسهل قيادته من قبل قادة المعسكرين. 7. البدائل الفلسفية والسياسية: نحو فك الاشتباك الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب أكثر من مجرد تغيير سياسي؛ فهو يتطلب تحولاً فكريًا وجماعيًا. · نقد المركزية الدولتية (Statism) والثورية الرومانسية: يجب نقد فكرة أن الدولة ("العسكر") هي الملجأ الوحيد للأمن والنظام، وكذلك نقد فكرة أن العنف الثوري ("الحرامية") هو السبيل الوحيد للتغيير. هذا يتطلب البحث عن نماذج وسيطة. · فلسفة اللاعنف الاستراتيجي (Strategic Nonviolence): كما طورها مفكرون مثل جين شارب، والتي تركز على القوة السياسية للجماهير المنظمة التي ترفض الانصياع للطرفين. إنها تسحب "الشرعية" التي يحتاجها كلا الطرفين للعمل. الاحتجاجات السلمية واسعة النطاق ، والإضرابات، ومقاطعة الانتخابات الزائفة، ومقاطعة منتجات اقتصادات الصراع، كلها أساليب تسحب البساط من تحت قدمي "العسكر والحرامية" على حد سواء. · المواطنة النشطة (Active Citizenship) والتعددية (Pluralism): بناء مجتمع مدني قوي مستقل، قادر على طرح أجندته الخاصة بعيدًا عن الاستقطاب السائد.هذا يعني التمسك بالتعددية وقبول الاختلاف دون اللجوء إلى التصنيف العدائي، والتركيز على القضايا المشتركة (كعدالة اجتماعية، بيئة، صحة) التي تتجاوز خطوط الصراع المصطنعة. · الإعلام المستقل والنقد الإعلامي: دعم وتأسيس منصات إعلامية مستقلة لا تمولها دول ولا أحزاب متطرفة، وتتبنى نموذج الصحافة الاستقصائية والتقارير المتوازنة. كما يجب تعليم الجمهور "محو الأمية الإعلامية" (Media Literacy) ليصبح قادرًا على تفكيك الخطاب الإعلامي وتحليل مصادره وأهدافه. 8. كيف نكسر الحلقة المفرغة؟ يكمن الحل في الوعي النقدي. يجب كسر "الصنمية" المحيطة بالصراع ورفض الانحصار في الخيارات الزائفة. يتطلب ذلك: · رفض الثنائيات المفروضة: البحث عن مساحات خارج إطار "إما مع العسكر أو مع الحرامية". · تركيز الخطاب على القضايا الجوهرية: تحويل النقاش من "من سيفوز؟" إلى "ماذا نريد؟"، مجبرين كلا الطرفين على الخضوع لإرادة الشعب الحقيقية. · فضح خطاب الكراهية والتواطؤ: الكشف عن المصالح الاقتصادية والسياسية الخفية التي تجمع الأضداد الظاهريين. إن الخروج من هذا المتاهة يبدأ برفض أن نكون "قطيعًا" والتمسك بإنسانيتنا وقدرتنا على النقد والتحليل خارج الصندوق الذي يرسمه لنا أصحاب المصالح. 9. خاتمة: استعادة الإرادة الإنسانية الصراع من أجل الصراع هو أعلى تجليات الاغتراب الإنساني، حيث يصبح الإنسان وسيلة في آلة لا يعود يتحكم بها. نموذج "عسكر وحرامية" هو تعبير عن هذا الاغتراب. الخروج منه ليس سهلاً، ولكنه يبدأ بالرفض: رفض أن تكون جزءًا من "القطيع"، ورفض الخيارات المفروضة، ورفض تبسيط التعقيدات إلى شعارات. إنه السعي الدؤوب تجاه استعادة المبادرة الإنسانية لصنع التاريخ، بدلاً من أن تكون وقودًا له. إنها معركة الوعي ضد الغريزة، والفرد المفكر ضد القطيع المُسَيّر. الدكتور مروان أحمد بحري مروان بحري مروان بحري Mervan Bahri merv مع تحيات كلية العلوم السياسية جامعة Generations and Technology University