الفصل بين التربية والتعليم فكرة مدمرة : بقلم البروفسور محمد كالو فكرة الفصل بين التربية والتعليم، فكرة أوربية خطيرة ومدمرة، هذه فرنسا مثلاً تقول: بأن التربية شأن خاص والتعليم شأن عام، ليست من وظيفة الدولة تربية الجيل، بل تعليمه فقط، وتأثرت بعض الدول العربية والإسلامية بهذا وفصلوا بين التربية والتعليم. حين نقول: التربية شأن خاص، فنحن نحيل التربية على الأسرة، وليست كل أسرة قادرة على التربية السليمة لأبنائها، فكثير من الأسر غير قادرة على التربية، بل ربما يكون رب الأسرة جاهلاً! بل كثير من الأسر هي أساس البلاء لأبنائها! لأن كثيراً من الوالدين لديهم تصورات كثيرة خاطئة، ويتعلم الابن منهما تصورات سلبية مضرة. إننا حينما نغذي الإنسان بالعلم فقط يصبح كالأجهزة بدون تربية، وسيستخدم هذا العلم بطرق غير نافعة بل مضرة للأمة. إن التربية الإسلامية تربيةٌ عملية، فالإسلام يحثُّ على تعليم كلِّ علمٍ نافع للإنسان ولمجتمعه وللإنسانية جمعاء، فالمعلومات والمعارف من أهمِّ محتويات التربية الإسلامية، ونظرةُ الإسلام المُثلى والعميقة إلى اكتساب المعارف والعلوم ترفع عمليةَ التربية والتعليم إلى درجة العبادة والقداسة، ويربط الإسلامُ مضمونَ المعارف والعلوم بالهدف الأكبر للتربية الإسلامية، وهو تقوَى الله تعالى وخشيته، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. وإذا أمعنا النظر في الحديث النبوي الشريف: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ) [رواه البخاري]. فهل نفهم من هذا الحديث أن تعلم قراءة القرآن أهم من علم الطب والهندسة؟ أبداً، ليس هذا هو المقصود، بل المراد أن القرآن يزودك بالوعي والأخلاق والتربية، التي هي أهم من كل العلوم، فالطب والهندسة علم، والعلم وسيلة وليس غاية، وإذا استخدم الإنسان هذا العلم بدون وعي ولا أخلاق ولا تربية، فسيدمر ويخرب، ويصبح سلاحاً فتاكاً يضر نفسه ومن حوله، لذلك أولئك الذين اخترعوا الدبابات والقنابل النووية من الأسلحة المدمرة ألم يكونوا أذكياء وعلماء؟ بلى، ولكنهم استخدموا هذا العلم للدمار والخراب، أضروا وأبادوا البشرية بهذه الأمور؛ فقد قتل بهذه الأسلحة الفتاكة، الملايين من البشر، لذلك السؤال الأهم هنا: أيهما أهم العلم أم الوعي؟ طبعاً الوعي، والوعي لا يأتي بالعلم فقط، لأن العلم يعطيك معلومات فقط، ولكن كيف ستتصرف بهذه المعلومات؟ هنا يأتي دور القرآن في التربية ليوجه الإنسان نحو ما هو نافع للبشرية، فالعلماء يجب أن يكونوا حكماء وراشدين، إذ التربية في الأصل ممارسة وليست مدارسة. إن هدف التربية يتجه إلى تنمية وصقل جميع جوانب الشخصية الإنسانية بما يكوِّن في المجتمع أعضاء صالحين ذوي مواهب وقدرات وخبرات وكفاءات مميزة، متعاونين متآزرين، سعداء ذوي نظرة إيجابية للحياة، قادرين على مساعدة وإسعاد أسرهم وأقربائهم وإعانة بقية أفراد مجتمعهم، حريصين على القيام بواجباتهم الإنسانية تجاه غيرهم. ومن الخطأ أن نظن اليوم أن مجرد التعليم بحشو الأذهان بالمعلومات المقررة يؤدي إلى تربية البشر ويرتقي بهم إلى الكمال، كما يؤدي إلى نمو جميع جوانب الإنسان مثل النمو الروحي والأخلاقي وما إلى ذلك، ومن الأدلة على ذلك أن ارتفاع معدل نسبة التعليم في المجتمعات لم يؤد إلى إقلال الشرور والجرائم، وإننا نرى اليوم أن نسبة الفساد لدى المتعلمين لا تقل عما لدى غير المتعلمين، وبخاصة إذا رأينا ما صدر من الفساد والجرائم من كبار المتعلمين ومن الموظفين والمسئولين حتى في أكثر الدول تقدماً في المجالات العلمية؛ نقتنع عندئذ بأن مجرد حشو الأذهان بالمعلومات المقررة لا يؤدي إطلاقاً إلى إصلاح النفوس، وإلى الرقي الروحي والأخلاقي والاجتماعي، ويفسر ذلك أيضاً ظاهرة الغش وعدم التمسك بالقيم الإسلامية لدى المتعلمين بصفة عامة. إن عملية التعليم إذا زالت عنها السمة التربوية أصبحت مجرد حشو وتكديس لمعلومات لا تفيد في تشكيل الشخصية أو تعديل اتجاهاتها بالشكل الايجابي المرغوب منها، والحاجة الماسة تظهر دائماً للمربي الكامل الذي يمكنه القيام بعمليتي التربية والتعليم معاً؛ وذلك يأتي باقتران أقواله بأفعاله، فإن حث على الصدق كان صادقاً، وإن رغب في الرحمة كان رحيماً، وإن وجه إلى الإتقان كان متقناً وهكذا، فيساعد على تكوين الشخصية السوية المتكاملة. إن التربية والتعليم عِلم له قواعد معيَّنة، وأصول مرعيَّة، تنبثقُ من طبيعة المجتمع وعقيدته وثقافته، وقد جاء ذلك جليًّا في القرآن الكريم في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع الخَضر، وفي الإسلام بدأ علمُ التربية والتعليم مع بزوغ فجر الإسلام، فالنواة الأولى للتربية بدأت بمكَّة المكرمة، وأما التعليم فبدأت نواتُه بالمدينة المنورة وسارا متلازمين، وصارت له مدرسة في مدينة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، هذه المدرسة التي أنشأها الرسولُ الكريم للتربية والتعليم، كان كِتَابها القرآن، وهو الوحي المتلوُّ، وبيانها ما جاء عن النبي من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير، وقد شرحه لهم عمليًّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونَما مع تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه، ونضج معه وبه، وهذا مصداقًا لقوله عزَّ وعَلَا: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، دقق في قوله: (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ) فالتزكية والتربية قبل التعليم دائماً. ومما يدل على تلازم التربية والتعليم في عصر النُّبوَّة ما ذكره أبو ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه، قال: لقيت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقلت: يا رسولَ اللهِ، ادفَعْني إلى رجلٍ حسَن التعليمِ، فدفعني إلى أبي عبيدةَ بنِ الجراحِ، ثم قال: (قد دفعتُك إلى رجلٍ يحسنُ تعليمَك وأدبَك) [المعجم الكبير للطبراني]، فتربى الصحابةُ الكرام وتعلموا أن العلم والتفقُّه في الدين وسيلةٌ إلى غاية عظيمة؛ وهي عبادة الله تعالى وحده. فالتربية أولاً ثم التعليم، ومن هنا جاءت تسمية الوزارة بوزارة التربية والتعليم، والتعليم جزء من التربية وليس العكس، والتربية ذو غرض رفيع وسام، أما التعليم فقد يكون ذو غرض سام أو غرض غير سام، والتربية تعد الإنسان للحياة جميعها، بينما التعليم يعد الإنسان لحرقة أو لمهنة أو لشيء معين، لذلك كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقولُ إذا صلَّى الصُّبحَ حينَ يسلِّمُ: (اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ عِلمًا نافعًا ورزقًا طيِّبًا وعملًا متقبَّلًا) [رواه ابن ماجه]، وكانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يستعيذ من علم لا ينفع، فيقولُ: (اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ الأربعِ: مِن عِلمٍ لا ينفَعُ ، ومِن قَلبٍ لا يخشَعُ ، ومِن نَفسٍ لا تَشبعُ ، ومِن دُعاءٍ لا يُسمَعُ) [رواه أبو داود]. الدكتور محمد محمود كالو Generations and Technology University