قراءة في كتاب "كارل بروكلمان في الميزان" (2)

قراءة في كتاب "كارل بروكلمان في الميزان" لشوقي أبو خليل دراسة تحليلية نقدية. بقلم الدكتور محمد سعيد أركي المقدمة: يعد كتاب "كارل بروكلمان في الميزان" للدكتور شوقي أبو خليل أنموذجاً متميزاً للنقد العربي الموضوعي لتراث المستشرقين، متجاوزاً ردود الفعل العاطفية إلى التحليل العلمي المدعم بالأدلة. يركز الكتاب على نقد أعمال المستشرق الألماني كارل بروكلمان (1868- 1956) خاصة كتابه "تاريخ الشعوب الإسلامية" الذي احتل مكانة مرموقة في الأوساط الأكاديمية العربية والغربية. تستهدف هذه الدراسة تحليل منهجية أبي خليل في نقد بروكلمان، متتبعة حججه وأدلته، ومقيمة مدى نجاحه في كشف التحيزات والخلفيات الفكرية التي شابت أعمال هذا المستشرق. أولًا: الإطار العام للموازنة، وثنائية النقد والإنصاف: يؤسس أبو خليل لكتابه بمدخل منهجي مهم، قائماً على الميزان الذي يوازن بين إنجازات بروكلمان وإخفاقاته. لا ينكر أبو خليل الجهد الموسوعي الهائل لبروكلمان، معترفاً بإتقانه لأكثر من إحدى عشرة لغة شرقية، وبمكانته الأكاديمية التي وصل بها إلى عضوية مجامع علمية عربية كمجمع دمشق، غير أن الميزان الحقيقي، في نظر أبو خليل، هو ميزان الحقائق التاريخية الذي يكشف عن الانحياز الأيديولوجي المغلف بغلاف الموضوعية العلمية. يقدم أبو خليل ثنائية مثيرة للتفكير عبر المقارنة بين مصير مُستشرِقَيْن: فريدريك ريسكه، وكارل بروكلمان. فبينما تعرض ريسكه للتهميش والفقر والاضطهاد من قبل اللاهوتيين والمؤسسة الأكاديمية الألمانية؛ لأنه مجّد الإسلام ورفض وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالنبي الكاذب!، بينما نال بروكلمان ونولدكه الشهرة والمناصب الرفيعة لأنهما، حسب تحليل أبو خليل، قدما ما يرضي رجال الكنيسة ولم يقدما حقائق تثيرهم. هذه المقارنة ليست عرضية بل هي جوهرية، فهي تشير إلى أن الموضوعية المزعومة لدى بعض المستشرقين كانت في كثير من الأحيان مطية للقبول والترقي في وسط علمي مشبع بتحيزات ما قبلية ضد الإسلام. ثانيًا: أوجه النقد المنهجي والعلمي: التشكيك والانتقائية والتحيز يرصد أبو خليل جملة من المآخذ المنهجية الجسيمة على عمل بروكلمان، يمكن إجمالها في: ١- الانحياز والتحيز الصريح: يقدم الكتاب عشرات الأمثلة التي يرى فيها أبو خليل دليلاً على حقد واستعلاء بروكلمان، منها وصفه لغزوة خيبر بأنها حملة على مستعمرة يهودية غنية بعد فشل النبي في الحديبية، ووصفه لمجاهدي البحر المتوسط بأنهم قراصنة، واعتباره الغزو الفرنسي للجزائر فتحاً بينما وصف جهاد الأمير عبد القادر بـالتعصب الديني. هذه التوصيفات، كما يفككها أبو خليل، ليست محايدة بل تنم عن نظرة استعمارية واستشراقية. ٢- الانتقائية في اختيار المصادر ورفض الروايات العربية الموثوقة: يوجه أبو خليل اتهاماً رئيسياً لبروكلمان بإهماله للمصادر العربية الأولية كالطبري وابن الأثير وابن سعد والاعتماد شبه الكلي على روايات المستشرقين الذين سبقوه مثل(يوليوس فلهاوزن، نولدكه، لامانس)، وخاصة تلك الروايات الضعيفة الشاذة التي رفضها النقاد الباحثون. هذه الانتقالية لم تكن بريئة، بل كانت لـتطويع وقائع التاريخ لتؤيد فكرته وخطته المرسومة مسبقاً. ٣- التفسيرات العجيبة والتشكيك المنهجي: يسخر أبو خليل من تفسيرات بروكلمان لأحداث التاريخ، التي يراها مجافية للمنطق والموضوعية، فانتصارات المسلمين في اليرموك والفتوحات تعزى إلى حقد الأرمن على البيزنطيين أو ضعف الحكام، بينما يُنكر دور عامل الإيمان والعقيدة، كما يشنع بروكلمان على الخليفة أبي بكر الصديق بعدم إدراكه للحالة الدولية، وهو اتهام يبين جهلاً أو تجاهلاً لطبيعة المرحلة. ٤- السخرية والهزء: يلفت أبو خليل الانتباه إلى لهجة السخرية والتهكم التي يكتب بها بروكلمان عن الإسلام ورموزه، مستشهداً بعباراته مثل بركات الإسلام وآلائه والشرع الشريف التي يرددها بكيفية ساخرة، ووصفه للسلطان عبد العزيز بأن دماغه حشاه الدراويش ومفترو القرآن. هذه اللهجة كما يستنتج أبو خليل، تدل على تعصب وحقد وتناقض صفة الموضوعية التي أسبغها عليه مادحوه. ثالثًا: تقييم منهج شوقي أبو خليل: بين القوة والاستفزاز يتميز منهج أبو خليل في نقده بالقوة والصرامة والاستفزاز الفكري؛ فهو استقصائي تفنيدي: لا يكتفي بالتعميم، بل يذهب إلى النص نفسه لكتاب بروكلمان، "تاريخ الشعوب الإسلامية"، ويقدم قراءة تفكيكية له، صفحة صفحة، مسلطاً الضوء على المواضع المثيرة للإشكالية، مقدما سيلاً من الأمثلة والاقتباسات المباشرة التي تساند اتهاماته، مما يجعل نقله صعب المراس. وهو ذو بعد أيديولوجي واضح؛ حيث يكتب أبو خليل من موقع المدافع عن الهوية الإسلامية والتاريخ العربي، مما يمنح كتابه حدة وجرأة قد يراها البعض استفزازية، ولكنها في الوقت ذاته تخلق قطيعة مع ثقافة التقديس اللا نقدي لتراث المستشرقين، حتى إنه قد يسأل سائل: إن هذا المنهج ألا يعيب شوقي أبو خليل في بعض المواضع؟ *لهجته الحادة: التي قد تغطي على العمق التحليلي أحياناً، وتجعل القارئ المتعاطف مع بروكلمان في موقف دفاعي. · انتقائي هو الآخر: حيث يركز على هفوات بروكلمان وجرائمه دون أن يخصص مساحة كبيرة للاعتراف بإسهاماته الحقيقية في حقل فهرسة العلوم (البيبليوغرافيا) وتاريخ الأدب (ككتاب تاريخ الأدب العربي) والتي حتى أبو خليل نفسه يعترف بها في ثنايا الكتاب. الإجابة على هذا التساؤل؛ هو إن وجود هذه المواطن التي قد تُعتبر ضعفًا في منهج شوقي أبو خليل – وهي اللهجة الحادة والانتقائية – لا يأتي من فراغ، بل له جذور متعددة، بعضها متعلق بالسياق العام لكتابة النقد العربي للاستشراق في ذلك الوقت، وبعضها متعلق بشخصية أبو خليل وأسلوبه الذي خبرته به عن قرب رحمه الله، والبعض الآخر استراتيجي مقصود. فيما يلي تحليل لأسباب هاتين السمتين -الحدة والانتقائية- في كتابه: ١- السياق التاريخي والرد على الهيمنة الفكرية - رد الفعل على الهيمنة والاستعلاء: يكتب أبو خليل في فترة كان فيها الخطاب الاستشراقي، وخصوصًا لأمثال بروكلمان، مهيمنًا ومُغلفًا بهالة من الموضوعية العلمية التي لا تُمس حيث كان النقد العربي في كثير من الأحيان إما غائبًا أو خجولًا. لذلك جاء أسلوب أبو خليل الحاد كـرد فعل قوي على استعلاء متصوَّر في خطاب بروكلمان نفسه، والذي يتجلى في سخرية الأخير من الشخصيات المقدسة في الإسلام ورموزه. لقد أراد أبو خليل أن يهز القارئ العربي من حالة التلقي السلبي وإعادة الثقة له في قدرته على نقد هذه المراجع المُقدسة في الاستشراق. - كسر هيبة المستشرق: الهدف المعلن للكتاب هو وضع بروكلمان في الميزان جزء من هذه العملية هو تجريده من هالة الإمامة والموضوعية التي أسبغها عليه حتى بعض العرب، كما ينقل عن نجيب العقيقي وحسين مؤنس. الأسلوب الحاد هو أداة لـكسر هذه الهيبة وإظهار بروكلمان كباحث له تحيزاته وأجندته مثل أي بشر، وليس كمرجعية معصومة. ٢- طبيعة المشروع والجمهور المستهدف - مشروع تفنيدي أكثر منه تقديمي: عنوان الكتاب واضح: "في الميزان". هو ليس "إسهامات بروكلمان وإنجازاته"، بل هو محاكمة نقدية لآرائه. في المحاكمة، يركز المدعي على الأدلة التي تثبت الإدانة، ولا يخصص وقتًا مساويًا لذكر فضائل المتهم. أبو خليل يتخذ دور النيابة العامة التي تقدم أدلة الاتهام؛ وهذا يفسر طابع الانتقائية؛ فهو ينتقي من كتابات بروكلمان فقط ما يدعم قضية الاتهام الخاصة به. - الخطاب الموجه للجمهور العربي: يخاطب أبو خليل القارئ العربي غير المتخصص في كثير من الأحيان، والذي ربما يكون قد قرأ لبروكلمان وأعجب به. الأسلوب الحاد واللهجة القوية لها تأثير تحريضي أكبر وتثير فضول القارئ وغضبه تجاه ما يُقدم له على أنه علم وهو في نظر الناقد تحيز. إنه أسلوب يحاول إثارة الصدمة لدفع القارئ إلى إعادة النظر. ٣- الدفاع عن الهوية والمرجعية - حماية الرواية التاريخية الإسلامية: ينطلق أبو خليل من موقع الدفاع عن الرواية التاريخية الإسلامية التي يرى أنها تعرضت للتشويه من قبل بروكلمان. هذا الموقف الدفاعي غالبًا ما يأتي مصحوبًا بحدة عاطفية وأخلاقية، فهو لا ينقد فكرة أكاديمية مجردة فحسب، بل ينقد افتراء على التاريخ الإسلامي ورموزه (النبي، الصحابة، الفتوحات) وهذه الحدة هي تعبير عن الغيرة على التاريخ والهوية أكثر من كونها نقاشًا أكاديميًّا باردًا. - استعادة المرجعية للمصادر العربية أحد أعمدة نقده هو اتهام بروكلمان بإهمال المصادر العربية الأولية والاعتماد على مستشرقين سابقين. أبو خليل، من خلال لهجته الحادة، يريد تأكيد أولوية المرجعية العربية الإسلامية في كتابة التاريخ الإسلامي ورفض وصاية المستشرق الأجنبي، حتى لو كان متقنًا للغة. هذه نزعة "قومية/إسلامية" في كتابة التاريخ. ٤- الاعتراف الضمني بالإنجازات من المهم قراءة اعتراف أبو خليل في بداية الكتاب بإنجازات بروكلمان (ككتاب تاريخ الأدب العربي) في هذا الإطار هذا الاعتراف: - يضفي مصداقية على الناقد: يظهر أن أبو خليل ليس جاهلًا بإنجازات بروكلمان أو متعصبًا رافضًا لكل ما أتى به الغرب، مما يقوي موقفه النقدي، فهو ينقد من موقع المعرفة، وليس من موقع الجهل أو الرفض المطلق. - يؤكد أن الإشكالية ليست في "العلم" بل في "الأيديولوجيا": يفصل أبو خليل بين الجانب التقني البيبليوغرافي (وهو إنجاز مقبول) والجانب التفسيري التاريخي (وهو مجال النقد). إنجازات بروكلمان في التوثيق والأدب لا تعفيه من النقد على تحيزاته في التفسير التاريخي. الخلاصة: إنّ السبب الرئيس وراء لهجة أبو خليل الحادة وانتقائيته؛ هو أن طبيعة كتابه هي طبيعة جدلية ودفاعية في المقام الأول، وليست تقييمية محايدة. لقد اختار أن يكون محاميًا للدفاع عن الرواية التاريخية الإسلامية، وليس قاضيًا محايدًا يجلس فوق الطرفين. هذا الخيار منهجي مقصود، وليس بالضرورة ضعفًا، لكنه يحمل في طياته خطر إثارة حفيظة القارئ الذي قد يبحث عن توازن أكثر، وهو يعكس مرحلة تاريخية من مراحل النقد العربي للاستشراق، تميزت بالصرامة والمواجهة المباشرة لكسر الهيمنة الفكرية. رابعًا: أمثلة بعض الافتراءات على التاريخ الإسلامي حتى وفاة النبي ﷺ والردود العلمية للدكتور شوقي أبو خليل: أولاً: الافتراءات على الأصول التاريخية. ٢- حول أصل اليهود: - ادعاء بروكلمان أن اليهود هاجروا من الجزيرة العربية مع الكنعانيين والآراميين في الألف الثالث قبل الميلاد. - رد الدكتور أبو خليل: نفى هذه المزاعم بالاستناد إلى دراسات تاريخية تؤكد أن اليهودية كدين لم تظهر إلا بعد النبي موسى عليه السلام، وأن وجودهم في فلسطين جاء في مراحل متأخرة، وأكد أن العرب هم السكان الأصليون للمنطقة. ٢- التزييف في الهجرات العربية القديمة: - رواية بروكلمان: شوّه تسلسل الهجرات العربية. - رد أبو خليل: قدّم تصنيفًا دقيقًا للفئات: - العبرانيون: قبائل عربية. - الإسرائيليون: نسل يعقوب عليه السلام. - الموسويون: أتباع موسى عليه السلام. - اليهود: جماعة دينية ظهرت لاحقًا. ثانياً: الافتراءات على شخصية النبي محمد ﷺ ١- النشأة والمكانة الاجتماعية: - ادعاء بروكلمان: وصف أسرة النبي بأنها عانت من ظروف قاسية. - الرد العلمي: يوضح أبو خليل أن النبي من بني هاشم، إحدى أعرق القبائل، وكانت أسرته مسؤولة عن سدانة الكعبة، مما يدل على مكانة اجتماعية مرموقة. ٢- التأثر بالرهبان: - ادعاء بروكلمان: زعم أن النبي تأثر بالراهب بحيرى وورقة بن نوفل. - الرد العلمي: أشار أبو خليل إلى أن هذه اللقاءات كانت قصيرة، وأن مضمون القرآن يخالف العقائد المسيحية، إلى جانب إعجازه اللغوي والمعرفي، ما ينفي وجود مصدر بشري لتلك التعاليم. ثالثاً: الافتراءات على العقائد والشعائر ٢- الحجر الأسود: - ادعاء بروكلمان: اعتبره "أقدم وثن عبد في تلك الديار". - الرد العلمي: يؤكد أبو خليل أن الحجر الأسود لم يكن يومًا معبودًا، بل كان رمزًا دينيًا يشير إلى وحدة القبائل حول الكعبة. ٢- الصيام: - ادعاء بروكلمان: زعم أن الصيام في الإسلام مستقى من الغنوصية. - الرد العلمي: يرد أبو خليل بأن الصيام فريضة قرآنية ذات أصول إلهية، فرضت على الأمم السابقة أيضًا، كما في قوله تعالى: "كما كُتب على الذين من قبلكم"، مما يدل على استمرارية روحية لا على اقتباس. رابعاً: الافتراءات على الأحداث التاريخية ١- غزوة بدر: - ادعاء بروكلمان: صوّر الغزوة بوصفها اعتداءً غير مبرر. - الرد العلمي: يوضح أبو خليل السياق الدفاعي للغزوة، وأنها كانت ردًا على الاضطهاد الممنهج الذي تعرض له المسلمون، مما يجعلها معركة شرعية ضمن أخلاقيات الحرب في الإسلام. ٢- معاملة النبي لليهود: - ادعاء بروكلمان: اتهم النبي ﷺ بالقسوة تجاه يهود بني قينقاع. - الرد العلمي: بيّن أبو خليل أن الإجراءات التي اتُّخذت ضدهم جاءت بعد نقضهم للعهود وتورطهم في أعمال تهدد السلم الأهلي في المدينة، وأنها كانت ردًا قانونيًا مشروعًا وفقًا لأعراف تلك المرحلة. خاتمة: يخلص هذا التحليل إلى أن كتاب "كارل بروكلمان في الميزان" لشوقي أبو خليل يمثل مرجعاً أساسياً في نقد الاستشراق، نجح في كشف القناع عن أحد أبرز أعلامه، لقد أثبت أبو خليل أن الموضوعية والعلمية التي تغطى بها بروكلمان وغيره كانت في كثير من الأحيان ستاراً لتحيزات عميقة الجذور، وأن القبول الذي حظي به كان مرتبطاً بمدى توافق خطابه مع الصورة النمطية السلبية عن الإسلام في الخيال الغربي. الكتاب ليس مجرد رد على بروكلمان، بل هو دعوة للباحث العربي إلى التحرر من التبعية الفكرية للمركزية الغربية، وإلى تمحيص تراث المستشرقين تمحيصاً نقدياً، والأخذ بما فيه من منافع موضوعية حقيقية، ورفض ما فيه من أحكام مسبقة وتشويهات أيديولوجية. إنه نموذج لأكاديمية عربية واعية بذاتها وتاريخها، ترفض أن تكون مجرد محتاج للمعرفة، وتطمح إلى أن تكون منتجة لها وناقدة لها في آن معاً. بقلم الدكتور محمد سعيد أركي مع تحيات قسم التاريخ والفكر الإسلامي Generations and Technology University