قراءة في كتاب "الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشرين"

قراءة في كتاب "الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشرين" يُعد كتاب "الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشرين" للدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى (دار الفكر، 1995م، 240 صفحة) دراسة نقدية هامة في ميدان الدراسات الاستشراقية، حيث يعالج المؤلف فيه عشرين إسقاطاً فكرياً ومنهجياً مارسه المستشرقون والمبشرون على الإسلام وتاريخه ونبيه، محاولاً تفكيك منطلقاتها وتفنيد دعاواها بأسلوب علمي وتحليلي رصين. -افتتح الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى كتابه بتمهيد يعرض فيه الأسباب التي دعته إلى التصدي لهذا الموضوع، منبهاً إلى الصورة الظالمة والمشوَّهة التي رسمها بعض المستشرقين والمبشرين عن الإسلام، والتي تتكرر في كتاباتهم، بل وتتحول إلى ثوابت في الخطاب الاستشراقي و التبشيري. كما أشار إلى مؤتمر كولورادو عام 1989، الذي يعكس حجم الجهد المنظم لإنتاج معرفة استشراقية/تبشيرية مؤدلجة، تعتمد على الكذب والتلفيق والتكرار، وتستهدف إعادة تشكيل وعي المسلمين أنفسهم بالإسلام. تعريف الإسقاط يعرف المؤلف الإسقاط بأنه: إلصاق عيوب الآخر به، أو تفسير سلوك الآخر بناءً على دوافع ومفاهيم نابعة من الذات المُسقِطة. ويستشهد بالمثل الشهير: "رمتني بدائها وانسلَّت"، ليبين كيف أن ما يُنسب إلى الإسلام في هذه الكتابات هو في الحقيقة مما عانت منه المجتمعات الغربية ذاتها. عرض الإسقاطات وتفنيدها يستعرض المؤلف عشرين إسقاطًا شائعًا، منها: الإسلام بدعة نصرانية 2. الإسلام مقتبس من اليهودية والمسيحية 3. محمد صلى الله عليه وسلم طفولته غامضة 4. القرآن تأليف محمد صلى الله عليه وسلم 5. تناقض في القرآن 6. القرآن رؤى محمد عليه الصلاة والسلام 7. عقلنة الإسلام 8. الإسلام عدو العلم 9. حارب الإسلام الفلسفة 10. حرق المسلمون الكتب والمكتبات خلال فتوحاتهم 11. الإسلام عدو المرأة 12. الإسلام دين للعرب فقط 13. انتشر الإسلام بالسيف قهراً للشعوب 14. نشر الإسلام الرقيق وشجع عليه 15. نظام الطبقات في الإسلام 16. في فتوحات الإسلام الغنيمة هي الهدف 17. تعصب المسلمين 18. ظلم الأقليات غير الإسلامية في المجتمع الإسلامي وقهرها 19. العصور الإسلامية المشرقة عصور وسطى مظلمة 20. يعبد المسلمون ثالوثاً!؟ لكل إسقاط فصل مستقل يناقش فيه المؤلف رحمه الله تعالى أصل الإشكال، ويعرض أقوال المستشرقين، ثم يرد عليها بالحجج العقلية والتاريخية واللغوية، ويكشف خلفياتهم الأيديولوجية. أمثلة نقدية من الاسقاطات اللافتة التي يناقشها المؤلف رحمه الله تعالى، ادعاء بعض المستشرقين أن القرآن من تأليف النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يفند الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى هذا الطرح عبر مقارنة نصوص القرآن بمستوى الثقافة السائد في البيئة الجاهلية، مؤكدًا أن النبي لم يكن قارئًا ولا كاتبًا، ولم يُعرف عنه أي نشاط ديني أو فلسفي قبل البعثة. كما يستشهد بشهادات باحثين غربيين منصفين يرون أن تركيب القرآن اللغوي والفكري يتجاوز قدرة أي عقل بشري فردي في تلك الفترة. وينتقد الدكتور شوقي بو خليل رحمه الله تعالى كذلك ظاهرة التكرار الدعائي في الكتابات الاستشراقية، حيث تُعاد اتهامات قديمة دون تمحيص أو مراجعة علمية، ما يدل على غياب الموضوعية وسيادة المنهج الأيديولوجي على الأكاديمي. قصة الحاج إبراهيم خليل أحمد يربط الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى بين دراسة القرآن وتعمق الباحثين في فهم الإسلام، مستعرضًا قصة الحاج إبراهيم خليل أحمد، الذي نشأ في الإسكندرية بمصر، ودرس وعمل في أمريكا قبل أن يعتنق الإسلام. تبرز القصة كدليل حي على أن البحث العميق والنقدي في النصوص الدينية يمكن أن يؤدي إلى فَهم جديد للإسلام، بعيدًا عن التصورات المسبقة والمغالطات التي يروج لها بعض المستشرقين والمبشرين. مقارنة الفتح مع الاستعمار بين الفتح الإسلامي والاستعمار الغربي: تفكيك إسقاط شائع من بين أبرز الإسقاطات التي يتصدى لها الدكتور شوقي أبو خليل في كتابه، محاولة بعض المستشرقين والمبشرين تصوير الفتح الإسلامي بأنه شكل من أشكال الاستعمار. إلا أن قراءة التاريخ بدقة تُبيّن التمايز الجذري بين الظاهرتين؛ فالاستعمار الغربي ارتبط تاريخيًا بالتجهيل المنهجي ونهب الثروات وإلغاء الهوية الثقافية.فأينما حلّ الاستعمار الغربي، أُغلقت المدارس، وانتشر الجهل، كما حدث في مصر التي تركها الاحتلال البريطاني بنسبة أمية قاربت 98%، أو في الهند وغرب إفريقيا حيث أُغلقت الجامعات الكبرى مثل جامعة تمبكتو، بل ووُقّعت اتفاقيات تشترط عدم إعادة فتحها أو التدريس بالعربية كما فعلت فرنسا مع مالي عام 1960. في المقابل، ارتبط الفتح الإسلامي بنشر العلم وتأسيس المدارس والجامعات، انطلاقًا من مبدأ طلب العلم فريضة، حيث أنشئت الكتاتيب، وانتشرت مراكز التعليم في الأندلس، وخراسان، وبغداد، وغيرها. بل إن أبرز علماء الحضارة الإسلامية كابن سينا، والخوارزمي، والبخاري، والرازي كانوا من أبناء البلاد المفتوحة، مما يؤكد أن الفتح لم يكن استعمارًا، بل انطلاقة لحضارة علمية شارك فيها الجميع. لذلك نجد أن الدكتور شوقي أبو خليل يركز في "الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشرين" على الفرق الجوهري بين الفتح الإسلامي وحركة الاستعمار، مشيرًا إلى أن الفتح الإسلامي حمل رسالة دينية توحيدية وتحررية و إنسانية اتسمت بالسماحة والرحمة وجلبت للبلاد المفتوحة الإزدهار العلمي والإقتصادي والطبي ، بينما كان الاستعمار أداة سياسية واقتصادية بحتة تسعى لنهب ثروات الشعوب وسيطرتها عليها وإفقارها وتجهيلها. ملاحظات نقدية رغم الجهد الكبير، يلاحظ القارئ افتقار بعض مواضع الكتاب إلى التوثيق الدقيق، حيث تُعرض نصوص أو أفكار استشراقية من دون إحالة مباشرة إلى المصدر الأصلي، خصوصًا في مناقشة نصوص توراتية أو إنجيلية وأقوال مستشرقين أو مبشرين. كما يغلب على بعض الفصول الطابع الدفاعي، يمكن طرح عدة أسباب محتملة لذلك، منها: 1. شيوع الشبهات دون مصدر محدد: كثير من الشبهات التي تناولها الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله تعالى أصبحت متداولة على نطاق واسع في الأدبيات الاستشراقية والتبشيرية، فتكررت في كتب ومقالات ومحاضرات دون أصل واضح، مما يصعب نسبتها بدقة لمصدر بعينه. 2. التركيز على الفكرة لا القائل: قد يكون قصد الدكتور شوقي رحمه الله تعالى أن يركز على دحض مضمون الشبهة أكثر من تتبع قائليها، خاصة وأن كثيرًا من هذه الطروحات تتشابه في روحها ومنطلقاتها، وإن اختلفت الأسماء. 3. طبيعة النشر الموجّه: ربما أراد الدكتور شوقي رحمه الله تعالى الوصول لجمهور واسع بلغة تحليلية مبسطة، دون الإغراق في التوثيق الأكاديمي، مما يجعله أحيانًا يتجاوز ذكر التفاصيل المرجعية. 4. ضعف بعض المصادر الأصلية أو ندرتها: قد يكون الدكتور شوقي رحمه الله تعالى اطّلع على تلك الشبهات في نشرات تبشيرية أو مواد استشراقية يصعب توثيقها لأنها غير منشورة أكاديميًا أو بلا رقم إيداع.. يمكن القول إن كتاب "الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشرين" يمثل إسهامًا مهمًا في نقد الخطاب الاستشراقي والتبشيري، ويؤسس لأرضية معرفية صلبة لمواجهة التزييف الذي طال الإسلام وتاريخه. ورغم بعض النقاط التي تحتاج إلى تحسين، يبقى العمل مرجعًا ضروريًا للباحثين والمهتمين بالدراسات الإسلامية والنقدية. الخاتمة إن هذا الكتاب يفتح الباب أمام المزيد من الدراسات النقدية المعمقة التي تجمع بين التخصص الأكاديمي والوعي الحضاري، ويُعد خطوة رائدة نحو تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، التي روج لها الاستشراق والتبشير عبر قرون. بقلم الدكتور محمد سعيد أركي مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية التاريخ والفكر الإسلامي Generations and Technology University