الأمان في الميزان: مقارنة بين التشريع الإسلامي والقانون الدولي الإنساني بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf مقدمة: في خضم الحروب والنزاعات التي تشهدها الساحة الدولية، تبرز الحاجة الماسة إلى وجود أطر قانونية وأخلاقية تنظم سير هذه النزاعات وتحافظ على الكرامة الإنسانية. وتُعد الشريعة الإسلامية من أقدم النظم التشريعية التي أسست لمبادئ إنسانية متقدمة في هذا المجال، سبقت بها التشريعات الوضعية بأكثر من أربعة عشر قرناً. يهدف هذا المقال إلى إجراء مقارنة علمية متعمقة بين التشريع الإسلامي والقانون الدولي الإنساني، مع التركيز على مبدأ حرمة الأمان والوفاء بالعهد الذي يشكل قاسماً مشتركاً بينهما، وبيان أوجه التكامل والاختلاف بين المنظومتين التشريعيتين. الأسس النظرية والتشريعية للمقارنة المصادر والمآخذ يستمد التشريع الإسلامي أحكامه من مصادر ربانية مقدسة، أولها وقبل كلّ شيء القرآن الكريم الذي يعتبر الدستور الإلهي الخالد، تليها السنة النبوية التي تمثل التطبيق العملي لهذا الدستور. وقد أعطى الإسلام هذه المصادر صفة القداسة والثبات، مما يجعل الأحكام المستمدة منها تتميز بالاستقرار والثبات النسبي. في المقابل، ينبع القانون الدولي الإنساني من إرادة الدول والمواثيق الدولية، كاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية لها. وهذه المصادر تتميز بطابعها البشري القابل للتعديل والتطوير حسب تطور المجتمعات الدولية وظروفها. طبيعة الإلزام والجزاء: يتميز التشريع الإسلامي بكونه يشمل جزاءين: جزاء دنيوي يتمثل في العقوبات المقررة للمخالفين، وجزاء أخروي يتمثل في المسائلة أمام الله تعالى يوم القيامة. هذا المزج بين الجزاءين يخلق رادعاً قوياً للمخالفة. أما القانون الدولي الإنساني فيعتمد أساساً على الجزاءات الدنيوية من خلال المحاكم الدولية والآليات القضائية المختلفة، مع ما يعتري هذه الآليات من قصور بسبب سيادة الدول وعدم وجود سلطة تنفيذية فوق الدولة. مقارنة مع الأعراف الدولية الحديثة الأسبقية التاريخية للإسلام: يجب التأكيد على أن العديد من المبادئ التي تنص عليها المواثيق الدولية الحديثة قد سبق إليها التشريع الإسلامي. فمبدأ "اللجوء السياسي" الذي تنص عليه الإعلانات العالمية، ومبدأ "حماية المدنيين" في النزاعات المسلحة، ومبدأ "الرعاية الصحية للجرحى والمرضى" - جميعها مبادئ كانت جزءاً من التشريع الإسلامي منذ بدايته. فمبدأ حماية المستجيرين الذي أكدته اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، قد سبق إليه الإسلام بتشريعات مفصلة. حيث أمر الله تعالى بإجارة المستجير وحمايته حتى بلوغ مأمنه، بغض النظر عن دينه أو معتقده: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}. حماية الفئات الضعيفة: كما أن حماية الفئات الضعيفة والمستضعفين التي أكدتها المواثيق الدولية كاتفاقية حقوق الطفل وحماية المدنيين في وقت الحرب، تجد أصولها في التشريع الإسلامي الذي كفل حقوق الضعفاء والنساء والأطفال والمسنين، حتى من غير المسلمين. وقد تجلى هذا المبدأ عملياً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يوصي قادة الجيوش بعدم قتل النساء والأطفال والشيوخ، ويحرم التمثيل بالقتلى، ويأمر بالإحسان إلى الأسرى. مبدأ حرمة الأمان في التشريع الإسلامي: الأسس النصية: يؤصل الإسلام لمبدأ "حرمة الأمان" تأصيلاً قوياً، ويحرّم الغدر تحريماً قاطعاً، بغض النظر عن دين المستجير أو معتقده. وتشكل النصوص الشرعية إطاراً متكاملاً لهذا المبدأ، ومن أبرز هذه النصوص: قول الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6]. هذه الآية تمثل دستوراً شاملاً في موضوع الأمان، حيث تأمر بإجارة المستجير ثم تؤكد على وجوب توصيله إلى مكان آمن. وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]. وعقد الأمان من أعظم العقود التي يجب الوفاء بها. الأسس العملية: وفي السنة النبوية، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". والإخْفار هو نقض العهد والغدر. ولفظ "ذمة المسلمين واحدة" يشمل كل من يعطى عهداً أو أماناً من قبل أي مسلم، حتى لو كان بسيطاً أو من عامة الناس. وكان من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم للجيوش: "لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً". والغدر هنا محرم على إطلاقه. الأسس العقلائية والمقاصدية المصلحة العامة يعد نظام الأمان ضرورة إنسانية واجتماعية؛ فلو انعدمت الثقة في الوفاء بالعهود لتعذرت العلاقات بين الأمم، وانعدمت الثقة، وعمت الفوضى. إيجاد المستجير يهدم هذا النظام برمته. السمعة الدولية الغدر يجعل صاحبه وصاحب دينه موضع ريبة وشك في المحافل الدولية، ويقطع طرق التواصل والحوار. بينما الوفاء بالعهود يبني جسور الثقة بين الأمم والشعوب. المقصد الكلي للعدل الإسلام قائم على العدل، والغدر هو صورة صارخة من صور الظلم والجور. وقد قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. أوجه التقارب بين النظامين حماية غير المقاتلين يكفل كلا النظامين حماية المدنيين والعجزة والنساء والأطفال أثناء النزاعات المسلحة، ويحرمان التعرض لهم بأي أذى. ويشترك النظامان في وضع ضوابط صارمة لحماية هذه الفئات. الوفاء بالعهود والمواثيق يشترك النظامان في التأكيد على ضرورة الوفاء بالعهود والمواثيق، ويرتبان على نقضها مسؤولية قانونية وأخلاقية. ويعتبران أن العهود والمواثيق تمثل إطاراً لتنظيم العلاقات بين الأطراف المختلفة. معاملة الأسرى يحظر كلا النظامين تعذيب الأسرى أو إهانتهم، ويقران حقوقاً أساسية لهم في المأكل والمشرب والعلاج. وقد سبق الإسلام في التأكيد على هذه الحقوق كما في قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [الإنسان: 8]. تحريم الغدر يحرّم النظامان الغدر والخيانة في الحرب، ويعتبرانها جرائم لا تُغتفر. ويشتركان في اعتبار أن الغدر ينقض ثقة الأطراف بعضها ببعض ويهدد استقرار العلاقات الدولية. أوجه الاختلاف بين النظامين: في المصدر: يستمد التشريع الإسلامي أحكامه من الوحي الإلهي، مما يمنحها قداسة وثباتاً، بينما يصدر القانون الدولي الإنساني عن إرادة الدول وهو قابل للتعديل. وهذا الاختلاف في المصدر ينعكس على طبيعة الإلزام ودرجة الالتزام. في النطاق: يتميز التشريع الإسلامي بالشمولية، حيث يغطي جميع جوانب الحياة، بينما يركز القانون الدولي الإنساني على تنظيم سلوك الأطراف خلال النزاعات المسلحة فقط. فالتشريع الإسلامي يشمل الجوانب الأخلاقية والروحية إلى جانب الجوانب القانونية. في الجزاءات: تترتب على مخالفة أحكام التشريع الإسلامي جزاءات دنيوية وأخروية، بينما تقتصر جزاءات القانون الدولي الإنساني على المساءلة الدنيوية فقط. وهذا يجعل الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية أكثر قوة ورسوخاً. في الإلزام: يتميز التشريع الإسلامي بالإلزام الذاتي النابع من الوازع الديني، بينما يعتمد القانون الدولي الإنساني على الإلزام الخارجي من خلال الآليات الدولية. وهذا يجعل الامتثال لأحكام الشريعة نابعاً من قناعة داخلية وليس مجرد خوف من العقاب. خاتمة: النتائج الرئيسية تؤكد هذه الدراسة أن التشريع الإسلامي قد سبق القانون الدولي الإنساني في تقرير العديد من المبادئ الإنسانية، خاصة فيما يتعلق بحرمة الأمان والوفاء بالعهد وتحريم الغدر. وليس في دين الإسلام أدنى مسوغ للغدر بمن استجار وأعطي الأمان، بل إن النصوص الشرعية والأحكام المقاصدية تثبت عكس ذلك تماماً. وأن ما نراه اليوم في المواثيق الدولية من حماية للاجئين والمستضعفين إنما هو تجسيد لمبادئ إسلامية أصيلة، مما يؤكد عالمية الإسلام وصدق رسالته. توصيات ولتعزيز التعاون بين النظامين، توصي هذه الدراسة بما يلي: · الاستفادة من الثراء الفقهي الإسلامي في تطوير القانون الدولي الإنساني، خاصة في مجال حماية المدنيين والوفاء بالعهود. · تعزيز الحوار بين خبراء الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني للوصول إلى صيغ عملية لتطبيق المبادئ الإنسانية. · التركيز على الجوامع المشتركة بين النظامين بدلاً من الاختلافات الثانوية، خدمة للإنسانية جمعاء. · تبني مقاربة تكميلية تجمع بين القوة الإلزامية للقانون والوازع الأخلاقي والديني، لضمان أفضل حماية ممكنة للإنسان في ظل النزاعات. · العمل على إبراز الأصول الإسلامية للكثير من المبادئ الإنسانية في القانون الدولي، لتصحيح الصورة النمطية عن الإسلام. إن قيمة الوفاء في الإسلام قيمة مطلقة، وقول رسولنا صلى الله عليه وسلم يظل شاهداً: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". فالأمانة والوفاء ليسا مجرد التزام قانوني، بل هما قيمة إنسانية سامية وضرورة حضارية لاستمرار التعايش بين الأمم والشعوب. وهكذا يبقى التشريع الإسلامي شاملاً كاملاً، يقدم حلولاً عملية لقضايا الإنسان في كل زمان ومكان، ويظل نوراً يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. English Summary This academic article presents a comprehensive comparative study between Islamic legislation and international humanitarian law, focusing on the principle of protection and sanctity of security. The research demonstrates that Islamic Sharia established advanced humanitarian principles centuries before modern international conventions. The study reveals significant convergence between the two systems in protecting non-combatants, prohibiting treachery, ensuring humane treatment of prisoners, and honoring covenants. However, differences exist in sources - with Islamic law deriving from divine revelation while international law stems from state consensus - as well as in scope and sanctions. Notably, the article emphasizes Islam's pioneering role in establishing principles like political asylum and protection of vulnerable groups, which later appeared in international covenants. The principle of "sanctity of security" in Islamic law is thoroughly examined through textual evidence from the Quran and Sunnah, showing Islam's absolute prohibition of betraying those granted protection. The research concludes with recommendations for enhancing cooperation between both systems, leveraging Islamic legal heritage to develop international humanitarian law, and adopting complementary approaches that combine legal enforcement with moral and religious motivation for optimal human protection during conflicts. مع تحيات كلية القانون الدولي Generations and Technology University